فصل 33

فصل 33

«أفتقدك…»

ومع استدعائه لذكرياتٍ مطمورة في أعماق ذاكرته الضبابية، ارتسم في ذهنه فجأة مشهدُ سيارةٍ سوداء تقترب من بعيد. بقي ميخائيل ساكنًا، يراقبها حتى توقّفت. ترجل منها مساعده ليف.

«سيد لومونوسوف، هل أنت بخير؟»

انحنى الرجل باحترام، ثم رفع رأسه. كانت عينا ميخائيل الشاحبتان تحدّقان فيه. في داخله، كان ليف قلقًا. فـميخائيل، الذي ورث المنظمة في العشرين من عمره، لم يكن له وريث. رغم إلحاح رجاله عليه بالزواج مرارًا، ظلّ أعزب حتى الآن. انتشرت شائعات عن زوجةٍ خفية، لكن لم تُرَ امرأة تزوره يومًا.

حين كان ميخائيل في صحته، لم يكن الأمر مقلقًا. أمّا الآن… فقد تغيّر كل شيء. خلال شهرين فقط، بدا كأنه شاخ عشر سنوات.

«هل تناولت طعامك جيدًا؟»

أومأ ميخائيل بهدوء:
«أنا بخير… شكرًا لقلقك.»

كان صوته كما هو، لكن القلق لم يفارق ليف. إن اختفى هذا الرجل… ستتفكك المنظمة. يجب أن يبقى ميخائيل لومونوسوف… كأسدٍ أقوى من الجميع.

ربما ظهرت تلك الأفكار على وجهه، إذ قال ميخائيل بصوتٍ منخفض:
«ما زلت بخير. لا تنظر إليّ بهذا الوجه المتجهّم.»

اعتذر ليف بسرعة، ثم بدّل الموضوع:
«جئت اليوم لأطلعك على المستجدات. تحرّكات جهة سيرغييف لم تعد بسيطة.»

تابع مباشرة:
«لقد تخلّصوا من عمدة بيردياييف، وهم الآن يستهدفون ما تبقّى من ثروته. يبدو أنهم أحرزوا تقدّمًا كبيرًا. نحن نراقب الوضع، لكن إن لزم الأمر… سنتدخّل.»

اشتعلت عينا ميخائيل فجأة ببريقٍ حاد. ارتبك ليف قليلًا، لكنه لم يخفِ إعجابه بهيبته.

«ومن يجرؤ على تحدّي مملكة لومونوسوف؟ ابنُه؟»

«نعم… يا سيدي.»

أجاب ليف سريعًا.

«ما زلنا نراقب… لكن إن سنحت الفرصة، سنتحرّك فورًا.»

تمتم ميخائيل:
«ذلك الابن…»

وضيّق عينيه.

قيصر سيرغييف.

فكّر في ابن ساشا، ذاك الذي بدا كأنه يشعّ نورًا من جسده. مافيوسيٌّ حتى النخاع.

وحش… بلا دم ولا دموع.

لكن سرعان ما تسلّل إليه مرارةٌ خفيفة. ألسنا جميعًا… وحوشًا؟

«تابع.»

قالها بهدوء، فأكمل ليف:
«إن استفزّونا من الظل، سنردّ بقدر ما نستطيع… لكنهم يتحرّكون ضمن إطارٍ قانوني. مع علمهم أن كل شيء في بيردياييف يعود لنا… فهذا استفزازٌ واضح.»

ارتفع صوت ليف تدريجيًا، غير قادرٍ على إخفاء حماسه. رفع ميخائيل حاجبيه قليلًا. فالتدخّل في بيردياييف يعني تحدّيًا مباشرًا له… لكن ما يفعلونه الآن تجاوز ذلك بكثير.

شدّ قبضته ببطء على مسند الكرسي.

«هذا كل ما توصّلنا إليه حتى الآن… ليس كثيرًا، لكن—»

عبس ميخائيل وهو يتصفّح الملف:
«فقط هذا؟»

كان ضئيلًا بشكلٍ مخيّب.

أجاب ليف بتردّد:
«لقد استقدم سيرغييف محاميًا من خارج المنظمة، لا مستشارًا داخليًا. وكلّ التحضيرات تتم داخل قصره، لذلك من الصعب الحصول على معلومات.»

«إذًا… نحتاج إلى ذلك المحامي.»

تفاجأ ليف من حدّة صوته:
«لكنه يعمل داخل منزل قيصر نفسه… من المستحيل الوصول إليه.»

زفر ميخائيل بشتيمةٍ خافتة، ثم فتح الملف من جديد. قلّب الأوراق سريعًا، حتى توقّف فجأة.

صورة.

واحدة لقيصر… كما هو معروف.
لكن نظره لم يكن عليه، بل على الرجل الذي يقف إلى جانبه.

قال ليف بسرعة:
«هذا هو. المحامي الذي استعان به قيصر. كنت أراقبه منذ فترة، وهذه صورة حديثة.»

كان الرجل يقف إلى جانب قيصر أمام مكتبة.

«لا يبدو روسيًا خالصًا… أليس كذلك؟»

سأل ميخائيل ببرود.

أومأ ليف:
«نعم، أعتقد أنه من أصلٍ مختلط… ربما كوري. اسمه—»

توقّف قليلًا، ثم قال:
«اللقب صعب النطق…»

فتح الملف وأشار إليه. توقّف نظر ميخائيل على الاسم.

«مسيرة غير اعتيادية…»

«وصل إلى روسيا منذ سبع سنوات، لكنه يبدو كفؤًا. ما زلنا نتحقّق من خلفيّته.»

ساد صمتٌ قصير. ثم أغلق ميخائيل الملف فجأة.

«لقد استرحتُ طويلًا… حان وقت العودة.»

تفاجأ ليف:
«الآن؟!»

نهض ميخائيل. كان جسده ضعيفًا بفعل المرض، لكن هيبته عادت كما كانت.

«سأعود إلى المنظمة.»

اتّسعت عينا ليف، بين الفرح والقلق:
«لكن حالتك—»

ترنّح ميخائيل قليلًا، فسارع ليف لإسناده.

«سيدي، يجب أن—»

لكن ميخائيل أشار له أن يبتعد، ثم تناول عصاه، واعتدل.

«لا يمكنني أن أترك وريث سيرغييف يعيث فسادًا.»

ارتجف قلب ليف. بعد كل هذا الوقت… عاد الأسد.

«حسنًا… سأستعد فورًا.»

على جزيرةٍ بعيدة، كانت الرياح الباردة تعصف بلا توقف. خرج وون مسرعًا من المطار، منكمشًا من شدّة البرد.

أراد فقط مكانًا دافئًا… فندقًا، مقهى… حتى نارًا صغيرة.

«الجو أبرد مما توقعت…»

جاء صوت خلفه. استدار بسرعة، فرأى قيصر يقف هناك، مرتديًا معطفًا فاخرًا من الفرو.

صرّ وون على أسنانه، ونظر إليه ببرود.
كاد يتمنى أن يعضّه حيوانٌ بري في تلك اللحظة.

اجتاحه بردٌ قاسٍ كفيلٌ بتجميد مئة عام من المشاعر، فانطلق يبحث عن سيارة أجرة. ولحسن الحظ، لم تكن بعيدة. ركض نحوها متجاهلًا قيصر تمامًا.

فتح الباب بسرعة وجلس، ثم ذكر وجهته.

نظر إليه السائق بدهشة…

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!