فصل 32

فصل 32

استمرّ التنفّس الهادئ في الغرفة الساكنة. كان قيصر ينظر إلى الرجل النائم كطفلٍ غارقٍ في أثر المخدّر. وفجأة، راوده رغبة في لمسه. رفع يده برفق، وأزاح خصلات شعره المتناثرة عن جبينه. في تلك اللحظة، عقد وون حاجبيه. ابتسم قيصر دون وعي، كأنّه منزعج من ألّا يُسمح له بلمسه… وكان ذلك مثيرًا للانتباه.

دوّى طرقٌ خفيف على الباب. أدار قيصر رأسه، فجاء صوت رجلٍ من الخارج:
«قيصر، لديّ أمرٌ أبلغك به.»

ألقى قيصر نظرةً هادئة على وجه وون، بينما أعاد الرجل من الخارج:
«سيدي، هل يمكنني الدخول؟»

كان صوته يحمل توترًا خافتًا. رفع قيصر يده عن جبين وون، وقال ببرود:
«انتظر.»

نهض وغادر الغرفة، تاركًا الباب خلفه. وما إن أُغلق الباب، حتى اختفت الابتسامة عن وجهه كأنها قناع. وقف رجاله فورًا بانحناءة احترام، بينما بدا وجهه خاليًا تمامًا من أي تعبير.

«هل انتهيتم؟»

أجابه أحدهم بوجهٍ جامد:
«نعم، نظّفناه كما أمرت. ماذا نفعل بالجثة؟»

قال قيصر بصوته البارد المعتاد:
«قطّعوها، وأرسلوها هدية إلى توتشيف والبقية… مع بطاقة.»

تردّد الرجل لحظة ثم سأل:
«وماذا نكتب في الرسالة؟»

ارتسمت على شفتي قيصر سخرية خفيفة، وقال:
«أعيدوا لهم ما تركوه.»

أومأ الرجل باحترام:
«حسنًا.»

وما إن غادروا، عاد قيصر إلى الغرفة. وما إن وقعت عيناه على وون النائم بعمق، حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة بريئة.

استيقظ وون على خفقٍ خفيف في رأسه. ظلّ مستلقيًا يرمش بعينين فارغتين، قبل أن يدخل رجلٌ غريب بعد أن فتح الباب، مطأطئ الرأس:

«هل استيقظت؟ حان وقت الإفطار. الحمّام إلى اليمين، وهناك ملابس لتبدّلها في الأسفل.»

ثم خرج من جديد.

جلس وون ببطء، ينظر بذهول إلى المكان. غرفة نومٍ لا يعرفها، ورجلٌ لم يره من قبل. لا بدّ أنّ قيصر أحضره إلى هنا بعد أن أغمي عليه.

كانت الغرفة واسعة، ضعف حجم غرفته السابقة، مليئة بالأعمال الفنية والأثاث العتيق. قطعٌ تبدو وكأنها تعود لقرون، وسريرٌ فخم تعلوه ستارة أنيقة. قصرٌ فاخر بحق… كما توقّع.

ومع تسرّب الذكريات، عقد حاجبيه.

كيف خُدعتُ بهذه السهولة؟

اشتعل الغضب داخله. كيف لم يشكّ في ذلك الخادم؟ الآن، حين يفكّر بالأمر، كانت هناك علاماتٌ كثيرة. أن يقع في خدعةٍ كهذه… كطفلٍ في الخامسة.

قبض على أسنانه وهو يلعن نفسه.

لقد كان خطأه أن يدخل وكر المافيا دون حذرٍ كافٍ. بل وأكثر… أن يظهر بهذا الضعف أمام قيصر. لم يكتفِ بأن يُخدَّر، بل سقط وتلعثم أمامه…

ضرب السرير بقوّة. ارتدّ الصوت أجوف، فزاد غضبه. نهض متّجهًا إلى الحمّام.

في الداخل، وجد ملابسه مغسولة ومرتّبة بعناية. تذكّر أن هذا كان عمل الخادم السابق.
إذًا… هل هذا الرجل هو الخادم الجديد؟ وماذا حدث للقديم؟

تحت الماء، تشابكت أفكاره أكثر. منذ متى كان قيصر يعلم بخيانة الخادم؟ وعادت مشاعر الاشمئزاز—أنه استُخدم كطُعم.

خرج بسرعة، وارتدى ملابسه وهو يهزّ شعره المبلّل بعنف.

هذا… لا يُحتمل.

وما هو أسوأ، أنه حدث بسبب إهماله هو.

خرج من الغرفة، والغضب يملأه.

ما إن دخل غرفة الطعام، حتى لفت انتباهه شعرٌ أشقر مألوف. عند سماع خطواته، التفت قيصر، والتقت أعينهما.

«تعال. هل نمت جيدًا؟»

حيّاه قيصر كعادته، بابتسامة خفيفة ونبرة هادئة. لكن وون لم يُجب. أدار وجهه وجلس، متجاهلًا إياه تمامًا—كأن ملامحه تقول: لا تكلّمني، ما زلت غاضبًا.

لاحظ قيصر ذلك، ولم يعلّق.

وُضع الطعام أمام وون بواسطة الخادم الجديد. نظر حوله مرة أخرى… لم يكن للخادم السابق أي أثر.

«ماذا عنه؟»
سأل وون.

في تلك اللحظة، وضع الخادم سلة خبز جديدة. نظر وون إليه دون وعي، ثم قال:

«وأين الخادم القديم؟»

أجابه قيصر مباشرة:
«طُرد.»

«طُرد؟»

هل انتهى الأمر هكذا؟ أوقع بكل ذلك فقط ليطرده؟

ابتسم قيصر ابتسامة غامضة، بينما قال وون:
«هذا لا يكفي.»

تذكّر فجأة ما قاله قيصر بالأمس—أنه سيتكفّل بالأمر.

«لا تُخفِ شيئًا. أخبرني… ماذا حدث؟ من حقي أن أعرف.»

قالها بصوتٍ حاد. نظر إليه قيصر للحظة، ثم صمت.

تابع وون:
«ماذا كان يبحث عنه ذلك الرجل؟ هل لهذا علاقة بالقضية؟ أنا محامٍ. إن كان هناك شيء يجب أن أعرفه—»

ثم أضاف:
«هل له علاقة بالسيناتور جدانوف؟»

ظلّ قيصر صامتًا، ثم قال ببطء:
«الأمر مرتبط… لكن لا حاجة لك بمعرفته.»

«إذًا لا تتوقّع أن تربح القضية.»

قالها وون ببرود:
«إذا كان موكّلي يُخفي شيئًا، فلن يفوز. ولا تنسَ أنني تولّيت الدفاع عن العم نيكولاي قبلك. إن كان هناك أي شيء قد يضرّ بالقضية… فسأنسحب فورًا.»

ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة. حتى الرجال من حولهم حبسوا أنفاسهم.

بعد لحظة، قال قيصر بهدوء:
«إذًا الشهود الذين وجدتهم… بلا فائدة.»

«ماذا؟»

نظر وون إليه بدهشة.

ابتسم قيصر ابتسامة خفيفة:
«تذكّر؟ المشروع المشترك بين جدانوف وبيردياييف.»

تدفّقت الأفكار في ذهن وون.

قال قيصر ببطء:
«وجدتُ الشخص الذي استعار الاسم الذي ذكرتَه.»

في لحظة، أشرقت عينا وون.

«لكننا بالكاد وجدناه.»

في قريةٍ صغيرة على أطراف المدينة، حيث يلجأ المتعبون من صخبها إلى الهدوء، بدا المشهد مختلفًا. حراسة مشدّدة، رجالٌ ببدلات، حركة غير مألوفة.

«مافيا…»
هكذا همس السكان.

لم يجرؤ أحد على الاقتراب. حتى الطريق الأقصر إلى المدينة، المارّ أمام الفيلا، أصبح مهجورًا.

جلس ميخائيل لومونوسوف على كرسي مريح، ينظر من النافذة. لم يرَ سوى رجال الحراسة. لم يمرّ حتى كلب واحد.

مرّ شهران منذ غادر المدينة ليتعافى… لكن التعافي بدا بعيدًا.

تنهد.

أنا أعيش طويلًا…

فكّر في نفسه. كان في عمر ساشا نفسه، زعيم المعارضة سيرغييف، لكنّه شعر مؤخرًا أنه أكبر بكثير.

ربما… ليس المرض هو السبب، بل الفرق بين من يملك من يثق به… ومن لا يملك.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!