فصل 13

فصل 13

“الأصدقاء حتى الموت، الأصدقاء إلى الأبد”؛ هذا هو الشعار الذي اخترناه لمجموعتنا الآن.

و لكن.. من العبقري الذي جاء بهذه الفكرة؟ أليست الصداقة تعني ألا يضطر الواحد منا لملاحقة الأشباح في مبنى العلوم الموحش؟!

كان التوتر يملأ المكان، فالمبنى في النهار يبعث على الخوف، أما في الليل فالأمر أسوأ بمراحل. و باستثناء بعض الطلاب في الطوابق الأولى، كانت الطوابق العليا التي وصلنا إليها تشعرك بأنك في عالم آخر بعيد عن البشر.

كانت السماء مغطاة بالغيوم السوداء.

أخرج أعضاء نادي الفلك اختراعهم الجديد؛ جهاز يشبه أجهزة كشف الطاقة في أفلام الخيال العلمي، له قاعدة و هوائي يدور في كل الاتجاهات، و إذا تحرك الهوائي فجأة، فهذا يعني وجود طاقة غير طبيعية في المكان. لعل الفضائيين يختبئون منا، أو ربما تركوا إشارات للنادي لكي يكتشفها.

“هل هم جادون حقا؟” همس ثارا و هو يقترب من نيران.

أومأ نيران برأسه و قال: “أعتقد ذلك.”

“ألا يمكننا النزول و تركهم يحققون وحدهم؟ ليس عدلا أن نبقى هنا،” تمتم ثيبوك بضيق.

وافق هيمارات على الفور: “نعم، لنخرج من هنا الآن!”

لكن نيران هز رأسه ببطء و قال: “أنا قلق على تشيوا و جوميوت، من الأفضل أن يبقى معهم أحد الطلاب الكبار كي لا يكونوا وحدهم.”

“…”
“يمكنكم النزول إذا أردتم.”

“و كيف ننزل و نتركك هنا؟!” اشتكى هيمارات و هو على وشك البكاء.

“إذن سنبقى جميعا، صدقوني لا توجد أشباح في هذا المبنى.”

“اسكت يا نيران! إن كنت لا تؤمن بوجودهم، على الأقل لا تحاول استفزازهم،” صاح هيمارات بخوف.

بينما كانوا يتجادلون، كان طلاب الصف الحادي عشر يجهزون المعدات. تولى جوميوت القيادة، أما تشيوا فقد ترك المهمة لأنه كان منشغلا بأمر أكثر أهمية: رعاية شخص ما. نعم، هذا ما سمعه نيران بوضوح..

اقترب تشيوا من المجموعة و نظر إلى نيران بتركيز هادئ.

“يمكن لطلاب الصف الأول الانتظار في غرفة النادي إن أرادوا، سأبقى أنا معهم لمرافقتهم،” عرض تشيوا.

تبادل الرفاق النظرات، و كانت قلوبهم تتمنى الهروب إلى غرفة النادي، لكن نيران رفض الأمر.

“لا، بما أنك تحب الفلك، فلا يصح أن تفوت فرصة مطاردة الفضائيين، سأذهب معكم أيضا.”

“…”

“يمكنكم البقاء هنا، لن يحدث شيء.”

“…”

بعد جدال قصير، انتهى بهم الأمر يسيرون جميعا معا. تقدم جوميوت الفريق مع أعضاء النادي، و خلفهم كان تشيوا و نيران، و في المؤخرة كان الأصدقاء الثلاثة يرتجفون من الرعب.

كان الصمت في الطابق العلوي يسبب القشعريرة، و لم يكن يُسمع سوى صوت الرياح و هي تضرب النوافذ، و صوت الجهاز المتقطع الذي يشبه راديو يبحث عن إشارة ضائعة.

فجأة، توقف جوميوت في منتصف الممر، و توقف الجميع خلفه بحذر.

بدأ الهوائي يدور ببطء، مشيرا إلى باب مختبر مغلق. كان هناك قفل على الباب من الخارج، و لكنه لم يكن مغلقا بإحكام، و كأن أحدهم تركه هكذا عن قصد.

شعر الجميع بقلوبهم تدق بعنف، و بدأت الأفكار المرعبة تسيطر عليهم. هل يختبئ فضائي في الداخل؟ أم هو ‘شبح المبنى’ الذي يتحدث عنه الجميع؟

كان العرق البارد يتصبب منهم، و أمسك هيمارات و ثيبوك و ثارا بأيدي بعضهم بقوة، و من شدة الخوف، امتدت يد ثارا لتمسك يد نيران، و لسبب ما، تشابك إصبع نيران الصغير مع إصبع تشيوا.

لم يكن نيران يعرف إن كان يؤمن بالأشباح أم لا، و لكنه شعر بتوتر غريب لم يعهده من قبل.

مد أحد الطلاب يده لفتح الباب، فصدر صوت صرير عال هز هدوء الممر. انفتح الباب ببطء شديد، و خرجت منه موجة هواء باردة جعلت أجسادهم تقشعر، ثم ظهر ظل مظلم وسط العتمة بدا و كأنه كائن غير بشري.

و عندما أطل ذلك الكائن برأسه..

“آآآآآه!”

‘هرباااااام!’

قفز هيمارات الذي كان ينتظر هذه اللحظة، و ركض للخلف بسرعة ساحبا أصدقاءه معه. شعر نيران بشد قوي و انزلقت يد ثارا من يده، و كاد أن يسقط لولا أن تشيوا كان يقف خلفه كالجدار، فاصطدم نيران بصدره بدلا من الأرض.

انطلقت الفوضى في كل مكان، و هرب الجميع في اتجاهات مختلفة.

كان قلب نيران ينبض بشدة حتى ظن أنه سيخرج من صدره، و لم يفكر في شيء سوى الهرب. أمسك بيد تشيوا و انطلق، بينما صرخ صوت من خلفهم:

“ما كل هذا الضجيج؟ ماذا تفعلون هنا أيها الطلاب؟!”

تحول الرعب فجأة إلى ضحك عصبي، فقد كان هذا صوت المعلم! بدأ نيران يبطئ من سرعته، لكن تشيوا هو من أصبح يقوده الآن، و سحبه من يده نحو السطح.

لم يقاوم نيران، بل ترك نفسه يتبعه بهدوء. و عندما فتحا باب السطح، استقبلهما ظلام الليل و سماء واسعة مرصعة بالنجوم.

“..واو.”

لم يكن نيران يتخيل أن سطح المبنى قد يبدو جميلا هكذا، كأنه كوكب صغير خاص بهما. قاده تشيوا إلى مساحة مفتوحة حيث تبدو النجوم واضحة جدا بسبب غياب المباني العالية.

“هل أحضرتني إلى هنا عمدا؟” سأل نيران بابتسامة.

فرك تشيوا أنفه بخجل، و لكنه ظل ممسكا بيد نيران بقوة.

“ظننت فقط.. أنك ربما لم تزر هذا المكان من قبل. بالنسبة لنا في نادي الفلك، هذا المكان عادي، فأحيانا يأخذنا المعلم إلى هنا ليرينا النجوم و يعلمنا أسماءها.”

لم يترك نيران يده، بل ترك الأمر يمر بشكل طبيعي، فربما لو علق على الأمر لأصبح الموقف محرجا، كما أن يد تشيوا كانت دافئة و مريحة.

“ما هي النجوم التي نراها الآن؟ لقد زرت القبة الفلكية من قبل و لكني نسيت كل شيء،” قال نيران.

أشار تشيوا إلى ثلاث نجوم مصطفة و قال: “هناك برج الدب الأكبر، و إلى اليمين نرى عنقود الثريا.”

“هل تقصد تلك التي في أسطورة الصيصان السبعة؟”

“نعم، هي بعينها.”

“و ماذا أيضا؟”

“هناك كاسيوبيا، تلك النجوم الخمسة التي تشبه حرف W، هل تراها؟”

حاول نيران تتبع اتجاه أصابعه، و رغم صعوبة التمييز بين النجوم، إلا أنه لم يستطع معارضة شخص ينظر إليه بعينين تلمعان مثل النجوم نفسها.

“و ماذا عن نجم الشمال؟ هل يمكننا رؤيته؟” سأل نيران.

أجاب تشيوا بهدوء: “الأمر صعب قليلا، فمكانه يتغير حسب المنطقة، و لكن من موقعنا هذا.. قد يكون هناك.” أشار إلى نجم ساطع في زاوية السماء، و إن لم يكن بجمال ما يتخيله الناس.

“إنه لا يلمع كثيرا مقارنة بالبقية،” لاحظ نيران.

“أحيانا يكون كذلك، فهناك عوامل تؤثر على رؤيته مثل الأضواء المحيطة بنا، و لكن الحقيقة هي أن نجم الشمال ساطع جدا و قوي.”

“تشيوا.”

“نعم؟”

“هل يمكنني سؤالك عن شيء؟”

“بالطبع.”

“لماذا تحب الفلك بهذا القدر؟ منذ ذهبنا للقبة الفلكية و عيناك لا تتوقفان عن اللمعان.”

فكر تشيوا لثوان ثم قال: “لأنها جميلة فحسب. أعتقد أن الشخص عندما يحب شيئا، يشعر بالسعادة و هو يفعله، أليس كذلك؟”

“عندما تتحدث عن النجوم، أرى ذلك في عينيك. و أتساؤل.. هل تبدو عيناي هكذا عندما أمارس الجودو؟ أم يظهر فيهما التعب فقط؟”

أجاب تشيوا بصوت خفيض: “بالنسبة لي.. أنت تشبه نجم الشمال تماما.”

سكت نيران من المفاجأة.

واصل تشيوا كلامه: “يسمونه أيضا ‘بولاريس’، و هو النجم الثابت الذي لا يغيب أبدا، يظل في مكانه كأنه المحور الذي يدور حوله كل شيء. و هل تعلم؟ نجم الشمال أقوى و أكبر من الشمس بكثير، و إذا بدا صغيرا من هنا فذلك بسبب المسافة الهائلة بيننا و بينه. و هو ليس وحيدا كما نظن، فله نجوم مرافقة دائما، حتى و إن لم نرها.”

ساد صمت رقيق بعد كلامه، و كأن تشيوا كان يرسل رسالة تشجيع لنيران بطريقة شاعرة و رقيقة. لقد كان يخبره بأنه قوي و مميز و ليس وحيدا أبدا.

فكر نيران بابتسامة: “هكذا يمدح المعجبون المخلصون إذن”.

“شكرا لك.”

ساد الصمت مرة أخرى، ثم قال نيران: “لقد فهمت كل شيء قلته.. إلا هذا.”

و رفع يده التي ما زالت متشابكة مع يد تشيوا. لقد بقيا هكذا لفترة طويلة، و لم يحاول نيران الإفلات، بل انتظر ليرى متى سيتركها الآخر، لكن ذلك لم يحدث.

يا لها من جرأة لطيفة!

ترك تشيوا يده ببطء، و لم تظهر الظلمة مدى احمرار أذنيه من الخجل، ثم حاول كسر الإحراج قائلا:

“هل أنت متفرغ في الأسبوع المقبل؟”

“لماذا؟”

“هل تود الخروج معي؟ أقصد.. مع عائلتي، سنذهب إلى الشاطئ و سيكون هناك الكثير من الأنشطة الممتعة.”

“هل يمكنني المجيء حقا؟”

هز تشيوا رأسه: “نعم، بكل تأكيد.”

و في تلك اللحظة..

“سمعت كلمة شاطئ! من سيذهب؟ إن لم تأخذوني معكم سأحذف كلمة صديق من القاموس!”

كان هذا صوت هيمارات الغاضب و هو يفتح باب السطح.

التفت نيران و تشيوا ليجدا المجموعة كاملة تقف خلفهما.

“تشيوا، لننزل الآن قبل أن يطردنا المعلم، لقد صرختم كثيرا و أفسدتم كل شيء،” قال جوميوت بإحباط لأن الاختراع تعطل أثناء هربهم.

“كيف ركضتم للأعلى؟ كان يجب أن تهربوا للأسفل!” سأل ثارا بتعجب.

“إذا كان هناك شبح، فسيجدكم أسرع في الأعلى،” أضاف ثيبوك.

صاح هيمارات: “أي شبح؟ اصمتوا! لو سمعت هذه الكلمة مرة أخرى سأركل أحدا!”

ضحك الجميع و هم ينزلون من المبنى بسلام. و رغم فشل مهمة البحث عن الفضائيين، إلا أن جوميوت صمم على المحاولة مرة أخرى، و وافق تشيوا، بل و أضاف نيران بضحكة: “سأأتي معكم أيضا.”

صرخ هيمارات بيأس: “هل تريد المزيد؟! أنت مجنون حقا!”

تفرق الجميع للعودة لمنازلهم، و لكن قبل ذلك، شرح تشيوا خطة الشاطئ ودعا الجميع رسميا. و في النهاية، وافق الكل: تشيوا، جوميوت، نيران، هيمارات، ثارا، و ثيبوك.

✎﹏﹏﹏ ❀ ﹏﹏﹏✎

في الأسبوع التالي، انطلقوا جميعا مع عائلة تشيوا. كان شقيقه الأكبر، ‘تشيوين’، هو من يقود السيارة، و كان شخصا لطيفا جدا معهم.

عائلة تشيوا تتكون من أربعة إخوة: دونغتشيوي، كاوتشييوان، تشيوين، و تشيوا. و بما أن الوالدين و الأخوان الآخرين كانوا مشغولين، ذهب تشيوين و تشيوا فقط، و رحبوا بالأصدقاء بكل حب، حتى أن تشيوين مر عليهم واحدا تلو الآخر بسيارة العائلة.

كانت هذه المرة الأولى التي يلتقي فيها نيران بعائلة تشيوا بشكل رسمي.

“رائد الفضاء لا يمكنه الذهاب للفضاء وحده، و كذلك الرحلات لا تكون ممتعة دون أصدقاء،” قال جوميوت بلسانه الشاعري المعتاد.

“تشيوا، أليس لديك أصدقاء غير جوميوت؟ لماذا نراه دائما؟” سأل هيمارات بضيق و هو يحاول ضبط لسانه أمام الأخ الأكبر.

أجاب تشيوا ببرود: “يمكنك التحدث بطبيعتك، لا داعي لهذا التكلف، فأنت تبدو غريبا هكذا.”

ضحك ثيبوك و هو يواسي هيمارات: “لقد بدأ تشيوا يعاملك بفظاظة أخيرا، تهانينا.”

عادة، لا يتحدث تشيوا بهذه الطريقة إلا مع المقربين جدا، و خاصة مع نيران.

انفجر الجميع بالضحك على رد فعل هيمارات، و أخيرا قرر هيمارات التخلي عن رسمياته و طلب منهم أن يعاملوه كما يريدون.

لكن تشيوا قاطعه فجأة قائلا: “اخفضوا أصواتكم قليلا… أخي تشيوين يحتاج للتركيز في الطريق، والبقية غرقوا في النوم.”

“..آسف.”

ساد الصمت في السيارة، فقد بدأ التعب يحل على الجميع بعد يوم طويل. كان هيمارات أول من نام، و تبعه ثيبوك و ثارا، و غرق كل منهم في عالمه الخاص.

بقي نيران و تشيوا مستيقظين. جلس نيران بجانب النافذة يراقب الطريق و الحقول الواسعة، و عندما بدأ ضوء الشمس يشتد، أغلق الستارة و التفت ليجد أن تشيوا قد غرق في النوم هو الآخر.

كان ينام و ذراعاه متقاطعتان، و قد انزلقت نظارته المربعة إلى طرف أنفه. مد نيران يده ببطء و أزال النظارة بعناية حتى لا يوقظه، و بدونها، بدا وجه تشيوا هادئا جدا و جميلا.

ظل نيران يراقبه قليلا؛ ملامحه، أنفه، و شفتيه.. ثم نظر إلى ضوء الشمس في الخارج و تذكر كلام تشيوا عن نجم الشمال. ابتسم نيران بصدق، فقد كان ذلك الشعور الدافئ في قلبه يزداد قوة يوما بعد يوم.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!