فصل 27

فصل 27

​حصدت مدرسة ‘ميمين فيبون’ المركز الأول في بطولة كرة السلة السنوية لهذا العام ، ضمن دورة الألعاب المدرسية التي ضمت أربع مدارس محلية . و من مدرجات فريقنا ، دوى قرع الطبول مصحوبا بهتافات صاخبة و صرخات الفرح . تبادل اللاعبون ، من أساسيين و بدلاء ، ضربات الكفوف و هم يفيضون سعادة .

​كان نيران قد عرف للتو بعض التفاصيل عن نادي كرة السلة . و وفقا لما يتداوله الطلاب ، فإن مدرستهم عادة ما تحل في المركز الأول أو الثاني ، حيث يتبادلون الفوز كل عام . و بما أنهم فازوا بالمركز الأول العام الماضي ، فقد ظن الكثيرون أن مصيرهم الخسارة هذا العام . علاوة على ذلك ، واجهوا عثرات بسبب إصابة أحد اللاعبين الرئيسيين و عدم تمكنه من المشاركة ، مما اضطرهم للتدريب مع شخص جديد ، و لم يكن ذلك اللاعب الجديد سوى تشيوا .

​في البداية ، شعر الفريق باليأس ، فقد كانوا بحاجة ماسة للعثور على بديل . و في أحد الأيام ، وجد قائد النادي تشيوا و هو يلتقط كرة من الأرض و يسجلها بضربة “دانك” بيد واحدة من خط الثلاث نقاط . كان طويلا ، نحيفا، و بالنسبة للنادي ، كان مثاليا تماما.

​سمع نيران كل هذا من خلال تعليقات فريق التشجيع ، و لم يعرف مدى صحة الأمر . و لكن بغض النظر عن ذلك ، أصبحت القصة أسطورة داخل نادي كرة السلة ، حتى أنهم أطلقوا على تشيوا لقب ‘تميمة الحظ’ للفريق .

​مم … هذا شيء لافت حقاً.

​سأله القائد : ” ألا تود الانضمام إلى نادينا بشكل دائم ؟ ”

​أجاب تشيوا : ” بين مجلس الطلاب و نادي الفلك ، أنا مشغول بالفعل . و رغم أن المدرسة تسمح بالانضمام لعدة أندية ، إلا أنني لا أريد تشتيت نفسي ، فأنا أخشى ألا أؤدي مهامي بشكل جيد . ”

​تنهد القائد و قال : ” إذا لنفعل هذا . إذا نقص عدد اللاعبين في نادي كرة السلة ، سأتصل بك يا تشيوا . ”

​أومأ بارنتشيوا برأسه : ” اتفقنا . ”

​” لماذا أنت رسمي جدا؟ يمكنك التحدث معي ببساطة ، لا بأس . ”

​” أنا معتاد على التحدث بهذه الطريقة أكثر . ”

​” حسنا ، كما تشاء إذا. ”

” شكرا لك . ”

​” و إلى أين ستذهب الآن ؟ ”

​” سأذهب لتناول الطعام مع البي نيران ، ثم سنعود إلى المنزل معا. ”

​تطلع القائد نحو المدرجات . و بدون مبالغة ، لم يكن هناك أحد في المدرسة لا يعرف نيران ؛ فقد كان مشهورا، و إن كان هناك حاجز غير مرئي يجعله يبدو بعيد المنال قليلا. يقول أصدقاؤه إنه في الحقيقة طيب القلب جدا.

​فكر القائد في نفسه : ‘أظن أنه طيب فقط مع من يريدهم بقربه ‘ .

​” تشيوا ، دعني أسألك شيئا. ”

” تفضل . ”

​” كيف هو نيران في الحقيقة ؟ أنا من الأشخاص الذين يريدون التعرف عليه ، و لكن أحيانا أشعر أن الوقت ليس مناسبا . حتى عندما أراه وحيدا ينتظر أصدقاءه ، لا أجرؤ على الاقتراب . يبدو و كأن لديه حاجزا . كيف تمكنت من التقرب منه ؟ ”

​أصبحت تعابير تشيوا جادة . ماذا يعني هذا السؤال في الحقيقة ؟ كانت الإجابة واضحة كوضوح الشمس : هل يعجب قائد كرة السلة بالبي نيران ؟

​فكر الفتى الأصغر بعمق ، و لم يعجبه هذا الإدراك أبدا. لم يكن من الغريب أن ينجذب الناس لنيران ؛ فهو لطيف ، يمتلك ابتسامة جميلة ، و طيب القلب . و لهذا السبب تحديدا ، لم يرد تشيوا لأي شخص آخر أن يرى الجانب الذي يعرفه هو فقط من نيران . أراد أن يكون الشخص الوحيد الذي يراقب كيف يدور ذلك النجم في مداره ، مدفوعا بقوة الجاذبية بينهما .

​لذلك …

​قال تشيوا : ” أعتقد أن البي نيران لديه شخص يحبه بالفعل . إذا كنت تفكر في مغازلته ، فلا أنصحك بذلك . قد ينتهي بك الأمر لتكون طرفا ثالثا في علاقة ، و هذا ليس أمرا لائقا . ”

​عقد القائد حاجبيه .

​تابع تشيوا قائلا : ” لأوضح الأمر أكثر ، يبدو الأمر و كأن هناك كوكبين يدوران في انسجام ، و فجأة ، ظهر كوكب ثالث . هذا الكوكب الجديد يقطع المدار . و في النهاية ، قد لا يقترب أي من الثلاثة من بعضهم البعض مرة أخرى . لهذا السبب أعتقد أنه من الأفضل أن ينسحب الكوكب الجديد . ”

​” … ”

​” إذا كان لديك أي شكوك ، يمكنك أن تسأل . ”

​رد القائد و هو يقلب عينيه : ” … لا ، لا بأس . ” لم يفهم تماما ما قاله تشيوا للتو ، و لكنه فضل عدم السؤال ، خوفا من أن يكون التفسير بلا نهاية .

​أضاف تشيوا : ” أنا سعيد لأنك فهمت . إذا، كما اتفقنا ، سأكون في ناديين فقط : مجلس الطلاب و الفلك . و لكن إذا احتاج نادي كرة السلة لأشخاص ، أخبرني . في العام المقبل سأكون مشغولا على الأرجح بالدراسة لامتحانات دخول الجامعة . إذا كان لدي وقت ، سألعب ، و إلا سأخبرك . شكرا لدعوتك . ”

​” آه … حسنا. ”

​ابتسم تشيوا ابتسامة دبلوماسية و قال : ” سأذهب الآن ، حسنا ؟ ”

​جمع الفتى الطويل أشياءه و صعد إلى المدرجات . و عندما وصل إلى البي نيران ، كان الأخير يتجادل مع الآخرين حول المكان الذي سيتناولون فيه الطعام بعد الفعالية .

​أعلن هيمارات : ” سوكيياكي فقط . لا أقبل آراء أخرى . ”

​رد ثارا معترضا و هو يهز رأسه : ” يجب أن يكون شواءً كوريا !”

​اقترح جوميوت : ” ماذا عن الشابو شابو ؟ إنه لذيذ ، يجب أن تجربوه يا رفاق . ”

​قال ثيبوك و هو يهز كتفيه : ” يمكننا الذهاب إلى السوق . بالتأكيد سنجد هناك ما يشبعنا . ”

​تدخل نيران و هو يضع يديه على خصره : ” لماذا لا نذهب إلى مطعم الخالة تينغ ؟ ”

​صاح هيمارات : ” تبا يا نيران ! ألا يمكننا الذهاب إلى الخالة تينغ في أي يوم آخر ؟ هذه مناسبة خاصة ، تشيوا فاز بالبطولة ! ”

​سأل ثارا : ” و لماذا لا يأكل تشيوا مع فريق كرة السلة ؟ سمعت أنهم سيحتفلون بتناول الطعام الصيني . ”

​تردد تشيوا للحظة و همس لكي تسمعه المجموعة فقط : ” نعم … و لكن سمعت أن المطعم الذي سيذهبون إليه ليس جيدا جدا . ”

​أومأ الجميع برؤوسهم باستثناء جوميوت ، الذي نظر إليه بارتياب . تجنب تشيوا نظراته ؛ فلو اكتشفوا أنه يكذب … ستكون مشكلة .

لم يستطع المخاطرة بمحاولتهم مغازلة البي نيران .

​استمر النقاش حتى رأى تشيوا ‘ البي تشيوين ‘ يدخل الصالة . رفع شقيقه الأكبر يده ليلوح له ، و استجاب تشيوا . اتبع الآخرون نظراته ، و في النهاية ، كان البي تشيوين هو من أنهى الخلاف .

​” الأفضل من ذلك ، تعالوا لتناول الطعام في منزلنا . سأتصل بالطباخ ليجهز لكم شيئا . ”

​خيم الصمت على المجموعة ، و عاد نفس الشك إلى ذهن الجميع : من هو تشيوا حقا ؟ هل هو إنسان خارق فضائي … أم ابن عائلة ثرية للغاية ؟

​بعد فترة وجيزة ، وصلوا إلى منزل تشيوا . كان نيران و جوميوت قد زارا المكان من قبل ، لذا لم يتفاجآ ، و لكن هيمارات و ثارا و ثيبوك وقفوا هناك و أفواههم مفتوحة من الصدمة .

​ها هي الإجابة ؛ بارنتشيوا ينحدر من عائلة ثرية جدا. و لهذا السبب كان بإمكانه فعل الكثير من الأشياء ، كدعوة أصدقائه إلى الشاطئ ، و امتلاك منزل كهذا … كل ذلك دون عناء .

​همس هيمارات و هو يميل نحو نيران : ” هي يا نيران ، إنه يغازلك حقا ، و من عائلة عريقة . هل قبلت مشاعره بعد ؟ لو سألتني ، اقبلها بسرعة ، ستؤمن مستقبلك مدى الحياة قبل أن تنهي المدرسة حتى . ”

​رد نيران : ” توقف عن هذا . ليس الأمر و كأنني أحب تشيوا لأجل ذلك ، أتعلم ؟ رغم أنه من الصحيح أنه بسبب خلفيته ، حظي بفرصة القيام بالعديد من الأشياء : كامتلاك وقت للقراءة ، و التواجد حول أشخاص جيدين منحوه رؤية ناضجة … هذا جزء من شخصيته ، و أنا أقبله . و لكن حقا ، أنا لا أفكر في ذلك أبدا ، أنا فقط أشعر بالسلام عندما أكون معه . ”

​عقد هيمارات حاجبيه : ” و لماذا تعترف بحبك لي ؟ ”

​قاطعهما جوميوت ، الذي كان يتنصت عليهما : ” كان ذلك جيدا يا بي . ”

​مزح ثيبوك : ” هل تريد مني أن أعزف بعض الموسيقى الرومانسية في الخلفية ؟ ”

​قلب نيران عينيه ، و شعر أنه ما كان ينبغي له قول أي شيء .

لحسن الحظ ، لم يكن تشيوا قريبا ؛ فقد ذهب لتحضير بعض الوجبات الخفيفة بينما ينتظرون الطباخ .

​علق هيمارات و هو يتلفت في الغرفة : ” إنها مرتبة أكثر مما ظننت . ”

​أومأ نيران برأسه . تذكر مبيته هناك مرة واحدة ، و لكنه قرر الصمت لتجنب السخرية .

​سأل ثارا مشيرا إلى لوحة علق عليها تشيوا عدة صور : ” هل يمكنني رؤية هذه الصور ؟ ”

​تبعه نيران . تذكر أن هناك صورة لمدرب الجودو الخاص بهم عندما كانوا أطفالا.

​سأل ثارا : ” نونغ تشيوا تعلم الجودو حقا ، هاه ؟ هل رأيته من قبل ؟ ”

​بالنظر إلى الصورة مرة أخرى ، شعر نيران بشيء غريب . نحن لا يفصلنا سوى عام واحد ، فإذا تدربنا مع نفس المدرب ، كان ينبغي لنا على الأقل أن نلتقي مرة واحدة . قرر أنه عندما يعود إلى المنزل ، سيتفحص صوره القديمة من طفولته .

​أكلوا ، و لعبوا ألعاب الفيديو ، و مر الوقت سريعا . و بحلول وقت الوداع ، كانت الساعة تقترب من الثامنة . سار الستة معا إلى موقف الحافلات . و بعد مغادرة الأربعة الآخرين ، لم يبقَ سواهما.

​بينما كان نيران ينظر إلى الشخص بجانبه ، بدا تشيوا مختلفا تماما عما كان عليه عندما التقيا لأول مرة . أو ربما كان تشيوا هو نفسه دائما… و نيران هو من تغير لأنه ينظر إليه الآن بمشاعر مختلفة .

​” تشيوا . ”

” نعم . ”

​” هل التقينا من قبل ؟ أعني ، قبل لقائنا في ذلك اليوم في الحافلة .”

​” لماذا تسألني ذلك … ؟ ”

​عادا سيرا ببطء . هبت عليهما نسمة باردة . دخلا المتنزه و جلسا على نفس المقعد كما في السابق . تطلع نيران إلى السماء ؛ لا نجوم اليوم .

​” تعلم تشيوا الجودو أيضا مع نفس المدرب . فكرت أننا ربما رأينا بعضنا البعض و نحن أطفال … حتى لو بمجرد المرور بجانب بعضنا . حتى أنني فكرت أنه كان سيكون من اللطيف لو عرفنا بعضنا منذ ذلك الحين . ”

​كان نيران يعني ما يقول ؛ فوجود تشيوا ساعده على تجاوز الكثير من الأمور .

​” ربما كان لقاؤنا الأول في ذلك اليوم في الحافلة هو الأفضل . ما رأيك يا تشيوا ؟ ”

​ابتسم تشيوا : ” نعم . هذا أفضل . ”

​” و لكنك لم تجبني بعد . هل التقينا من قبل أم لا ؟ إذا كذبت هذه المرة ، سأغضب حقا. ”

​” نعم ، التقينا . ”

​” تقصد أننا التقينا من قبل و أنت تتذكرني ؟ ”

​فكر تشيوا للحظة قبل أن يومئ برأسه : ” نعم ، أتذكر . كيف لا أفعل ؟ كنت بارعا جدا في الجودو منذ صغرك ، حتى أنك حصلت على ميدالية ذهبية من المدرب تشو . أعتقد أن أي شخص سيتذكرك . ”

​” أنا لا أشك في أن الناس يتذكرونني ، و لكننا كنا في العاشرة فقط . بعض الناس لا يتذكرون ما أكلوه بالأمس … و هذا كان منذ سنوات . ”

​” أعتقد أنه إذا كانت لحظة مهمة ، فيجب أن يكون المرء قادرا على تذكرها . ”

​” حسنا؟ أخبرني المزيد . ”

​” … أخبرك ماذا ؟ أنا أتذكر القليل فقط . ”

​عبس نيران عن قصد ، عاقدا ذراعيه كطفل غاضب : ” إذا كان البي يريد أن يعرف ، فهل لن يخبره تشيوا ؟ ”

​” لا يفصلنا سوى عام واحد … ”

​” هل تغير الموضوع ؟ لقد دُعيت بـ ‘ بي نيران ‘ منذ البداية ، أتعلم ؟ ”

​” و أنا ناديتك بذلك منذ البداية أيضا . ”

​كان تشيوا يراوغ ، و نيران لن يسمح له بالهرب . فإذا استمر على هذا المنوال ، سينتهي به الأمر بالتأكيد للحديث عن الفضاء .

​” لا توجد نجوم اليوم . ”

​ها قد بدأت ! اتسعت عينا نيران ، بينما انفجر تشيوا ضاحكا . لقد أدرك هذا ‘النونغ’ بالضبط ما كان نيران يفكر فيه . هل كان يضحك ليمازحه ؟

​أعيدوا لي تشيوا الخجول الآن !

​و لكن بالنظر عن قرب ، كانت أذنا تشيوا حمراوين . لقد كان هو نفسه دائما، يحاول فقط جادا إخفاء ذلك .

​” بي ، هل تعرف عن المذنبات قصيرة المدى ؟ ”

​ضيق نيران عينيه بينما عدل تشيوا نظارته و بدأ يشرح مدار بعض المذنبات و عودتها الدورية بعد عدة عقود . و بطريقة ما … بدأ نيران يفهمه بشكل أفضل قليلا الآن .

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!