فصل 66

فصل 66

كُلَّمَا تَحَرَّكَ، كَانَ يَشْعُرُ بِأَلَمٍ يَسْرِي فِي جَسَدِهِ بِالْكَامِلِ. وَبِوَجْهٍ انْقَبَضَ إِثْرَ الْأَلَمِ اللَّاذِعِ، نَهَضَ بِكَادٍ مِنْ مَقْعَدِهِ، يَتَرَنَّحُ وَهُوَ يَتَّجِهُ نَحْوَ الْبَابِ.
«آه، إِنَّهُ هُوَ. سَأَذْهَبُ قَرِيباً».
عَصَرَ قَيْصَرُ بِقَبْضَتِهِ خَصْرَ دُمْيَتِهِ وَتَحَدَّثَ فِي الْهَاتِفِ وَهُوَ يَمِيلُ بِكَتِفِهِ: «حَسَناً، فِي غُضُونِ سَاعَةٍ تَقْرِيباً؟ يَبْدُو أَنَّ الثَّلْجَ بَدَأَ يَتَسَاقَطُ…».
قَيْصَرُ، الَّذِي كَانَ يَتَحَدَّثُ وَهُوَ يَنْظُرُ عَبْرَ النَّافِذَةِ، تَوَقَّفَ عَنِ الْكَلَامِ فَجْأَةً. لَقَدْ لَمَحَ رَجُلاً طَوِيلاً يَمْشِي خَارِجَ النَّافِذَةِ. قَالَ قَيْصَرُ وَهُوَ يَرَى ظَهْرَ قَمِيصِهِ الْأَبْيَضِ كَالْثَّلْجِ دُونَ أَنْ يَرْتَدِيَ شَيْئاً تَحْتَهُ، بَيْنَمَا كَانَ يَطَأُ الثَّلْجَ مُبْتَعِداً:
«لَا، سَيَسْتَغْرِقُ الْأَمْرُ سَاعَتَيْنِ تَقْرِيباً».
تَعَالَى صَوْتُ قَرْقَعَةٍ وَتَهَشُّمٍ لِلْجَلِيدِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. تَحَرَّكَ لِي وُون بِبُطْءٍ وَهُوَ يُخْرِجُ لِسَانَهُ بِرِفْقٍ. ارْتَطَمَتْ نَدَفُ الثَّلْجِ بِلِسَانِهِ وَسُرْعَانَ مَا تَحَوَّلَتْ إِلَى مَاءٍ وَاخْتَفَتْ. كَانَتْ قَدَمَاهُ الْعَارِيَتَانِ تَشْعُرَانِ بِبَرْدٍ قَارِسٍ فِي الثَّلْجِ، لَكِنَّ لِي وُون لَمْ يَرْغَبْ فِي الْعَوْدَةِ. كَانَ الْهَوَاءُ الْبَارِدُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْ طَرَفِ أَنْفِهِ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ يُنَقِّي رِئَتَيْهِ.
«الْآنَ بَعْدَ أَنْ أَفْكِرَ فِي الْأَمْرِ، لَقَدْ مَضَى وَقْتٌ طَوِيلٌ مُنْذُ أَنْ دَخَّنْتُ…».
وَعِنْدَمَا دَاهَشَهُ الْأَمْرُ دُونَ أَنْ يَنْتَبِهَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، سَمِعَ خَطَوَاتٍ تَقْتَرِبُ مِنْ خَلْفِهِ. وَعِنْدَمَا أَدَارَ لِي وُون رَأْسَهُ، كَانَ قَيْصَرُ لَا يَزَالُ وَاقِفاً هُنَاكَ.
هَلْ كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ تُحَاوِلُ الْفِرَارَ؟
فَكَّرَ لِي وُون فِي ذَلِكَ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ. كَانَ خَالِيَ الْوِفَاضِ. ابْتَسَمَ قَيْصَرُ عِنْدَمَا لَاحَظَ مَعْنَى النَّظْرَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ يَقْرَأُ مَا يَدُورُ دَاخِلَ رَأْسِ لِي وُون.
«لَا يُمْكِنُكَ الْفِرَارُ بِجَسَدٍ كَهَذَا».
«هَلْ أَقْصُوكَ بِالرَّصَاصِ؟ أَمْ طُعِنْتَ حَتَّى الْمَوْتِ؟».
هَزَّ قَيْصَرُ كَتِفَيْهِ إِثْرَ التَّعْلِيقِ السَّاخِرِ:
«الْمُسَدَّسُ لَنْ يُطْلِقَ النَّارَ بَعْدَ الْآنَ. إِذَا كَانَ مُمْكِناً، فَمِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ نَسْتَمْتِعَ».
نَظَرَ إِلَيْهِ لِي وُون بِعَيْنَيْنِ مَرِيرَتَيْنِ: «أَنْتَ الْوَحِيدُ الَّذِي يَسْتَمْتِعُ بِهَذَا؟».
قَالَ قَيْصَرُ بِلَا خَجَلٍ:
«أَلَيْسَ مِنَ الْأَفْضَلِ الِاسْتِمْتَاعُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بَدَلاً مِنْ خَسَارَتِهِمَا مَعاً؟».
أَرَادَ أَنْ يَقْذِفَهُ بِالثَّلْجِ، لَكِنَّ طَاقَتَهُ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ حَدَّهَا. فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِ حَتَّى الْمَشْيُ لِمِائَةِ مِتْرٍ. وَمَعَ وُصُولِهِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ، شَعَرَ وَكَأَنَّهُ سَيَسْقُطُ. اقْتَرَبَ مِنْهُ قَيْصَرُ، بَعْدَ أَنِ امْتَقَعَ لَوْنُهُ وَتَسَارَعَتْ أَنْفَاسُهُ، خَلَعَ مِعْطَفَهُ وَأَلْبَسَهُ إِيَّاهُ. كَانَ فَرْوُ قَيْصَرُ كَبِيراً قَلِيلاً عَلَى لِي وُون، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَيِّئاً.
نَظَرَ إِلَى لِي وُون بِصَمْتٍ وَدَاعَبَ خَدَّهُ بِأُصْبُعِهِ. فَرِكَتِ الْعِظَامُ الطَّوِيلَةُ لِأَصَابِعِهِ خَدَّيْهِ بِرِفْقٍ، وَبَقِيَتِ الْحَرَارَةُ الدَّافِئَةُ لِوَهْلَةٍ ثُمَّ تَوَّارَتْ. لَمْ يَقُلْ لِي وُون شَيْئاً.
قَيْصَرُ، الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُهُ بِصَمْتٍ، أَمَالَ رَأْسَهُ. تَشَابَكَتْ شِفَاهُهُمَا، لَكِنَّ لِي وُون لَمْ يَمْنَعْهُ. فَقَطْ شَعَرَ بِشَفَتَيْهِ دَافِئَتَيْنِ عَلَى جَسَدِهِ الْبَارِدِ. امْتَزَجَتْ لُغَاتُهُمَا بِبُطْءٍ وَالْتَقَتْ شِفَاهُهُمَا. كَانَ لِي وُون يَتَقَبَّلُ قُبْلَتَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَضِنْ خَصْرَهُ، وَلَمْ يَسْحَبْهُ إِلَيْهِ أَوْ يُدَاعِبْ خَدَّهُ. كُلُّ مَا فَعَلَهُ لِي وُون هُوَ أَنْ يَتْرُكَهُ فِي سَلَامٍ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ عِنْدَمَا كَانَ يُجْبَرُ عَلَى مُمَارَسَةِ الْجِنْسِ أُحَادِيِّ الْجَانِبِ.
رَفَعَ قَيْصَرُ، الَّذِي كَانَ يَتَبَادَلُ اللَّعَابَ مَعَ مُدَاعَبَةِ لِسَانِهِ، رَأْسَهُ. وَبَدَتْ تَعَابِيرُ وَجْهِ قَيْصَرُ مُتَفَاجِئَةً عِنْدَمَا رَأَى وَجْهَ لِي وُون، الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِمَلَامِحَ خَالِيَةٍ مِنَ التَّعْبِيرِ.
«كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّكَ سَتَعَضُّ لِسَانِي».
كَانَ قَبُولُ لِي وُون لِلْقُبْلَةِ فِي صَمْتٍ أَمْراً يَبْدُو صَعْبَ التَّصْدِيقِ. عَلَى الْفَوْرِ، أَعَادَ لِي وُون الْقُوَّةَ إِلَى عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ إِلَيْهِ:
«هَلْ يُمْكِنُنِي فِعْلُ مَا أُرِيدُ؟»
«آهَاهَاهَا».
انْفَجَرَ قَيْصَرُ ضَاحِكاً فِي النِّهَايَةِ، كَمَا لَوْ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ كَبْتَ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ كَانَ مُمْتِعاً لِلْغَايَةِ. فَقَطْ عَقَدَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ وَهُوَ يُرَاقِبُهُ يَبْتَسِمُ لِوَقْتٍ طَوِيلٍ بَيْنَمَا يَنْحَنِي جَسَدُهُ جَانِباً مِنْ خَصْرِهِ.
كُنْتُ فَقَطْ عَلَى وَشْكِ السُّؤَالِ.
قَيْصَرُ، الَّذِي كَادَ يَتَوَقَّفُ عَنِ الضَّحِكِ، أَمْسَكَ فَجْأَةً بِـلِي وُون مِنْ خَصْرِهِ وَجَذَبَهُ أَقْرَبَ. عَلَى الْفَوْرِ، تَشَابَكَتْ أَجْسَادُهُمَا وَانْهَارَا مَعاً. قَيْصَرُ، الَّذِي وَقَعَ فِي حُبِّ لِي وُون، وَاجَهَ لِي وُون الَّذِي كَانَ مُسْتَلْقِياً عَلَى ظَهْرِهِ. دَاعَبَ خَدَّ لِي وُون بِرِفْقٍ بِأُصْبُعِهِ وَفَتَحَ فَمَهُ:
«هُنَاكَ اجْتِمَاعٌ تَنْفِيذِيٌّ».
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَدْرَكَ لِي وُون أَنَّهُ كَانَ يَرْتَدِي بِدْلَةً كَامِلَةً. أَجَابَ قَيْصَرُ وَهُوَ يَسْتَلْقِي فِي الثَّلْجِ نَاظِراً إِلَى لِي وُون:
«سَيَسْتَغْرِقُ الْأَمْرُ بَعْضَ الْوَقْتِ. سَيَنْتَهِي قَرِيباً».
لَمْ يَقُلْ لِي وُون شَيْئاً بَعْدُ. مَدَّ قَيْصَرُ يَدَهُ نَحْوَ لِي وُون الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ فَقَطْ، وَجَذَبَ رَأْسَهُ. الْتَقَتْ شِفَاهُهُمَا، لَكِنَّ هَذَا كَانَ كُلَّ شَيْءٍ. لَمْ يَسْتَجِبْ لِي وُون لِلْقُبْلَةِ الَّتِي لَعَقَتْ وَفَرَكَتْ فَمَهُ بِأَسَفٍ وَلَوْعَةٍ.
الْيَدُ الَّتِي دَاعَبَتِ الْخَدَّ تَجَوَّلَتْ نَحْوَ الْعُنُقِ. الْيَدُ الَّتِي كَانَتْ تُدَاعِبُ جَسَدَ لِي وُون فَوْقَ الْقَمِيصِ الرَّقِيقِ رَفَعَتْ قَمِيصَهُ وَأَمْسَكَتْ بِأَرْدَافِهِ مِنْ الْأَسْفَلِ. فِي لَحْظَةٍ، تَصَلَّبَ جَسَدُ لِي وُون بِالْكَامِلِ. اِفْتَرَقَتْ شِفَاهُهُمَا وَالْتَقَتْ أَعْيُنُ قَيْصَرُ وَلِي وُون، يَنْظُرَانِ إِلَى بَعْضِهِمَا دُونَ نُطْقٍ بِكَلِمَةٍ.
«سَأَعُودُ».
قَالَ قَيْصَرُ. لَمْ يُجِبْ لِي وُون. ابْتَسَمَ قَيْصَرُ بِمَرَارَةٍ كَمَا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ. وَفِي عَيْنَيْهِ الرَّمَادِيَّتَيْنِ الْفِضِّيَّتَيْنِ، اللَّتَيْنِ كَانَتَا مُبْتَلَّتَيْنِ نَوْعاً مَا، لَمْ يُظْهِرْ لِي وُون أَيَّ مَشَاعِرَ حَتَّى النِّهَايَةِ.
لَمْ يَكُنِ النَّادِي الْوَاقِعُ فِي ضَوَاحِي الْمَدِينَةِ بَعِيداً عَنْ فِيلَّا قَيْصَرُ. قَيْصَرُ، الَّذِي وَصَلَ إِلَى نَادِي دِمِيتْرِي عَبْرَ الثَّلْجِ الَّذِي بَدَأَ يَتَرَاكَمُ، مَرَّ بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ مُحِيطَهُ بِصَارِمَةٍ عِنْدَ الْمَدْخَلِ وَدَخَلَ بِأُلْفَةٍ. كَانَ هَذَا الْيَوْمُ، الَّذِي هُوَ الْعُطْلَةُ الْمُعْتَادَةُ لِلنَّادِي، مُخْتَلِفاً تَمَاماً عَنِ التَّصْمِيمِ الدَّاخِلِيِّ الصَّاخِبِ الْمُعْتَادِ. وَفِي صَمْتٍ بَدَا فِيهِ صَوْتُ سُقُوطِ الْإِبْرَةِ مَسْمُوعاً بَدَلاً مِنَ الْمُوسِيقَى، جَرَى تَوْجِيهُ قَيْصَرُ إِلَى الْغُرْفَةِ الْأَكْثَرِ خَفَاءً.
عِنْدَمَا فَتَحَ الْبَابَ وَمَرَّ بِالْمُوَظَّفِ الْمُتَقَاعِدِ، كَانَ مُعْظَمُ الْمَسْؤُولِينَ التَّنْفِيذِيِّينَ قَدْ تَجَمَّعُوا بِالْفِعْلِ فِي الدَّاخِلِ. الْمَسْؤُولُونَ التَّنْفِيذِيُّونَ، الَّذِينَ كَانُوا يَتَجَاذَبُونَ أَطْرَافَ الْحَدِيثِ بَيْنَمَا يَتَشَارَكُونَ الْمَشْرُوبَاتِ، أَغْلَقُوا أَفْوَاهَهُمْ بِقُوَّةٍ وَوَضَعُوا الْكُؤُوسَ لَحْظَةَ رُؤْيَتِهِمْ لِـقَيْصَرُ. فِي لَحْظَةٍ، سَادَ صَمْتٌ بَارِدٌ وَنَظَرَ الْجَمِيعُ إِلَى قَيْصَرُ بِأَعْيُنٍ مَذْهُولَةٍ وَغَرِيبَةٍ.
«مَرْحَباً، تَعَالَ، أَيُّهَا الْقَيْصَرُ».
ظَهَرَ دِمِيتْرِي فَجْأَةً مِنْ خَلْفِ قَيْصَرُ وَرَبَّتَ عَلَى كَتِفِهِ بِخِفَّةٍ. وَبِالنَّظَرِ نَحْوَ الْخَلْفِ، ابْتَسَمَ دِمِيتْرِي بِهُدُوءٍ وَأَشَارَ إِلَى تَشْوِي سَانْغْ-سُوك:
«إِنَّهُ مَقْعَدُ الْمَلِكِ».
وَبِنَاءً عَلَى كَلِمَاتِ دِمِيتْرِي، عَقَدَ قَيْصَرُ حَاجِبَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ يَقُولُ شَيْئاً بِلَا فَائِدَةٍ، لَكِنَّهُ ابْتَعَدَ دُونَ أَنْ يَقُولَ شَيْئاً. دَوَتْ خَطَوَاتُ قَيْصَرُ بِشَكْلٍ مَشْؤُومٍ عَبْرَ الصَّمْتِ السَّاكِنِ.
«جَيِّدٌ، الْآنَ بَعْدَ أَنْ تَجَمَّعْنَا جَمِيعاً، هَلْ نَبْدَأُ؟».
ابْتَسَمَ دِمِيتْرِي بِسَعَادَةٍ وَجَلَسَ بِجَانِبِ قَيْصَرُ كَمَا لَوْ كَانَ يَوَدُّ تَقْدِيرَ ذَلِكَ. تُوتْشِيف، الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ أَمَامَ دِمِيتْرِي وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ عَلَى الْجَانِبِ الْمُقَابِلِ لِقَيْصَرُ، نَظَرَ إِلَى دِمِيتْرِي وَابْتَسَمَ قَلِيلاً:
«هَذَا جَيِّدٌ».
مُلِئَتِ الْكُؤُوسُ أَمَامَ الْمَسْؤُولِينَ التَّنْفِيذِيِّينَ بِالْكُحُولِ، وَبَعْدَ أَنْ نَخَبَ الْجَمِيعُ، أُفْرِغَتْ عَلَى الْفَوْرِ. أَفْرَغَ قَيْصَرُ أَيْضاً كَأْسَهُ وَوَضَعَهُ. قَالَ دِمِيتْرِي، الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ فِي صَمْتٍ، وَهُوَ يَمْلَأُ كَأْسَهُ مِنْ جَدِيدٍ:
«تَبْدُو فِي حَالَةٍ سَيِّئَةٍ هَذِهِ الْأَيَّامَ، لَكِنَّكَ تَبْدُو جَيِّداً الْآنَ، أَلَيْس كَذَلِكَ؟»
«لَيْسَ تَمَاماً».
قَالَ قَيْصَرُ بِلَا مُبَالَاةٍ وَأَفْرَغَ كَأْسَهُ مُجَدَّداً. قَدَّمَ دِمِيتْرِي الْمَشْرُوبَ بِسُرْعَةٍ وَتَابَعَ:
«رَغْمَ ذَلِكَ، الْجَمِيعُ يَقُولُ، مِنَ الْجَيِّدِ أَنَّكَ تَخَلَّصْتَ مِنَ الْمُحَامِينَ الَّذِينَ يُحِيطُونَ بِكَ. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، قِيلَ إِنَّهُ كَانَ الِابْنَ الْخَفِيَّ لِـلُومُونُوسُوف؟».
وَبِنَاءً عَلَى كَلِمَاتِ دِمِيتْرِي، تَدَفَّقَتْ كَلِمَاتُ التَّعَاطُفِ هُنَا وَهُنَاكَ:
«لَا يُمْكِنُنِي تَجَنُّبُ ذَلِكَ، لُومُونُوسُوف رَانْ».
«لَا يُوجَدُ حَصَادٌ لِلْهَجِينِ. أَشْيَاءُ مُبْتَذَلَةٌ لَا يَعْرِفُونَ حَتَّى مَعْنَى الدَّمِ النَّقِيِّ».
«إِنَّهَا مَجْمُوعَةٌ مِنَ اللُّوسِيسْكِي الْمُنَظَّمَةِ، لِذَلِكَ نَحْنُ جَمِيعاً نَشْعُرُ بِالْخَزْيِ».
فَتَحَ قَيْصَرُ فَمَهُ فَجْأَةً أَمَامَ صَوْتِ الْهَمْسِ دُونَ إِضَاعَةِ فُرْصَةٍ: «مُزْعِجٌ».
فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، أَغْلَقَ الْجَمِيعُ أَفْوَاهَهُمْ. وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَسْؤُولِينَ التَّنْفِيذِيِّينَ يَنْظُرُونَ إِلَى بَعْضِهِمِ الْبَعْضِ بِخَجَلٍ، فَتَحَ دِمِيتْرِي فَمَهُ:
«مَاذَا تَفْعَلُونَ مَعِي، هَلْ تَمْزَحُونَ فَقَطْ؟ هَذَا صَحِيحٌ». ابْتَسَمَ دِمِيتْرِي بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ.
«وَهَذَا الْمُحَامِي لَعِينٌ».
لِلَحْظَةٍ، لَمَعَتْ عَيْنَا قَيْصَرُ بِشِدَّةٍ وَنَظَرَتَا إِلَى دِمِيتْرِي. فِي لَحْظَةٍ، سَادَ صَمْتٌ مُجَمَّدٌ دَاخِلَ الْغُرْفَةِ. وَفِي صَمْتِ الْمَوْتِ، فَتَحَ قَيْصَرُ فَمَهُ:
«إِذَا عُدْتَ لِقَوْلِ ذَلِكَ مُجَدَّداً، سَأَنْتَزِعُ لِسَانَكَ».
«لِمَاذَا؟ إِنَّهَا مُجَرَّدُ مَزْحَةٍ».
وَعِنْدَ رُؤْيَةِ دِمِيتْرِي يَنْظُرُ إِلَى الْمَسْؤُولِينَ التَّنْفِيذِيِّينَ الْآخَرِينَ كَمَا لَوْ كَانَ يَبْحَثُ عَنِ التَّعَاطُفِ، تَقَدَّمَ تُوتْشِيف خُطْوَةً إِلَى الْأَمَامِ كَمَا لَوْ كَانَ يَنْتَظِرُ.
«عَلَى أَيِّ حَالٍ، أَلَيْسُوا هَجِيناً مِنْ صِنْفٍ مُخْتَلِفٍ عَنْ صِنْفِنَا؟ مَهْمَا قِيلَ، مَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ؟».
عَادَ قَيْصَرُ لِيَتَحَدَّثَ بِشَكْلٍ قَاطِعٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ: «قُلْتُ إِنَّنِي لَا أُرِيدُ سَمَاعَهُ. تَوَقَّفْ».
سَادَ الصَمْتُ مِنْ جَدِيدٍ. وَفِي الْأَجْوَاءِ الْمُقْلِقَةِ الَّتِي تَدَفَّقَتْ فَجْأَةً، نَظَرَ الْجَمِيعُ دُونَ أَنْ يَرْفَعُوا كَأْساً حَتَّى. وَمِنْ بَيْنِهِمْ، فَتَحَ دِمِيتْرِي فَمَهُ:
«لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، صَحِيحٌ؟ لِمَاذَا غَيَّرْتَ مَوْقِفَكَ فَجْأَةً عِنْدَمَا سَمَحْنَا لِأَنْفُسِنَا بِالْمَزْحِ أَوْ لَعْنِ اللُّوسِيسْكِي؟».
أَجَابَ قَيْصَرُ بِلَا مُبَالَاةٍ:
«أَلَمْ يُعَلِّمُوكَ أَنَّ السُّخْرِيَةَ مِنَ الْآخَرِينَ سُلُوكٌ سَيِّئٌ، يَا دِمِيتْرِي؟».
«أَجَلْ، لَمْ أَتَعَلَّمْ ذَلِكَ أَبَداً».
ضَيَّقَ دِمِيتْرِي عَيْنَيْهِ وَقَالَ:
«لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ أَنَّ السَّلَالَاتِ الْمُخْتَلِطَةَ وَاللُّوسِيسْكِي هُمْ حُثَالَةٌ».
(اللوسيسكي هو ذو الأعراق المختلطة و هي كلمة ساخرة تشبه كلمة هجين في معناها )
«جَيِّدٌ جَيِّدٌ».

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!