فصل 11

فصل 11

“هل ارتويت؟”

“…”

ناول جوميوت زجاجة الماء لصديقه بصمت يترقب الجواب.

تجرع بارنتشيوا نصفها تقريبا؛ و كأن تلك النظريات و التفسيرات العلمية التي ألقاها دفعة واحدة قد استنزفت طاقته، و لكنها في المقابل جعلت ذهنه أكثر صفاء و جلاء.

“لماذا توجب عليك إقحامنا في أصل تكوين الكواكب؟ أعني.. من أين استقيت كل هذا؟” تمتم هيمارات بعبوس يحمل حيرة تامة؛ فقد كاد يفتك به الملل، و كأنه يقبع في قاعة محاضرات جامعية لا تنتهي. كان يود لو غط في نوم عميق، لولا أن ردود أفعال البعض كانت مثيرة للفضول بما يكفي ليبقي عينيه مفتوحتين. “و أنت يا نيران، منذ متى و أنت تشاطره هذا الشغف بتلك الأمور؟ لقد بدوت غارقا في التركيز و أنت تصغي لبارنتشيوا.”

“أنا؟ مركز؟” أشار نيران إلى نفسه بذهول مصطنع.

“نعم، و يمكنك سؤال جوميوت إن ساورك الشك؛ فقد كنت تصغي إليه بانتباه منقطع النظير.”

“بالفعل، بدا أنك تولي اهتماما بالغا بصديقي.. أعني، بما يبوح به عن أسرار الفضاء،” أضاف جوميوت، و هو يرمق هيمارات بغمزة ذات مغزى.

دحرج نيران عينيه بضيق طفيف و قال: “حسنا، أنا مهتم، و ما الضير في ذلك؟”

“…”

“يبدو الأمر مثيرا للاهتمام حقا، منذ تلك الزيارة التي قمنا بها للقبة السماوية.”

“القبة السماوية؟” سأل ثارا فور وصوله، بينما حدق ثيبوك فيهما بارتباك و هو يضع كأسه فوق الطاولة. “ماذا؟ هل ذهبتم حقا إلى القبة السماوية؟”

“أوه، تنحَّ جانبا أيها المبتدئ، فلدينا استجواب لنيران أولا،” قال هيمارات بحماس، و كأن بين يديه ملف قضية شائكة. لو كان يملك مصباحا، لسلط ضوءه مباشرة على وجه نيران كآلة مسح جنائية. “ذهبت إلى القبة السماوية برفقة بارنتشيوا؟ متى؟ و في أي ساعة؟ أريد جدولك الزمني كاملا!”

رمش نيران عدة مرات بغير استيعاب. هل كان ذهابه مع بارنتشيوا أمرا يستدعي كل هذه الجلبة؟ نظر جانبا نحو رفيقه، الذي كان يحاول جادا تعديل نظارته بينما اشتعلت أذناه حمرة كحبتي طماطم ناضجتين.

“ما الخطب؟ لقد ذهبت بالفعل.. هل في الأمر غرابة؟”

“و لمَ لم تنبس ببنت شفة عن الأمر؟”

“أوه؟ و هل يتعين علي إطلاعكم على كل شاردة و واردة؟ هل علي إبلاغكم بكل مرة أقصد فيها الحمام مثلا؟ لم نعد في المدرسة الإعدادية، فنحن على أعتاب الجامعة الآن،” احتج نيران بنبرة محتدة.

و لكن احتجاجاته لم تجدِ نفعا مع هيمارات، الذي استمر في رمقه بعينين ضيقتين و كأنه يحاول فك شفرات عقله. و حين أخفقت نظراته ‘المرعبة’، قرر تغيير هدفه.

“بارنتشيوا، أخبرني بصدق، ما هي مشاعرك تجاه صديقي؟”

“…”

“إن لم تجب، فلن أسمح لك بالبقاء معنا هنا.”

“فِي، لا تتمادَ!” تدخل جوميوت قبل أن ينطق بارنتشيوا بكلمة.

“لا تعبثوا معه؛ فالأمر يخصهما وحدهما، و لا يحق للبقية التدخل في شؤونهما.”

“…”

“…”

“…”

“كفى عبثا!” صرخ نيران و هو يشعر بوطأة الارتباك. “لا تجعلوا الموقف أكثر غرابة مما هو عليه، أرجوكم. لا داعي لإضفاء هذه الأهمية المبالغ فيها. إن كان شخص قريبا من آخر، فمن الطبيعي أن يجلس بجانبه. هيمارات، كنت منزعجا لأنني لم أدعك، و لكنني سأفعل في المرة القادمة. ذهابي للقبة السماوية كان قرارا عفويا لتصفية ذهني فحسب، و قد دعاني بارنتشيوا فقبلت لقرب المكان. ظننت أنكم ستشعرون بالملل لأنكم زرتموها من قبل، لذا لم أدعكم.. هل ارتحتم الآن؟”

“لم أكن منزعجا—” و قبل أن يكمل هيمارات، صفعه ثيبوك بقوة!
أشار إليه ثيبوك بحدة ليصمت، فرغم وصوله المتأخر، إلا أنه استوعب الموقف بذكاء. “اصمت و إلا طردتك من هنا!”

أومأ ثارا لثيبوك كي يبعد هيمارات، و أشار لجوميوت بالمغادرة أيضا. و في نهاية المطاف، خلا المكان لنيران و بارنتشيوا وحدهما.

“لا تلتفت لما تفوه به هيمارات؛ فهو لا يكف عن الثرثرة كعادته،” قال نيران مواسيا. “و لا تشعر بالحرج من وجودي، يمكننا الاستمرار في الحديث كما كنا دائما.”

كان نيران يستعذب قضاء الوقت مع بارنتشيوا؛ فحضوره يبعث في نفسه الهدوء و الدفء. و لم يكن ليرضى أن يتسلل الحرج لقلب بارنتشيوا بسبب حماقات صديقه. كان ينوي في قرارة نفسه أن ينفرد بهيمارات لاحقا ليوبخه على فعلته.

ثم نطق بارنتشيوا بكلمات جعلت نيران يتجمد في مكانه: “و أنت.. هل تشعر بالحرج من وجودي؟”

تلاقت أعينهما، فقال نيران: “لقد أخبرتك أنني لا أشعر بالحرج.”

“و.. ما قولك فيما قاله جوميوت؟ كيف وقع ذلك في نفسك؟”

“ماذا تقصد؟”

“أعني الجزء المتعلق بـ.. توددي إليك.”

“…”

بدا بارنتشيوا في أمسّ الحاجة لجواب صريح؛ و لم يحِد ببصره عن نيران ثانية واحدة.

أمال نيران رأسه قليلا، و ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة غامضة.

“و ما رأيك أنت؟”

“..رأيي في ماذا؟”

بدا و كأن بارنتشيوا يتوق لسماع إجابة مباشرة تلامس قلبه. هل ينبغي لنيران أن يبوح بما يعتمل في صدره؟ كانت نظرات بارنتشيوا المكثفة و ارتباكه الملحوظ—الذي يتناقض مع بروده المعتاد—يجعلان من الصعب التكهن بما يدور في خلده. مع نيران وحده، كان بارنتشيوا يبدو عاجزا عن مواراة مشاعره.

“لا شيء.. و لكن، هل كنت تتودد إلي حقا كما زعم جوميوت؟”

“…”

خيم صمت ثقيل، و بدأ وجه بارنتشيوا يتصبغ بالحمرة تدريجيا. من جانبه، استشعر نيران توترا غريبا؛ و لعل سؤاله لم يكن في محله. لو أجاب بارنتشيوا بالإيجاب، لما عرف نيران كيف يدير الموقف؛ فمشاعره كانت متخبطة بما يكفي. و لو أجاب بالنفـي، لشعر نيران بإحراج مرير و كأنه توهم أمرا لم يكن.

انزعج نيران من هذه الأفكار المتصارعة، و لعل بارنتشيوا استشعر ذلك الانزعاج، أو أنه آثر السلامة لتجنب موقف محرج، فبادر بتغيير دفة الحديث فجأة.

“..لقد وعدتني بشيء سابقا. حسن، لنغير الموضوع الآن.”

“أي وعد تقصد؟”

“ذاك المتعلق بتعليمي فنون الجودو..”

“آه، تذكرت. متى ترغب في البدء؟ يمكنك إخباري في أي وقت، فالمدرّب لا يمانع في حضور شخص من ناد آخر إلى الصالة، طالما كان ذلك خارج أوقات التدريب الرسمي.”

“ما رأيك بعد انقضاء الامتحانات النهائية؟”

“أتقصد في العطلة؟”

أومأ بارنتشيوا موافقا: “سأكون حينها مشغولا ببعض المهام في مجلس الطلاب و الإشراف على نادي الفلك، و لكن سيكون لدي بعض الوقت الحر، فظننت أنه الموعد الأنسب.”

“همم.. نعم، سأكون متفرغا تماما حينها.”

“إياك و التراجع.”

“لن أتراجع أبدا.”

حدق نيران في أصابع بارنتشيوا؛ كانت طويلة و متسقة بشكل لافت. و دون وعي، شعر برغبة في توثيق ذلك الوعد، فرفع خنصره قائلا: “حسن، لنتعاهد على ذلك.”

ظن نيران أن الآخر قد يتردد، و كان مستعدا لخفض إصبعه فورا، و لكن بارنتشيوا رفع خنصره و ربكه بخنصر نيران بسرعة أثارت ضحك الأخير.

كان بارنتشيوا يملك من الصبر ما يكفي لانتظار بزوغ نجمه البعيد.. كعادته دوما.

حين حل شهر الرياضة المدرسية، دبّ الحماس في أوصال معظم الطلاب. و راح رؤساء الألوان يوزعون المهام: من تجهيز الزينات و إعداد الأكشاك، إلى تنظيم العروض و المشاركة في المنافسات المتنوعة؛ من الشطرنج و الداما إلى كرة السلة و الملاكمة.

و مع كل مسابقة، كانت هتفات المشجعين تملأ الأجواء، ترافقها قرعات الطبول التي لا تهدأ.

أما نيران، فكانت مشاركاته مؤجلة للفصل القادم؛ لذا لم ينخرط كثيرا في تلك الأنشطة. و بصفته طالبا في سنته الأخيرة، كان يتمتع بامتياز التركيز على التحصيل العلمي استعدادا لامتحانات القبول الجامعي.

و الحقيقة أن نيران لم يسأل رفاقه عن خططهم المستقبلية، بل إنه هو نفسه كان يشعر بفراغ و تيه تجاه مستقبله.

“ثيبوك، هل وصلك رد بشأن التجربة التي أرسلتها؟” سأل هيمارات و هو يفتح كتاب الإنجليزية بملل.

“ليس بعد، و لم أعد أعلق الكثير من الآمال؛ فقد رأيت أعمالا لطلاب موهوبين جدا،” أجاب ثيبوك بتنهيدة مثقلة.

“لا تيأس، فما زال هناك متسع للمحاولة في المعسكرات القادمة،” شجعه ثارا.

تنهد ثيبوك بعمق ثم رمق نيران، الذي ظل غارقا في صمته الطويل.

“بماذا تفكر يا نيران؟ ملامحك تبدو جادة للغاية.”

“إنه يفكر في بارنتشيوا بلا شك،” أجاب هيمارات دون أدنى تردد.

“ألن تتوقف عن مضايقته؟!” صاح ثارا و هو يصفع ظهر هيمارات بقوة.

انحنى هيمارات للأمام و هو يتظاهر بالألم الشديد، مما انتزع ضحكة من نيران.

“لو كنت تفتقد بارنتشيوا حقا، لما بدوت بكل هذه الجدية،” أضاف هيمارات و هو يرفع إبهامه مشجعا.

“كفى!” رد نيران بحدة. “لم يتغير شيء بيننا، ما زلنا كما كنا دائما.”

“و لكن جوميوت أفشى لنا أن بارنتشيوا يتودد إليك،” تدخل ثيبوك بفضول.

“ألم تفتحا هذا الموضوع بعد؟ الآن و قد غاب جوميوت، يفترض أن يكون الحديث أكثر سلاسة.”

أشار هيمارات لنفسه متسائلا: “جوميوت ثرثار؟”

حسن.. الحقيقة أنه كان كذلك بالفعل.

“لقد تحدثنا.. و سنبقى في الوقت الحالي كما نحن،” تنهد نيران بصوت مسموع.

لم يكن نيران يود الخوض في تفاصيل علاقته ببارنتشيوا أمام رفاقه، لا لنقص في مشاعره، بل خوفا من سخريتهم اللاذعة. لذا، قرر تحويل الدفة لموضوع أكثر وقارا: الجامعة.

“حسن، يبدو أننا لم نناقش بجدية تخصصاتنا الجامعية. فيمَ تفكرون؟”

“في هذه المرحلة، الموسيقى هي وجهتي الأكيدة،” أجاب ثيبوك بثقة.

“و أنا أميل لدراسة المحاسبة أو الإدارة،” أضاف ثارا.

“أما أنا، فأريد دراسة القانون.”

“…”

ألجم جواب هيمارات ألسنة الجميع؛ فكانت نظراتهم تنطق بذهول واحد: أنت، هيمارات، و القانون؟!

“أمر مفاجئ، أليس كذلك؟ الأذكياء أمثالي يقصدون تلك الكلية بطبيعة الحال، لكي أتمكن من إسكات كل من يظن نفسه عالما بكل شيء.”

“و أنت يا نيران؟” سأل ثارا، متجاهلا هيمارات تماما. “ما هي وجهتك؟”

“لا أعلم.. أشعر أن كل الخيارات تبدو فارغة في عيني.”

“لا بأس، تريث و فكر بالأمر تدريجيا.”

منذ تلك اللحظة، كف الرفاق عن الضغط على نيران، و هو ما بعث في نفسه الراحة؛ فقد كان ممتنا لاحترامهم لمساحته الخاصة.

و منذ ذلك الحديث الذي دار بين نيران و بارنتشيوا، أصبح الفتى ذو النظارات المربعة و صديقه جوميوت يشاركان المجموعة جلستهم اليومية؛ يتناولون الطعام و يتبادلون الأحاديث، و التي غالبا ما تنتهي بإصغاء الجميع لقصص الفضاء التي يرويها بارنتشيوا بشغف.

و من خلال مراقبته، لاحظ نيران أن بارنتشيوا يميل للحديث عن تلك المواضيع العلمية في فترات بعد الظهر بعفوية تامة. و ظل يراقب تلك التفاصيل بصمت.

و قبل أن يدركوا، دقت ساعة الامتحانات النهائية. بدا و كأن الوقت يسرع الخطى مع اقتراب موعد التخرج، و كان الشعور بالفراغ يزداد في نفس نيران؛ و لعل هذا حال كل الخريجين.

“انتهت الامتحانات! أهلا بالعطلة!” صرخ هيمارات بابتهاج. “أريد معانقة العطلة، و لكن.. هل لي بمعانقة أصدقائي أولا؟”

تحرك الجميع بسرعة لتفاديه.

“أنت تثير رعبي، ابتعد عني!” صرخ ثارا و هو يحاول الإفلات من عناق هيمارات المباغت.

“يا لك من صديق جاف!”

“واو، يا لها من إهانة موجعة،” قال هيمارات و هو يطلق سراحه.

“ما رأيكم في تناول لحم الخنزير المشوي؟” اقترح ثيبوك.

أومأ الجميع موافقين. “بالطبع، لا يحتاج الأمر لسؤال،” رد نيران.

“و ماذا عن بارنتشيوا و جوميوت؟” سأل هيمارات.

“سيذهبان بالتأكيد مع رفاق صفهما،” قال ثارا.

“هل تراهنني يا ثيبوك؟ أراهن أن بارنتشيوا سيأتي ليشاركنا الطعام. و الخاسر يدفع الثمن.”

“لا، لن أراهن.”

“…”

“لن أراهن لأن بارنتشيوا و جوميوت يقتربان منا بالفعل،” قال ثيبوك مشيرا إليهما.

نظر ثارا لنهاية الممر، فرأى الصبيين يقتربان، و قد تلاقت أعينهما من بعيد.

“هيا بنا، لقد نال الجوع مني.”

“واو، بمجرد وصول الصغار، صرت مستعجلا،” رد نيران و هو يدحرج عينيه.

قصدوا مطعما شهيرا للحم المشوي، يمتاز بجودة مكوناته و نظافته، و يتبع نظام الخدمة الذاتية. و بسبب ذلك، كان المكان يعج بالطلاب الذين أنهوا امتحاناتهم للتو.

استقروا حول طاولة في الهواء الطلق، و لحسن الحظ لم تكن الشمس حارقة؛ فجلسوا براحة تامة. انطلق الجميع لجلب الطعام، و بقي نيران لمراقبة الطاولة، فما أحضره رفاقه كان كفيلا بإطعام جيش كامل.

“هل تنوي حقا التهام كل هذا؟” سأل ثارا و هو يرى الأطباق المكدسة.

“اسأل بارنتشيوا،” تمتم هيمارات. “لقد أحضر الكثير، و كأنه يخشى أن نُطرد من هذا العالم بنظرة واحدة إن لم نشبع.” و ضحك لنفسه.

عاد الجميع للطاولة، و بينما كانوا يتسابقون لانتزاع اللحم الناضج، قال جوميوت بجدية مفرطة: “لحم الخنزير المشوي هو ركيزة أساسية للبشرية؛ فلو اختفى، لتحولنا إلى نفايات تائهة في الفضاء.. مادة بلا غاية.”

“ما الذي يهذي به الآن؟” سأل هيمارات بذهول، فرد ثارا: “ألم تعتد عليه بعد؟ دعه يفرغ ما في جعبته.”

انطلقت المعركة حول الشواية، و بفضل مهارة نيران، استطاع قنص عدة قطع من أمام هيمارات، و في لحظات، خلت الشواية تماما من اللحم.

أما بارنتشيوا، فقد ظل صحنه فارغا؛ إذ كان منغدسا في وضع قطع اللحم النيء على الشواية بتركيز شديد، و كأنه يؤدي امتحاناً مصيريا.

“يبدو و كأنه فقد السيطرة..”

التقط نيران قطعة ناضجة و وضعها في صحن بارنتشيوا، و لكن الأخير كان مصرا على الشوي للآخرين أولا.

“كُلْ أولا يا بارنتشيوا، ثم واصل مهمتك.”

“الأفضل أن تأكل أنت، أريد أن أنتهي من شوي هذه الكمية أولا.”

“…”

و هل ظن بارنتشيوا أن نيران سيستسلم؟ غمس نيران قطعة لحم في الصلصة جيدا، و قربها مباشرة من فم بارنتشيوا. فتح الصبي شفتيه بعفوية و أكلها، ثم تبعتها الثانية، فالثالثة.. حتى—

“..لذيذ!” قالها بصوت متهدج.

لمح نيران دمعة تترقرق في عين بارنتشيوا، فعلق هيمارات الذي لم تفته اللحظة: “نيران يطعمه اللحم، و هو يبكي تأثرا؟”

“لا.. الأمر ليس كذلك..” حاول بارنتشيوا التوضيح، و لكن الكلمات خانته، فارتشف جرعة من الماء سراعا.

فهم جوميوت الموقف فورا: “فِي.. وجه بارنتشيوا محمر تماما.”

“…”

“إنه لا يتحمل المذاق الحار أبدا.”

بدا و كأن نيران قد تسبب في بكاء الصبي الرقيق دون قصد. و بسبب التوابل الحريفة، خلع بارنتشيوا نظارته بينما استمرت دموعه في الهطول. في تلك اللحظة، و بينما كان نيران يسارع لإحضار الصودا لتخفيف حدة اللذع، خلس نظرة خاطفة لوجه بارنتشيوا.

بالنظارة، يبدو وسيما..

و بدونها.. يبدو وسيما أيضا.

واو!

“نيران، لا تقف هكذا! أعطه الماء بسرعة!”

“ها هو! لم تخبرني أنه حار، و أنا استمررت في إطعامك!”

“…”

لم يدرِ نيران أيضحك أم يرتعب؛ فقد تحول الموقف كله إلى فوضى عارمة و مضحكة في آن واحد.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!