«أَنَّكَ لَمَسْتَ مؤخرتي ؟ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا!»
بِشُعُورٍ مُفَاجِئٍ بِأَنَّ الدَّمَ يَهْرُبُ مِنْ وَجْهِه، أَجَابَ ليوون عَلَى الفَوْر:
«لَدَيَّ أسْبَابِي.»
تَجَهَّمَ قيصر وَقَبَّلَهُ في خَدِّه، وَبِالطَّبْع، عَبَرَ قَضِيبُهُ خَصْرَ ليوون وَاسْتُؤْنِفَ الجِنْسُ المَوْقُوف. مِنْ البِدَايَة. لِمَاذَا بِحَقِّ السَّمَاءِ فَعَلْتُ تِلْكَ العَمَلِيَّةَ المَجْنُونَةَ المُمَسَّاةَ بِالنَّجَاة؟
وَهُوَ يَتَذَكَّرُ وَزْنَهُ الكَسُول، بَلَعَ ليوون رِيقَهُ بِجَفَاف. وَعِنْدَمَا فَكَّرَ في النَّجَاة، ظَهَرَ وَجْهٌ غَيْرُ مَرْغُوبٍ فِيه. وَعِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِك، قَالَ فَتْحًا لِفَمِه:
«أَلَمْ يَأْتِ هُوَ؟ ذَلِكَ الرَّجُل.»
لا أَدْرِي مَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ حُلْمًا أَمْ حَقِيقَة. أَعْتَقِدُ أَنِّي رَأَيْتُهُ يَخْرُجُ صَارِخًا.
مُتَرَدِّدًا أَمَامَ الذِّكْرَيَاتِ المُرْتَبِكَة، أَجَابَ قيصر بِلاَبَالاة:
«لَيْسَ شَيْئًا، هُوَ هُنَا فَقَطْ لِلْتَأَكُّدِ مِمَّا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ أَيُّ مُشْكِلَةٍ مَعِي.» «وَهَلْ هُنَاكَ مُشْكِلَة؟»
«حَسَنًا، قَالَ إِنَّ نَبْضَكَ كَانَ أَسْرَعَ قَلِيلاً.»
هَزَّ قيصر كَتِفَيْهِ وَبَدَأَ في النُّزُولِ بِبُطْء. هُنَاكَ شَرِيحَةٌ دَقِيقَةٌ مَزْرُوعَةٌ في جَسَدِك، وَعِنْدَمَا يَتَغَيَّرُ وَضْعُك، تُحَذِّرُكُ عَلَى الفَوْرِ مِنْ أَيِّ أَزْمَة. لَمْ يَرْتَحْ لِفِكْرَةِ أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي يُرَاقِبُهُ هُوَ ابْنُ عَمِّهِ المَجْنُونُ دِمِيتْرِي، لَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِك، لِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَفَرٌّ مِنْ فِعْلِه. بِالإِضَافَةِ إِلَى أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي سَيَعْمَلُ بِجِدٍّ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا.
لَكِنِ انْتَظِر.
«كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِك، وَقَفَزَ ذَلِكَ الفَتَى لِيَرَاه؟!» «أَجَل.»
بِالْنِّسْبَةِ لِـ ليوون، الَّذِي كَانَ مَذْهُولاً جِدًّا مَعَ أَنَّ أفكَارًا لا تُعَدُّ وَلا تُحْصَى كَانَتْ تَتَسَارَعُ في رَأْسِه، كَانَ قيصر لا يَزَالُ يَتَكَلَّمُ بِمَوْقِفٍ لاَبَالٍ:
«هَذَا هُوَ مَا يَفْعَلُه.»
لَمْ يَكُنْ لَدَى ليوون أَيْضًا أَيُّ نِيَّةٍ لِلإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ يُوَافِقُ عَلَى دُخُولِ دِمِيتْرِي في أَيِّ وَقْتٍ وَرُؤْيَةِ كَيْفَ كَانَ قيصر. وَلِلأَسَف، فَهُوَ أَيْضًا رَجُلٌ لا مَفَرَّ لَهُ مِنْ فِعْلِ ذَلِك.
وَمَعَ ذَلِك، فَإِنَّهَا قِصَّةٌ مُخْتَلِفَةٌ إِذَا كَانَ هَذَا يَتَضَمَّنُ أَيَّ شَكْلٍ آخَر. في المَقَامِ الأَوَّل، لا مَعْنَى لِأَنْ يَكُونَ مُمَارِسًا لِلابَالاةِ هَكَذَا. كَمْ مِنَ النَّاسِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا بِلا حَيَاءٍ لِلْكَشْفِ عَنْ مَشْهَدِ جِنْسٍ لِلآخَرِين؟ أَلَيْسَ مِنَ المَفْرُوضِ أَنْ يَتَأَكَّدَ الشَّخْصُ العَادِيُّ مِنْ أَنَّ هَذَا لَنْ يَحْدُثَ مَرَّةً أُخْرَى، فيَتَّخِذَ إِجْرَاءَاتٍ لِمَنَعِ وُقُوعِ مِثْلِ هَذَا المَوْقِفِ في المَقَامِ الأَوَّل، أَوْ أَنْ يَطْلُبَ هُوَ أَوْ أَنَا التَّفَهُّم؟ لَكِنْ، مَاذَا عَنْ هَذَا الرَّدِّ الغَرِيب؟
كَمَا هُوَ الحَالُ مَعَ ليوون، الَّذِي يَفْتَخِرُ بِكَوْنِهِ شَخْصًا ذَا عَقْلاَنِيَّةٍ شَدِيدَة، كَانَ مَوْقِفُ قيصر يُبْهِرُهُ دَائِمًا. وَهَذِهِ المَرَّةَ حَدَثَ الشَّيْءُ نَفْسُه. لِمَاذَا انْتَهَى بي المَطَافُ بالخُرُوجِ مَعَ شَخْصٍ يَبْعُدُ عَنِّي مَلاَيِينَ السَّنَوَاتِ الضَّوْئِيَّة؟ لا يَهُمُّ مَا قِيلَ أَوْ المَوَاقِف، فَقَدْ قَالَ شَيْئًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَمَّا كُنْتُ أَتَوَقَّعُه، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَدًّا يُعْطَى لِلْطُّلاَّب. وَأَضَافَ قيصر الجَدِيد، وَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ كَلِمَاتٍ لِإِقْنَاعِه: «لا يُوجَدُ شَيْءٌ لا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ إِذَا قَرَّرَ عَلَى أَيِّ حَال. جَمْعُ المَعْلُومَاتِ هُوَ تَخَصُّصُه.»
كَعُضْوٍ سَابِقٍ في الـ KGB، فَإِنَّ التَّجَسُّسَ عَلَى أَسْرَارِ الآخَرِينَ وَحَيَاتِهِمُ الشَّخْصِيَّةِ السِّرِّيَّةِ لَنْ يَكُونَ شَيْئًا. كَانَ يَقُولُ إِنَّهُ لا فائِدَةَ مِنْ مُحَاوَلَةِ إِدَارَةِ الرَّأْسِ بِقُوَّة. عَلَى أَيِّ حَال، هَلْ يَعْنِي ذَلِك أَنَّ تَجَنُّبَ الرَّجُلِ هُوَ القُوَّةُ الكُبْرَى؟
في الوَاقِع، وبِمَا أَنَّكَ رَأَيْتَ كُلَّ أَنِوَاعِ الأَشْيَاءِ السَّيِّئَة، فَقَدْ تَكُونُ قَدْ قُلْتَ بِاسْتِخْفَاف: «وَكَأَنَّ شَخْصًا آخَرَ كَانَتْ لَدَيْهِ عَلاَقَاتٌ جِنْسِيَّة.» وَكَانَتِ المُشْكِلَةُ هِيَ أَنَّ وَجْهَ ليوون لَمْ يَكُنْ بَشِعًا كَتِلْكَ الجُلُودِ المَبْتَذَلَة. بِالطَّبْع، حَدَثَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ في أَمَاكِنَ أُخْرَى.
«… مِسْكِين.»
اللَّحْمُ الطَّرِيُّ يَلْتَهِب. مَعَ أَنِينٍ مُؤْلِم، لَمْ يَكُنْ لَدَى ليوون مَفَرٌّ مِنْ قَبُولِ القَضِيبِ السَّمِيكِ الَّذِي يَتَغَلْغَلُ بِعُمْقٍ في جَسَدِه.
«لا تُفَكِّرْ في رِجَالٍ آخَرِين.»
كَانَ هُنَاكَ بِوُضُوحٍ شُعُورٌ غَيْرُ مُرِيحٍ في الصَّوْتِ المُنْخَفِض. حَاوَلَ ليوون التَّرْكِيزَ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي أَمَامَه، لَكِنْ مِنَ النَّاحِيَةِ الأُخْرَى، كَانَ صَحِيحًا أَيْضًا أَنَّهُ شَعَرَ بِأَنَّهُ يُرِيدُ الاِبْتِعَادَ عَنِ الوَاقِع.
«… يَتَبَيَّنُ أَنِّي كُنْتُ مَدِينًا لِذَلِكَ الرَّجُل.»
تَجَهَّمَ ليوون؛ إذْ كَانَ مِنَ الصَّعْبِ حَتَّى التَّنَفُّسُ في هَذِهِ اللَّحْظَة. قَبَّلَ قيصر ليوون في خَدِّهِ وَرَبَّتَ بِرِفْقٍ عَلَى عُنُقِه. طَلَبْ مِنْهُ أَنْ يَعُودَ لِخَنْقِ حَلْقِه لِذَا كُان مَقْطُوعَ النَّفَس. ضَيَّقَ قيصر عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى ليوون الَّذِي كَانَ يَلْهَثُ بِوَجْهٍ بَاهِت. وَفي الوَقْتِ نَفْسِه، كَانَ قَضِيبُهُ في دَاخِلِ مَعِدَتِهِ يَنِبَضُ بِعُنْفٍ وَيَهْتَزّ.
تَدَهْوَرَتْ حَالَةُ قيصر، الَّتِي عَادَتْ إِلَى الطَّبِيعِيَّة، مِنْ جَدِيد. بَهَتَتْ بَشَرَةُ دِمِيتْرِي عِنْدَمَا رَأَى الإِنْذَارَ الَّذِي تَوَقَّفَ عَنِ الرَّنِينِ بَعْدَ يَوْمٍ وَنِصْف. ابْنُ العَاهِرَةِ بَدَأَ مِنْ جَدِيد!
مَهْمَا كَانَتِ العَظْمَةُ قَوِيَّة، إِذَا ضُرِبَتْ بِهَذَا القَدْر، فَلا مَوْهِبَةَ لَدَيْهَا. وَكَمَا كَانَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَسْتَيْقِظَ ذَلِكَ المُمَثِّلُ خِلاَلَ يَوْمٍ وَنِصْف، كَانَ عَقْلُ قيصر مَلِيئًا بِالأَفْكَارِ حَوْلَ فِعْلِ ذَلِكَ بِبَسَاطَة.
وَدُونَ قَصْد، كَانَ الإِنْذَارُ يَبُثُّ حَالَةَ ليوون، لا قيصر، وَوَضْعَهُ الجِنْسِيّ. رَغْمَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مُطْلَقًا مَا أَرَادَهُ دِمِيتْرِي. وَمَعَ ذَلِك، لَمْ تَكُنْ لَدَيْهِ نِيَّةٌ لِعَيْنِهِ لِلْتَعَرُّضِ لِصَدْمَةٍ أُخْرَى وَهُوَ يَرْكُضُ لِلْتَأَكُّدِ مِنَ الحَقَائِق. «قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ذَلِكَ الوَغْد، سَأَجُنُّ أَنَا أَوَّلاً!»
وَبَيْنَمَا وَضَعَ حُفْنَةً مِنَ الأَقْرَاصِ في فَمِه، فَكَّر. وَفي الوَقْتِ نَفْسِه، أَمْسَكَ دِمِيتْرِي، الَّذِي أَصْبَحَ وَجْهُهُ أَبْيَضَ، بِرَأْسِه:
«لا، تَبًّا لَك! سَأَقْتُلُك، سَأَقْتُلُكَ بِيَدَيَّ، أيُّهَا المُمَثِّلُ المَلْعُون! كُلُّ هَذَا بِسَبَبِك!»
صَرَخَ وَعَثَرَ عَلَى السِّلاَح، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ كَبْحَ رَغْبَتِهِ وَأَطْلَقَ النَّارَ مِنْ سِلاَحِهِ في الهَوَاء. «سَيِّدِي، هَلْ أَنْتَ بِخَيْر؟ طَلَقَاتُ نَارٍ…؟!»
دِمِيتْرِي، الَّذِي اسْتَدَارَ بِشَكْلٍ مُنْعَكِسٍ نَحْوَ النَّاخِطِ الَّذِي أَنْدَفَعَ لِلْدُّخُول، رَأَى وَجْهَهُ المَتَأَمِّلَ وَبَالِكادِ أَمْسَكَ بِالسِّلاَح.
«أَحْتَاجُ إِلَى قَاتِلٍ مَأْجُورٍ مُفِيد.» زَمْزَمَ كَحِوَارٍ دَاخِلِيّ.
«شَخْصٌ سَيَفْعَلُ أَيَّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِكَ إِذَا أَعْطَيْتَهُ المَال. لا يَهُمُّ كَمْ يُكَلِّف.» كَزَمَ دِمِيتْرِي عَلَى أَسْنَانِهِ وَنَظَرَ إِلَى الخَلْف. «اقْتُلْه.»
لَعَنَ دِمِيتْرِي، وَهُوَ يَسُنُّ أَسْنَانَه، مَوَجِّهًا سِلاَحَهُ نَحْوَ الجِهَازِ الَّذِي أَضَاءَ مِصْبَاحًا أَحْمَرَ وَأَصْدَرَ إِنْذَارًا.
«أَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنِّي سَأَقْتُلُك، أيُّهَا المُحامي المَلْعُون!»
وَلَمْ يَبْقَ الجِهَازُ صَامِتًا حَتَّى مَرَّ يَوْمَانِ آخَرَان.
«تَبْدُو مُتْعَبًا.»
بِصَوْتٍ قَلِق، نَظَرَ ليوون إِلَى وَالِدِهِ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ عَبْرَ الطَّاوِلَة. حَتَّى وَقْتٍ قَرِيب، كَانَ مِيخَائِيل، زَعِيمُ مُنَظَّمَةِ مَافْيَا كَبِيرَةٍ في رُوسِيَا، قَدِ اسْتَقَالَ بَعْدَ أَنْ تَرَكَ مَكَانَهُ لِخَلَفِهِ الحَالِيّ. والآن، كَانَ مُجَرَّدَ رَجُلٍ عَجُوزٍ مُتَقَاعِدٍ يَقْضِي أَيَّامَهُ في الصَّيْدِ وَاللَّعِبِ بِالْبِطَاقَاتِ كَهِوَايَةٍ صَغِيرَة. كَانَ هُنَاكَ فَقَطْ تَعْبِيرُ أَبٍ خَالِصٍ قَلِقٍ عَلَى ابْنِهِ في وَجْهِه.
فَتَحَ ليوون فَمَهُ قَلِيلاً: «مُجَرَّدُ خَسَارَةِ بَعْضِ الوَزْن.»
عَلَى الفَوْر، ظَهَرَ ظِلٌّ في وَجْهِ مِيخَائِيل. وَعِنْدَ رُؤْيَةِ هَذَا، أَضَافَ ليوون عَلَى الفَوْر:
«لا دَاعِيَ لِلْقَلَق.» «تَبْدُو أَنَّكَ تُبَالِغ.»
أَضَافَ مِيخَائِيل:
«أَنْتَ مُدْمِنٌ جِدًّا عَلَى العَمَل، لَكِنْ عِلَيْكَ فِعْلُ ذَلِكَ بِاعْتِدَال.»
كَانَ هُنَاكَ الكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ الأَمْرَ خَطَأً هُنَا وَهُنَاك. بِالطَّبْع، لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِ أَيٍّ مِنَ الأَطْرَافِ أَنْ يَقُول، وَالدُّمُوعُ في فَمِه، إِنَّ هَذَا كَانَ نَتِيجَةَ الجِنْسِ المُفْرِط. لَمْ يَسْتَطِعْ ليوون الرَّدَّ عَلَى الفَوْرِ لأَنَّهُ كَانَ يَكْبِتُ الكَلِمَاتِ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَى طَرَفِ لِسَانِه. وَفي هَذِهِ الأَثْنَاء، تَكَلَّمَ وَالِدُه:
«إِذَا كُنْتَ تَعْمَلُ دُونَ أَنْ يَكُونَ لَدَيْكَ حَتَّى وَقْتٌ لِلِقَاءِ النَّاس، فَبِالطَّبْعِ سَيَتْعَبُ جَسَدُك. إِذَا قَبِلْتَ قَضِيَّة، فَأَنْتَ تُرْفِقُهَا طَوَالَ اليَوْم.»
وَنَظَرًا لإِدَارَتِهِ لِرَأْسِه، أَجَابَ ليوون بِضَعْف: «أَنْتَ تَعْرِفُ جَيِّدًا أَنَّ المَحْكَمَةَ عَادَةً مَا تَأْخُذُ وَقْتًا طَوِيلاً.»
«لَكِنَّ مُعْظَمَكُمْ لا يَذْهَبُونَ إِلَى المَحْكَمَةِ وَيَنْتَهُون. لَكِنْ إِذَا اتَّصَلْتُ دَائِمًا، فَأَنَت تغْلِقُ الخَطَّ لأنِّك مَشْغُولٌ أَوْ لا أَسْتَطِيعُ التَّوَاصُلَ مَعَك…»
اسْتَمَرَّ مِيخَائِيلُ في الشَّكْوَى. بِالطَّبْع، كَانَ ليوون يُقَسِّمُ الجَدْوَلَ المَشْغُولَ بِالتَّفْصِيلِ وَيَضَعُهُ قَيْدَ التَّنْفِيذ. وَمَا جَعَلَ الحَيَاةَ اليَوْمِيَّةَ المَشْغُولَةَ أَكْثَرَ انْشِغَالاً هُوَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ كَانَا يَتَشَارَكَانِ الأَيَّامَ القَلِيلَةَ الفَارِغَة. بِالإِضَافَةِ إِلَى ذَلِك، كَانَ هُنَاكَ جَانِبٌ حَتَّى ظَلَّ دُونَ تَحَمُّل، لِذَا غَالِبًا مَا كَانُوا يَهْدِرُونَ بَعْضَ الوَقْت.
وَبَعْدَ أَنْ مَرَّتْ عَشَرَةُ أَيَّامٍ أُخْرَى، نَامَ ليوون يَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ بَعْدَ العَوْدَةِ إِلَى المَنْزِل. وَبَعْدَ أَنْ اسْتَعَادَ كَمِّيَّةً مُعَيَّنَةً مِنَ القُوَّةِ الجَسَدِيَّةِ فَقَط، حَدَّدَ مَوْعِدًا مَعَ وَالِدِهِ وَوَصَلَ إِلَى هُنَا. كَانَتْ هُنَاكَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ يُرِيدُ قَوْلَهَا، لَكِنْ بَدَلاً مِنْ ذَلِك، أَخَذَ كَأْسَ الشَّايِ أَمَامَ فَمِهِ وَابْتَلَعَ الشَّايَ السَّاخِنَ بِصَوْتٍ عَالٍ، ثُمَّ فَتَحَ ليوون فَمَه:
«سَأُعَدِّلُ بِقَدْرِ المَا يُمْكِن.»
مَاذَا لَوْ اكْتَشَفْتَ أَنَّ سَبَبَ خَسَارَةِ وَزْنِكَ هُوَ شَيْءٌ مُخْتَلِفٌ تَمَامًا عَمَّا تَخَيَّلْتَه؟
نَظَرَ ليوون إِلَى مِيخَائِيل. الشَّعْرُ الرَّمَادِيُّ المُنْعَكِسُ عَلَى صَدْغِهِ جَعَلَهُ يَشْعُرُ بِعَظَمَةِ السَّنَوَاتِ الَّتِي عَاشَهَا، وَكَانَتْ عَيْنَاهُ نَحْوَ ابْنِهِ مَلِيئَتَيْنِ بِالْثِّقَةِ وَالْمَحَبَّة. لَدَيْهِ مَظْهَرٌ لَطِيفٌ جِدًّا بِشَكْلٍ لا يُصَدَّقُ بِالنِّسْبَةِ لِزَعِيمِ مَافْيَا، لَكِنَّ ليوون كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَظْهَرَهُ فَقَط.
رَجُلٌ غَادَرَ لِحِمَايَةِ نَفْسِهِ وَوَالِدَتِه. كَانَ ذَلِكَ يَعْنِي أَنَّهُ عَاشَ في عَالَمٍ قَاسٍ لِدَرَجَةِ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ التَّخَلِّي عَنْ زَوْجَتِهِ وَأَطْفَالِه.
مِمَّا لا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ اسْتَخْدَمَ يَدَيْهِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ لِقَتْلِ قيصر خِلاَلَ خِدْمَتِهِ النَّشِطَة، حَتَّى دُونَ التَّفْكِيرِ في الأَمْرِ بِعُمْق. والآنَ بَعْدَ أَنْ اسْتَقَال، قَدْ يَكُونُ الوَضْعُ مُخْتَلِفًا، لَكِنَّ ذَلِكَ لا يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ القَلْبُ لِلْطَّلَبِ وَالتَّأَكُّد.
«هَلْ تَأْكُلُ جَيِّدًا؟ أَلَيْسَ لأَنَّكَ مَشْغُولٌ فَتَتَجَاهَلُ ذلك؟» «أَنَا آكُلُ جَيِّدًا.»
فَوْرَ الإِجَابَة، أَدْرَكَ ليوون ذَلِك. كَانَ مِيخَائِيلُ حَرِيصًا عَلَى فِعْلِ أَيِّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِه. المَاضِي هُوَ المَاضِي، وَاللِّقَاءُ وَقَضَاءُ الوَقْتِ مَعًا حَتَّى لَوْ كَانَ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ كَانَ يَعْنِي أَنَّ كُلَّ المَاضِي سَيَمُرّ، لَكِنَّ قَلْبَ مِيخَائِيلَ كَانَ مُخْتَلِفًا.
«مِنَ الصَّعْبِ مُحَاوَلَةُ إِعْطَائِهِ شَكْلا طَائِشًا.»
فَكَّرَ ليوون. كَانَ مِنَ المُرْهِقِ سَمَاعُ أَنَّ بَالِغًا مُسْتَقِلاَّ، لَيْسَ طِفْلاً جَاهِلاً، يَتَلَقَّى الكَثِيرَ مِنْ وَالِدَيْهِ. أَلَيْسَتْ عَلاَقَةً لَذِيذَةً عَادِيَّة؟
وَمَعَ ذَلِك، فَهُوَ أَيْضًا مُتَرَدِّدٌ في الرَّفْضِ دُونَ شُرُوط. تَنَهَّدَ ليوون في دَاخِلِه.
«أَفْهَمُ أَوْ لا أَفْهَم، لَكِنَّهُ أَمْرٌ مُخْزٍ.» وَعِنْدَ التَّفْكِيرِ إِلَى هَذَا الحَدّ، قَالَ مِيخَائِيل:
«هَلِ انْتَهَيْتَ بِالْفِعْل؟ الآنَ لَدَيَّ بَعْضُ الوَقْتِ الفَارِغ.»
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!