«لأنَّني كُنتُ صغيرًا».
نطقَ قيصرُ بمرارةٍ، ثمَّ أفرغَ الكأسَ التي أمامَهُ دفعةً واحدةً. كانت هناكَ امرأةٌ تجلسُ بجانبي، مالت تملأُ كأساً من “الفودكا”. لم تمرَّ سوى خمسِ دقائقَ على وصولِ قيصرَ إلى النادي، حتّى كانَ قد حُوطَ بعشراتِ النساءِ.
وبما أنَّهُ كانَ يدركُ الهُويّةَ الحقيقيّةَ للرجلِ، لم يستطع مَنْعَ القشعريرةِ التي سرت في جسدِهِ من ثِقَلِ الحضورِ الذي يفرضُهُ قيصرُ. عدا عن ذلكَ، كلُّ ما كانَ عليهِ فِعلُهُ هو كتمُ أنفاسِهِ والانتظارُ، وتسليمُ جسدِهِ حينما يرغبُ الرجلُ في ذلكَ.
وعلى النقيضِ تماماً من النساءِ اللواتي أحطْنَ بـ قيصرَ؛ حيثُ غلبَ عليهنَّ التوترُ وهُنَّ يرمُقْنَهُ بنظراتٍ مُثبَّتةٍ، كانت النساءِ حولَ “دميتري” يضججنَ بالضحكِ، ويلمسنَ جسدَهُ ويُقبِّلنَهُ. فخلافاً لـ قيصرَ الذي كانَ يشبهُ “ذئباً فضيّاً”، كانَ “دميتري” -بشعرِهِ البُنيِّ الداكنِ وعينيهِ الخضراوينِ الغائرتينِ- رجلاً متطرفاً في مظهرِهِ وشخصيتِهِ.
حتى الأجواءُ المحيطةُ بتلك الطاولةِ الضخمةِ كانت تكشفُ عن تباينٍ صارخٍ؛ فمن جهةٍ، تهبُّ موجةٌ قطبيّةٌ عاتيةٌ، ومن الجهةِ الأخرى، تسودُ أجواءُ الغاباتِ الاستوائيّةِ. ورغمَ أنَّهُما أبناءُ عمومةٍ، إلا أنَّ الاختلافَ بينهما كانَ جذرياً؛ فكلما رآهما الناسُ، فكروا في الأمرِ ذاتِهِ.
ومرةً أخرى، وعلى العكسِ من قيصرَ الذي لم يكن يلقي بالاً للنساءِ، فما بالك بلمسِهنَّ، كانَ “دميتري” لا يكتفي بامرأةٍ تحت كلِّ ذراعٍ، بل بدا مشغولاً للغايةِ بهنَّ. وإذا احتسبتَ النساءِ اللواتي كُنَّ يتدافعنَ للوصولِ إلى ذراعيهِ ويتشاجرنَ فيما بينهُنَّ، فقد تجاوزَ عددُ المحيطاتِ بهِ عشرَ نساءٍ.
لكن رُغمَ هذا الزحامِ، لم يُهمِل “دميتري” واحدةً منهنَّ. وبعدَ لحظاتٍ، قامتِ الجميلةُ التي كانت تحتلُّ المقعدَ المجاورَ لهُ، وابتسمت بينما كان هو يبتسمُ، ومسحت شفتيها بصدرِهِ المكشوفِ.
«إذاً، يا قيصرُ..»
ابتسمَ “دميتري” -وهو أحدُ القلائلِ الذين يجرؤونَ على مناداتِهِ باسمِهِ المجرّدِ- حينَ رأى وجهَ المرأةِ المسترخي، ثمَّ تابعَ:
«كيفَ تسيرُ الأمورُ؟»
أجابَ قيصرُ باقتضابٍ: «على نحوٍ جيدٍ».
عقدَ “دميتري” حاجبيهِ وهو يجرعُ “الفودكا”. اعتبرَ المديرُ هذهِ الحركةَ إشارةً، فأومأَ بسرعةٍ. وعلى الفورِ، نهضتِ النساءِ اللواتي تجمهرنَ حولَهُ واختفينَ في لمحِ البصرِ. تلك الطاولةُ التي كانت تضجُّ بالنساءِ قبلَ قليلٍ، غَرقت فجأةً في سكونٍ تامٍ. وبعدَ أن اختفى المديرُ أيضاً، شاحَ “دميتري” بنظرِهِ عن بابِ الغرفةِ الخاصةِ المُغلقِ بإحكامٍ، ونظرَ إلى قيصرَ.
«هل اطلعتَ على الوثائقِ الخاصةِ بـ “جدانوف”؟»
أجابَ قيصرُ مرةً أخرى باختصارٍ: «بالطبعِ».
«ولكن، هل ستستمرُ في هذا الطريقِ؟»
لم يَقُل قيصرُ شيئاً هذهِ المرةَ رداً على سؤالِ “دميتري”. إنَّ ابنَ عمِّهِ “دميتري” هو ضابطٌ سابقٌ في الاستخباراتِ السوفيتيةِ (KGB)، وهو الآنَ صاحبُ هذا النادي السريِّ. ورغمَ مِهنَتِهِ الحاليّةِ، إلا أنَّهُ لا يزالُ يُعرفُ برجلِ الاستخباراتِ؛ فلا توجدُ معلومةٌ لا يمكنُهُ الحصولُ عليها. هذه هي المعلوماتُ التي قدَّمها لـ قيصرَ، لذا فهي مؤكدةٌ بلا شكٍ. وعلى غيرِ عادتِهِ السابقةِ، كانَ “دميتري” يتحدثُ الآنَ بوجهٍ غايةٍ في الجديةِ.«ما زلنا مُستمسكين بزمامِ الأمورِ، ولكن إذا عثرَ فريقُ البحثِ على دليلٍ حاسمٍ، فسينتهي كلُّ شيءٍ في لمحِ البصرِ. كفى يا قيصرُ.. أجل، “جدانوف” هذا مزعجٌ، وسأهتمُّ أنا بأمرِهِ…»
الوت شَفتا قيصرَ ببرودٍ:
«هل تعتقدُ أنَّ أمثالَ “جدانوف” قد يثيرونَ في نفسي الخوفَ؟»
ورداً على هذا الجوابِ الهادئِ والمتزنِ، تراجعَ “دميتري” على الفورِ: «بالطبعِ لا أعتقدُ ذلكَ».
«جيدٌ إذن».
صبَّ قيصرُ “الفودكا” في كأسٍ فارغةٍ، فصمتَ “دميتري” وهو يراقبُهُ، ثم فتحَ فاهُ قائلاً:
«ومع ذلكَ، لا يوجدُ ما نربحُهُ من وراءِ هذا، أليسَ من الأفضلِ التخلصُ منهُ؟»
وعندَ سماعِ السؤالِ الذي طُرِحَ بنبرةٍ أكثرَ ليونةً، ابتسمَ قيصرُ فجأةً لفترةٍ وجيزةٍ:
«لترويضِ نمرٍ، لا بدَّ من إطعامِهِ».
«نمر؟»
أمالَ “دميتري” رأسَهُ بتعجبٍ، لكنَّ قيصرُ أفرغَ كأسَ “الفودكا” دونَ تقديمِ أيِّ تفسيراتٍ أخرى، وهمَّ بالوقوفِ من تلقاءِ نفسِهِ تحتَ أنظارِ “دميتري” المندهشةِ.
«يقولونَ إنَّ “ميخائيل” قد سقطَ».
اعتدلَ قيصرُ في وقفتِهِ ونظرَ إليهِ. في روسيا، يُعدُّ اسمُ “ميخائيل” شائعاً، لكنهما كانا يتحدثانِ عن “ميخائيل” واحدٍ لا غير.
«لقد بلغَ من العمرِ ما يكفي ليكونَ حذراً».
ورداً على ردِّ فعلِ قيصرَ الهادئِ، تابعَ “دميتري” حديثَهُ.
«الأمورُ تتهاوى داخلَ منظمةِ “ميخائيل”، وهي شائعةٌ بدأت تتسربُ سراً بالفعلِ. “لومونوسوف” ليسَ لديهِ خليفةٌ، لذا إذا كانت نهايةُ “ميخائيل” هكذا فـ…»
صمتَ “دميتري” دونَ أن يُكملَ جملتَهُ، لكنَّ كلاهما كانَ يعلمُ النتيجةَ. ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على شفتي قيصرَ:
«روسيا ستؤولُ إلى قبضتي».
«تحيةً للقيصرِ إذن».
قالها “دميتري” بنبرةٍ ذاتِ مغزى، وأفرغَ كأسَهُ المرفوعةَ دفعةً واحدةً. استدارَ قيصرُ وهَمَّ بمغادرةِ الغرفةِ الخاصةِ، وبينما كانَ يمسكُ بمقبضِ البابِ، قاطعَهُ “دميتري” فجأةً:
«إنها الغرفةُ التي على اليمينِ، في نهايةِ الرواقِ».
التفتَ قيصرُ ببنظرِهِ إلى الخلفِ، فابتسمَ “دميتري” بمرارةٍ قائلاً:
«خُذْ قسطاً من الراحةِ، إنهم نُخبةُ الفتيانِ».
استدارَ قيصرُ وغادرَ الغرفةَ دونَ أن ينبسَ ببنتِ شفةٍ. وكأنَّ خروجَهُ كانَ إشارةً منتظرةً، إذ هرعتِ النساءِ عائداتٍ إلى الغرفةِ. دخلَ المديرُ خلفَ النساءِ اللواتي تدافعنَ للجلوسِ بجانبِ “دميتري”، وقالَ:
«لقد نُفذَ الأمرُ، وجُهِّزَ عشرةُ أشخاصٍ».
«جيدٌ، هل قمتَ بتخزينِ ما يكفي من الكحولِ؟»
أومأَ المديرُ برأسِهِ في تيبسٍ:
«لدينا ثلاثةُ أضعافِ المخزونِ المعتادِ. وتحسباً لأيِّ طارئٍ، أبلغتُ الشركةَ الموردةَ بأن تظلَّ على أهبةِ الاستعدادِ لتلقي اتصالٍ منا في أيِّ وقتٍ الليلةَ».
«يتطلبُ الأمرُ الكثيرَ لإسكارِهِ، لذا اجلبِ الكحولَ بينَ الحينِ والآخرِ، وإياكَ أن ينفدَ الشرابُ من أمامِهِ طوالَ طريقِهِ».
تأكيداً على انتصار “دميتري”، ابتسمَ بعذوبةٍ للجميلةِ الشقراءِ التي اتخذتْ مجلسَها بجانبِهِ. أما النساءُ اللواتي استُبعدنَ من الشجارِ وجلسنَ أخيراً على الجانبِ الآخرِ، فقد شرعنَ في محادثةِ “دميتري” بسرعةٍ لجذبِ انتباهِهِ.
«بالمناسبةِ يا “دميتري”، هل حقاً سيتعاملُ مع عشرةِ أشخاصٍ في ليلةٍ واحدةٍ؟ بمفردِهِ؟»
انفجرَ “دميتري” ضاحكاً أمامَ نظراتِ عدمِ التصديقِ:
«ألا تصدقينَ ذلكَ؟ إنهُ الواقعُ. يبدو كزاهدٍ من الخارجِ، لكنَّ جوهرَهُ وحشٌ كاسرٌ».
ارتمتْ على وجهِ “دميتري” تعابيرُ غامضةٌ وهو يستعيدُ ذكرياتِهِ والابتسامةُ لا تفارقُ محياهُ.
«مارسنا الجنسَ معاً مرةً واحدةً فقط».
مُلِئَ كأسُ “دميتري” الفارغُ بـ “الفودكا” مجدداً فرفعَهُ وتابعَ:
«لقد أحضرتُ خمسَ فتياتٍ وجعلتُهُنَّ يتناوبنَ عليهِ.. بالمناسبةِ، هل تدرينَ ماذا حدثَ في اليومِ التالي؟».
فتحتِ النساءُ أعينهنَّ بترقبٍ ونظرنَ إلى “دميتري”، فقالَ بابتسامةٍ:
«ثلاثٌ منهنَّ نُقِلنَ إلى المستشفى. لا يمكنني مجاراةَ أحدِ هؤلاءِ الرجالِ».
سادَ صوتُ الأنفاسِ المتهدجةِ في كلِّ مكانٍ. أفرغَ “دميتري” كأسَهُ دفعةً واحدةً وتركَهُ يراقبُ ردةَ فعلِهِنَّ، بينما كانت النساءِ يتبادلنَ نظراتٍ حائرةً.
«منذُ ذلكَ الحينِ، وهو يشربُ دونَ توقفٍ حينما يقيمُ علاقاتٍ جسديةً.. لِماذا تظنونَ ذلكَ؟»
هذهِ المرةَ لم يأتهِ جوابٌ، فلم ينتظر “دميتري” وأردفَ قائلاً:
«إنهُ يشربُ طوالَ السهرةِ، وحينما يصلُ إلى ثمالةٍ لا يمكنُهُ تحملُها.. عندها فقط يتوقفُ».
سادَ صمتٌ كصمتِ القبورِ في الغرفةِ الخاصةِ فجأةً. ابتسمَ “دميتري” بلطفٍ للفتياتِ اللواتي نسينَ ما يقلنَ وهُنَّ يحبسنَ أنفاسَهُنَّ.
«ما أعنيهِ.. هو أنَّ ذاكَ الرجلَ لا يملُّ أبداً».
لم ينطق أحدٌ بكلمةٍ، وحدَهُ “دميتري” رفعَ كأسَ “الفودكا” بنظرةٍ تجمعُ بينَ السعادةِ والترددِ:
«لنرى كم سيصمدُ هذهِ المرةَ».
………………………. ……
انقشعَ البردُ الذي ظلَّ قارسًا لفترةٍ طويلةٍ. “لي وون”، الذي استيقظَ في موعدِهِ المعتادِ، نهضَ من فراشِهِ وشعورٌ بالخفةِ يغمرُهُ، وكأنَّ الطقسَ اليومَ أدفأُ من ذي قبلُ. اليومَ سيحسمُ أمراً شخصياً طالَ انتظارُهُ.
كانَ الجدولُ بسيطاً: استقلالُ القطارِ حتى المحطةِ الأخيرةِ، ومقابلةُ الشخصِ الذي يقطنُ في ذلكَ العنوانِ؛ مقتفياً أثرَ الخيطِ الوحيدِ الذي يملكُهُ.
نظرَ إلى الورقةِ التي بين يديهِ؛ لم يكن يرغبُ في رفعِ سقفِ توقعاتِهِ، لكنَّهُ لم يستطعْ مَنْعَ ذلكَ الشعورِ بالانشراحِ الذي تسللَ إلى زوايا قلبِهِ.
«سأذهبُ».
بعدَ أن ودَّعَ الجدةَ التي رافقتْهُ إلى البابِ الرئيسيِّ، انطلقَ “لي وون” مسرعاً. وبينما كانَ يجوبُ شوارعَ روسيا التي لا تزالُ باردةً رغمَ صفاءِ الجوِّ، فكرَ في نفسِهِ: «الجوُّ حارٌ اليومَ»، ثم ابتسمَ بمرارةٍ.
يبدو أنَّهُ قد اعتادَ تماماً على روسيا؛ ففي المرةِ الأولى التي وطئتْ قدماهُ هذهِ البلادَ، ظنَّ أنَّهُ سيموتُ من شدةِ البردِ ولن يصمدَ يوماً واحداً.
لقد مرتْ سبعُ سنواتٍ بالفعلِ…
فجأةً، تذكرَ “لي وون” ذلكَ اليومَ فشعرَ بوخزٍ في عينيهِ.
ـ «”وون-آه”، هل يمكنكَ فعلُ ذلكَ؟»
تذكرَ وجهَ والدتِهِ وهي تداعبُ وجنتَهُ بعجزٍ. أطلقَ تنهيدةً صغيرةً وجدَّدَ عزمَهُ؛ سأكونُ أكثرَ قوةً، وبالتأكيدِ سأعثرُ عليهِ.
أحكمَ “لي وون” قبضةَ يديهِ على أكمامِهِ، وواصلَ مسيرَهُ بخطواتٍ أكثرَ ثباتاً وقوةً.
سافرَ عبرَ الريفِ الفسيحِ ووصلَ إلى وجهتِهِ بعدَ رحلةٍ طويلةٍ في حافلةٍ متهالكةٍ. كانت ضواحي المدينةِ، حيثُ يمتلكُ القاطنونَ بساتينَ صغيرةً أو فيلاتٍ للزراعةِ الخاصةِ، هادئةً في أيامِ الأسبوعِ لندرةِ المارةِ هناكَ.
كانَ مشهدُ أجنبيٍّ يسيرُ في شارعٍ ريفيٍّ هادئٍ لافتاً للأنظارِ بالضرورةِ؛ لاسيما وأنَّ “لي وون” كانَ يجذبُ الانتباهَ أينما حلَّ. ومرةً أخرى، حيَّا بابتسامةٍ عابرةٍ امرأةً ريفيةً كانت تراقبُهُ بينما توقفتْ عن فِلاحةِ أرضِها.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!