فصل 9: الفصل التاسع

فصل 9: الفصل التاسع

توقف “لي وون” عند كلمات قيصر، الذي رمقه بنظرة جعلته يشعر بالخزي وسأله:
«الجوابُ اليومَ، ولا تزالُ تملكُ خمسَ ساعاتٍ كاملةً، ألا تملكُ صبراً كافياً؟».
لم تتغير نبرةُ صوتِهِ كثيراً، لكنَّ “لي وون” أدركَ فجأةً أنَّهُ يسخرُ منهُ. كانَ مخطئاً حينَ ظنَّ أنَّ الرجلَ سيكونُ متوتراً أو منفعلاً؛ لذا أجابَهُ “لي وون” بنظرةٍ تحدٍ:
«أكرهُ إضاعةَ الوقتِ».
«”جيزيل” تُضيعُ وقتَها أيضاً، وبشكلٍ مفرطٍ».
نظرَ قيصرُ إلى “لي وون” بنبرةٍ لم تحملْ خيبةَ أملٍ ولا مفاجأةً، وكأنَّهُ يسألُ: “ماذا ستفعلُ إذن؟”. كان القرارُ قد حُسِمَ بالفعلِ، فقالَ “لي وون” بعنادٍ وهو يحدقُ فيهِ:
«أتمنى أن يستحقَّ العرضُ هذا الوقتَ الثمينَ المُستثمرَ فيهِ».
ضاقت عينا قيصرَ قليلاً، وشعرَ “لي وون” بغريزتِهِ أنَّ الرجلَ يبتسمُ بصدقٍ هذهِ المرةَ:
«”جيزيل” تستحقُّ العناءَ».
رنَّ الجرسُ مرةً أخرى، وقبلَ أن يُغلقَ البابُ تماماً، دلفَ الاثنانِ إلى القاعةِ.
سلبَ عرضُ فرقةِ الباليةِ الروسيةِ -فخرُ روسيا- لُبَّهُ، وكانَ من المؤسفِ حقاً مشاهدةُ عرضٍ كهذا في ظلِّ ظروفٍ مشحونةٍ كهذهِ. “جيزيل”، الفتاةُ الريفيةُ التي كانت أضحوكةً لأرستقراطيٍّ لاهٍ، تختارُ الموتَ. كان أداءُ الفرقةِ مذهلاً، لكنَّ “لي وون” لم يستطع الاستمتاعَ بهِ؛ فالرجلُ الجالسُ بجانبِهِ كان يتوقُ لمعرفةِ نوعِ الجوابِ الذي سيُدلي بهِ ومتى وكيفَ، مِمَّا منَعَهُ من التركيزِ على الخشبةِ.
بعد استراحةٍ قصيرةٍ، تمكنَ من ململةِ شتاتِ نفسِهِ؛ فذاكَ الرجلُ لن يتحدثَ إلا بعدَ نهايةِ البرنامجِ. وكلما زادَ توترُهُ وخوفُهُ، زادَ يقينُهُ بأنَّهُ سيُرضي غرورَ هذا الرجلِ، وهذا ما لن يسمحَ بحدوثِهِ أبداً. صمَّمَ “لي وون” على التركيزِ في العرضِ بجديةٍ؛ فعلى عكسِ الجزءِ الأولِ المبهجِ والمشرقِ، كان الجزءُ الثاني كئيباً وهادئاً. جسدُ الراقصةِ، الذي بدا وكأنَّهُ على وشكِ الانكسارِ، استحالَ روحاً تطفو في الهواءِ لِلحظةٍ.
حبٌّ لا يمكن التخلي عنهُ حتى بعد الخيانةِ والموتِ. توالت حركاتُ “جيزيل” المفجوعةِ لإنقاذِ الرجلِ، وحبسَ الجمهورُ أنفاسَهُ أسىً. وحينَ كان “لي وون” غارقاً في مشاعرهِ يحاولُ تهدئةَ أنفاسِهِ، سمعَ فجأةً صوتاً منخفضاً كأنهُ همسٌ:
«لا إجابةَ على العرضِ».
توجّهتْ أعصابُ “لي وون” التي كانت مُعلقةً بخشبةِ المسرحِ نحوَ قيصرَ على الفورِ عندَ سماعِ صوتِهِ. وبينما كان يترقبُ بلهفةٍ بقيّةَ حديثِهِ، همسَ قيصرُ الذي توقّفَ عن الكلامِ مُتعمداً:
«لا مَجالَ لِعقدِ مُحادثاتٍ أو التزاماتٍ مَعي».
تجمّدَ “لي وون” في مكانِهِ. وفي تلكَ اللحظةِ، انطفأتِ الأنوارُ وتعالتْ تصفيقاتُ الجمهورِ؛ لقد انتهى العرضُ. ضجّتِ القاعةُ بالهتافاتِ الحماسيةِ والتصفيقِ الحارِّ الذي كادَ يدمي الأكفَّ، لكنَّ “لي وون” لم يحركْ ساكناً. بدأَ عقلُهُ يستوعبُ الموقفَ ببطءٍ وهو يُصارعُ لتقبّلِ هذا الواقعِ الراهنِ.
في النهايةِ، ولأجلِ سماعِ كلمةِ رَفضٍ واحدةٍ، أُجبرَ على الجلوسِ بجانبِ هذا الرجلِ ومُشاهدةِ العرضِ كاملاً.
حينَها، نهضَ قيصرُ من مَقعدِهِ. وعندما رَمقَهُ “لي وون” بنظرةٍ مُرتبكةٍ وهو يرمشُ بعينيهِ بذهولٍ، نظرَ إليهِ قيصرُ وابتسمَ ابتسامةً خفيفةً:
«هل نذهبُ لتناولِ العشاءِ معاً؟».
«مستحيل!»
انطلقتْ منه صرخةٌ مُدويةٌ رغماً عنهُ. انتفضَ “لي وون” واقفاً وقد تبدّلتْ ملامحُهُ في لمحِ البصرِ، وحدّقَ فيهِ بغضبٍ:
«هل تعتقدُ حقاً أنني سأذهبُ لتناولِ العشاءِ معكَ بسلامٍ الآنَ؟».
لم يعدْ بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الحيطةِ أو التكلفِ. فتحَ قيصرُ فاهُ مُتسائلاً ببرودٍ أمامَ نبرتِهِ العنيفةِ: «حسنٌ، أليسَ الأمرُ كذلكَ؟».
تجاهلَ “لي وون” السؤالَ وكأنَّهُ أمرٌ غريبٌ ومضى مُدبراً. فكرَ في نفسِهِ غاضباً: «هذا اللعينُ.. كان يجبُ عليَّ أن أغرسَ ريشةَ قلمٍ في عنقِهِ حينَها».
وإذ لم يستطعْ كبْحَ جماحِ غيظِهِ المتصاعدِ، أصبحتْ خطواتُهُ عنيفةً وتلقائيةً. غادرَ “لي وون” قاعةَ العرضِ بخطىً حثيثةٍ ومُفاجئةٍ. راقبَ قيصرُ ظَهرَهُ وهو يبتعدُ، واكتفى بابتسامةٍ غريبةٍ دونَ أن يُحاولَ اللحاقَ بهِ.
وفي تلكَ الأثناءِ، كان هناكَ رجلٌ يراقبُ الموقفَ من مكانٍ سريٍّ، توارى عن الأنظارِ وضغطَ على أزرارِ هاتفِهِ المحمولِ:
«أجل، سِيادةَ السناتور “جدانوف”. هذا أنا.. اتصلتُ لأنَّ لديَّ ما أُخبركَ بهِ، ولكن…»
شَعرتُ بِغصةٍ مِنَ الخزيِ بِسببِ صَوتي الذي لم يَكُنْ جَيِّداً حتّى لِيَسْمَعَهُ نَفْسِي، ثمَّ تَلاشَى الصَّوتُ بَعيداً. كُنتُ أشعُرُ بِقميصي وبِنطالي اللذينِ ارتديتُهما ليلةَ أمسِ، وقَدْ غَلَبَهُمَا النُّعاسُ مَعِي. حَرَّكَتِ الجَدَّةُ عَينَيها كأنَّها تَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ، وقَالَتْ بِنِيَّةٍ طَيِّبةٍ:
«آمُلُ أنْ تَرتاحَ اليَومَ. سَأجلِبُ لكَ شَراباً دافِئاً لِتَشربَهُ وتَنامَ جَيِّداً. يَجبُ عليكَ شُربُ الكُحولِ باعتِدالٍ، أهذا طَريقُ الشُّربِ حتّى تُؤذِيَ جَسدَكَ؟ هِي…».
ومَعَ صَوتِ خَطواتِها السَّائرةِ في المَمَرِّ، تَلاشَى توبيخُها أيضاً. بَعدَ لَحظاتٍ، عِندما عادَتِ الجَدَّةُ بِكوبٍ مِنَ الشَّايِ بِالعَسلِ، عادَ “لي وون” إلى النَّومِ مَرَّةً أخرى.
«بام!».
أيقظَ صَوتٌ عَنيفٌ “لي وون” مِن نَومِهِ على الفَورِ. فَتَحَ “لي وون” عَينَيهِ بَعدَ أنْ كانَ غارِقاً في نَومٍ عَميقٍ، وبَقِيَ ساكِناً لِفترةٍ. لم يَمضِ وَقتٌ طَويلٌ حتّى وَصَلَ الصَّوتُ التالي إلى مَسامِعِهِ، بَينما كانَ مُستلقِياً في صَمتٍ وقَدِ ارتَسَمَ التَّجهُّمُ على جَبينِهِ.
تَوقَّفَ “لي وون” عَنِ الصُّراخِ وهو يَهبِطُ الدَّرَجَ مُسرِعاً، فالمَشهَدُ الذي تَبَدَّى أمامَهُ كانَ فَوْضى عارِمةً. في اللَّحظةِ التي رَأى فيها المَقهَى وهو في حالةٍ يُرثَى لها مِنَ التَّكسيرِ والدَّمارِ، تَصلَّبَ جَسدُهُ مَكانَهُ لِوهْلةٍ. الكَراسي القَديمةُ كانت تَتَدحرجُ على الأرضِ، والطَّاوِلاتُ مَقلوبةٌ ومَحطومةٌ إلى نِصفَينِ، أمَّا أكوابُ الشَّايِ والأواني فَقَدِ استَحالتْ شَظايا.
التَفَتَ الرِّجالُ الذينَ كانوا يَعيثونَ فَساداً عِندَ سَماعِهِم صَيْحةَ “لي وون”، وتَوقَّفتِ العَجوزُ التي كانت تُقاوِمُهُم بِشراسةٍ وهي تُحاوِلُ النَّيْلَ مِنهُم.
«جَدَّتي، ما هذا الذي يَحدُثُ…؟».
انْدفعَ “لي وون” نَحوَ جَدَّتِهِ لِيَحميَها كَيْ لا تُصابَ بأذىً، فجَعلَ ظَهْرَهُ لَها بَينما كانت تَهمُّ بالهُجومِ على الرِّجالِ مَرَّةً أخرى، وواجَهَهُم على الفَوْرِ.
«ماذا هُناك أيُّها الرِّفاقُ؟ وإلى أينَ تَظُنُّونَ أنَّكُم ذاهِبونَ الآنَ؟».
تَوقَّفَ الرِّجالُ وهم يَصْرُخونَ بِغَضبٍ، ثمَّ تَبادلوا النَّظراتِ بِحَيْرةٍ: «يَبدو أنَّكَ مُحامٍ بارِعٌ».
هَذهِ المَرَّةَ، تَجمَّدَ “لي وون” مَكانَهُ، لكنَّ ذَلِكَ لم يَدُمْ طَويلاً.
«سأسمعُ ما لَدَيْكُم، ولكنْ لِماذا تُزعِجونَ النَّاسَ هَكذا؟ كانَ عَلَيْكُم أنْ تَقولوا إنَّ المَطلوبَ هو التَّخلُّصُ مِن “نيكولاي” فوراً!».
وما إنْ هَمَّ أحَدُهُم بِتَسديدِ لَكْمةٍ، حتَّى دَفَعَ “لي وون” الجَدَّةَ بَعيداً ورَكَلَ الرَّجُلَ: «هَي، أيُّها المُبتدِئون! تَوقَّفوا الآن! ألا يُمكِنُكُم الهُدوءُ؟!».
تَعالتْ صَرخةُ الجَدَّةِ مِن خَلْفِهِ. كانَ عَدَدُ المُهاجِمينَ خَمْسةً. أمَّا “نيكولاي”، الذي تَلَقَّى ضَرْبةً قَبْلَ وُصولِ “لي وون”، فَقَدْ كانَ مُمدَّداً على الأرضِ. شَعَرَ “لي وون” بأنَّ أنْفاسَهُ مَحبوسةٌ، ولم يَمْلِكْ حتَّى الشَّجاعةَ لِمُساعَدةِ الآخَرينَ.
هزَّ “لي وون” رأسَهُ بجنونٍ مُحاولاً رَدعَ الرِّجالِ الذينَ انقضُّوا عليهِ دُفعةً واحدةً، وفي تِلكَ الأثناءِ، كانَ بَقيةُ الرِّجالِ يُحطِّمونَ الأثاثَ.
«كَفى، أيُّها الأوغاد!»
نطقَ “لي وون” بشتائمَ قاسيةٍ وانهالَ ضَرباً على الرِّجالِ. سُمعَ صَوتُ تَهشُّمِ الأسنانِ وتكسُّرِ العِظامِ واحداً تلوَ الآخرِ. لم يَجدْ وقتاً حتَّى للصُّراخِ، فقفزَ فوقَ أحدِ الرِّجالِ المُنبطحينَ مُندفعاً نحوَ مَن يَقودُ الهجومَ، لكنَّ يداً قَبضتْ على كَتِفِهِ مِنَ الخَلْفِ. استدارَ “لي وون” وسدَّدَ لَكمةً جعلتِ الرَّجلَ يَترنحُ صَارِخاً، ثمَّ انطلقَ نحوَ الآخَرِ. كانَ الرَّجلُ على وَشكِ قَذفِ مَزهريةٍ قَديمةٍ، فصَرختِ الجَدَّةُ مِن وَرائِهِ بِلوعةٍ:
«لا، ليسَ هَذا!»
كَزَّ “لي وون” على أسنانِهِ ومَدَّ يَدَهُ بِأقصى قُوَّتِهِ، لكنَّ رَجلاً آخَرَ انقضَّ عَليهِ قَبلَ ذلِكَ. ومع صَوتِ ارتطامٍ عَنيفٍ، تَبِعَهُ دَوِيُّ تَحطُّمِ السيراميكِ؛ وحينَ التفتَ “لي وون” بِذُعرٍ بَعدَ أنْ طَرَحَ الرَّجلَ أرضاً، كانَ الأوانُ قد فاتَ؛ فقد تَحطَّمتِ المَزهريةُ تماماً. رأى هَيئةَ جَدَّتِهِ وهي تَنظرُ بذهولٍ وأسًى لِما حَدثَ.
عاوَدَ الرِّجالُ الذينَ نَهضوا الهُجومَ على “لي وون” مُجدداً، فكَزَّ على أسنانِهِ وكَال لَهُمُ اللَّكماتِ:
«أيُّها الحُثالة!»

«أيُّها الرِّفاقُ، ماذا تَفعلون؟ ألا يُمكِنُكُم التَّوقُّفُ الآن؟!».
في اللَّحظةِ التي سَمِعَ فيها دَوِيَّ ارتِطامٍ عَنيفٍ آخَرَ مَصْحوباً بِصُراخِ العَجوزِ، انتَفَضَ “لي وون” مِن فِراشِهِ دونَ تَرَدُّدٍ. في لَحظةٍ، ارتَجَفَتْ عَيناهُ بِعُنفٍ. تَعثَّرَ وسَقَطَ على الأرضِ لِيَصطَدِمَ وَجهُهُ، لكنَّهُ نَهَضَ سَريعاً وهو يَبتَلِعُ كلماتٍ بذيئةً في فَمِهِ. كانتِ الفَوضى لا تَزالُ مُستَمِرَّةً.
«جَدَّتي، ماذا يَجري هناك؟».
شَعرتُ وكأنَّ جَسدي قد التَصقَ بالفِراشِ تَماماً. أطلقَ “لي وون” أنَّةً مُتوجعةً وهو يتقلبُ ببطءٍ.
«لقد ارتكبتُ خطأً».
ظلَّ يلومُ نفسَهُ مَراراً وتكراراً، لكنَّ صُداعَ رأسِهِ لم يهدأْ؛ لقد كانَ نتيجةً للإفراطِ في احتساءِ كحولٍ رخيصٍ. “لهذا السببِ لا يجبُ عليكَ الشربُ حينَ تكونُ في حالةٍ نفسيةٍ سيئةٍ”؛ لم يستطعِ السيطرةَ على كميةِ ما شربَهُ. ندمَ مُجدداً، لكنَّ الندمَ لم يُغيرْ من الواقعِ شيئاً. كانَ لا يزالُ هُناكَ، يئنُّ من وطأةِ الصُّداعِ الذي يَعصفُ برأسِهِ، وفجأةً سمعَ طَرقاً بالخارجِ.
«مرحباً، هل أنتَ هُناكَ؟»
ترددَ صدى صوتِ الجدةِ الحادِّ بنبرةٍ خافتةٍ. كانَ من الواضحِ أنَّها قَلقتْ على “لي وون” الذي اعتادَ الاستيقاظَ في الساعةِ ذاتِها كلَّ يومٍ، فصعدتْ لتتفقَّدَهُ. تنهدَ “لي وون” وأجابَ:
«أجل، لقد استيقظتُ».
رُغمَ أنَّهُ كانَ يسمعُ نفسَهُ، إلا أنَّ صوتاً أجشَّ ومُنكسراً انطلقَ منهُ بحدةٍ. دخلتِ العجوزُ والبابُ مفتوحٌ، وحينَ رأتْ هيئةَ “لي وون” المُلقى على السريرِ عاجزاً عن الحركةِ، ضَربتْ بلسانِها سخطاً:
«أيُّ نوعٍ من الكحولِ شربتَ لتغدوَ هكذا؟ ماذا حدثَ؟»
أنَّ قبلَ أن يُجيبَ، ثمَّ فتحَ فاهُ بمرارةٍ: «لقد غضبتُ قليلاً، لكنني بخيرٍ الآنَ».

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!