فصل 37

فصل 37

“لا تتحرّك!”

تجمّد لي وون في مكانه، وكذلك قيصر الذي اكتفى بالنظر إليه دون أن يتحرّك. وعلى الرغم من توتّر الأعصاب، بدا الإدراك مُعتمًا وثقيلاً. وقف لي وون بوجهٍ مشدود، رافعًا يده ببطء.

“شيسكين… اهدأ. أنا هنا فقط لنتحدّث. اخفض سلاحك.”

“قلتُ لا تتحرّك! لا تقترب مني!”

وفجأة، ضغط شيسكين على الزناد. مرّت الرصاصة بمحاذاة خدّ لي وون، تاركةً لسعةً حادّة، بينما دوّى صوتها حين ارتطمت بالجدار القديم.

في اللحظة التالية، تحرّك قيصر—أو بالأحرى، لم يُرَ سوى أثر حركته في طرف البصر. وبينما كان شيسكين يرتجف من ارتداد الطلقة، مدّ قيصر يده وخطف السلاح من يده في لحظة، ثم جذبه بعنفٍ وأمسك بذراعه.

“آه!”

سقط المسدس فورًا على الأرض، والتوى ذراع شيسكين إلى الخلف بقسوة. صدر صوتٌ مروّع، كأنّ العظام تنكسر، وتعالى صراخه أكثر.

“ماذا تفعل؟ توقّف!”

صرخ لي وون أخيرًا، لكن قيصر لم يتوقّف. نظر إلى شيسكين بوجهٍ باردٍ كالجليد، وزاد من ضغطه. صدر صوتٌ مقزّز آخر.

بدا وكأنه سيكسر ذراعه فعلًا.

“إنها شهادة مهمّة! لا يمكنك إفسادها!”

توقّف قيصر أخيرًا. سكن صوت العظام، وما إن أفلت يده حتى انهار الرجل على الأرض، يئنّ ويبكي.

اقترب لي وون بسرعة وقال:
“لن نؤذيك… اهدأ واستمع، أرجوك.”

وبينما كان يحاول تهدئته بلطف، دفع قيصر المسدس بقدمه. تدحرج السلاح عبر الأرض، واستقرّ تحت خزانةٍ ثقيلة.

نجح لي وون أخيرًا في تهدئة شيسكين الجالس المرتجف على الكرسي. حتى بعد أن خفّ بكاؤه، ظلّ جسده يرتعش خوفًا. كان يختلس النظر إلى قيصر بعينين مذعورتين، ما جعل لي وون يرمقه بعبوسٍ حاد.

لكن مهما قال بعد ذلك، لم ينطق شيسكين بكلمة مفهومة. كان يهمهم بكلامٍ غير مترابط، على وشك الإغماء.

تنهد لي وون، ثم قال:
“إذا تذكّرت شيئًا لاحقًا، اتصل بي. أنا مقيم في النزل القريب.”

ثم أضاف بنبرةٍ مطمئنة:
“لا تقلق، لن نؤذيك. سنحميك.”

وضع بطاقة تعريفه على الطاولة، ثم ودّع الرجل وغادر. وما إن خرج قيصر خلفه وأُغلِق الباب، حتى استدار لي وون بعينين متقدتين.

“ألم أقل لك ألّا تتصرّف كأنك من المافيا؟!”

ما إن ابتعدا عن المنزل، حتى انفجر لي وون غاضبًا، لكن قيصر أجاب ببرود:

“كنتُ فقط أتفاوض للحصول على إجابة.”

“هذا تهديد، وليس تفاوضًا!”

رفع لي وون صوته بحدّة:
“وما هذا السلاح؟ لماذا أحضرته؟ ألم أقل لك ألا تستخدم سكينًا؟!”

ابتسم قيصر ساخرًا:
“إذا لم أملك سلاحًا ولا حتى سكينًا… فما الفرق بيننا إذًا؟”

ازداد ارتباك لي وون، فقطع كلامه سريعًا:
“هل تحاول إنجاح القضية أم تخريبها؟! لقد كدت تكسر ذراعه!”

ابتسم قيصر ابتسامة باردة:
“لو لم أتدخل… لكنت ميتًا.”

ولأنه كان محقًا، لم يجد لي وون ما يردّ به. تنهد أخيرًا وقال بضيق:
“…شكرًا، على أي حال.”

ابتسم قيصر وكأنه وجد الأمر مسليًا:
“ألم تستسلم بسهولة؟”

رمقه لي وون بنظرة حادّة وقال:
“هذا موضوعٌ وذاك موضوع. لكن اسمعني جيدًا—إن كرّرت هذا، فسآخذ ذلك السكين وأغرسه فيك. مفهوم؟”

ابتسم قيصر، وقال:
“أتهدّدني الآن؟”

“لا… هذا تحذير.”

نظر إليه لي وون نظرةً قاطعة، ثم استدار وغادر مسرعًا. بقي قيصر خلفه، يبتسم بهدوء وهو يتبعه.

اختبأ شيسكين خلف الستار، يراقب لي وون وهو يبتعد بسرعة، وقيصر يتبعه.

ماذا أفعل الآن؟

ارتجف جسده، وانساب العرق البارد على ظهره. ظلّت يده تعبث بأزرار سترته بعصبية. لم يعد يحتمل الخوف.

تردّدت كلمات لي وون في ذهنه، لكن أكثرها صدمةً كانت: بيرديايف مات.

من قتله؟ ولماذا؟

كان يعلم أنّ بيرديايف، الخاضع لحماية لومونوسوف، كان قيد التحقيق بتهم فساد… أليس لهذا السبب هرب إلى هنا؟ لكن إن كان قد مات—فهل انتهى كل شيء؟ أم أن الدور سيأتي عليه الآن؟

شحُب وجه شيسكين فجأة. كان واضحًا أنّ المنظمة لا تتردّد في التخلص ممن يصبح عبئًا. ربما كان بيرديايف قد قُتل بأمرٍ منهم… لإسكات القضية.

لم يعد يستطيع البقاء هكذا. كان بحاجةٍ إلى من يحميه… قبل أن يُقتل.

وفي لحظة، تذكّر الرجل الذي هدّده قبل قليل. كان مخيفًا، نعم… لكن ذلك المحامي—لي وون—بدا مختلفًا.

تردّد قليلًا، ثم حسم أمره. ربما… ربما يمكنه الوثوق به.

اندفع يبحث عن بطاقة التعريف التي تركها لي وون على الطاولة.

وفي تلك اللحظة—

لامس شيءٌ باردٌ وصلب جبينه.

تجمّد شيسكين، واتّسعت عيناه بصدمة. لم يسمع أي خطوات… ولم يشعر بأحد يدخل.

كان هناك رجلٌ آخر يقف في الممرّ المعتم.

من… هذا؟!

بصوتٍ مرتجف بالكاد خرج:
“من… أنت؟”

ابتسم الرجل في الظلّ. كانت ابتسامته هادئة… لكنها جعلت قلب شيسكين يضطرب أكثر.

“أنت تعرفني… يا شيسكين.”

ضغط فوهة السلاح على جبينه. فتح شيسكين فمه، لكن الخوف خنق صوته.

“انتظر… لو… لو…”

لكن الرجل لم يتوقف، بل قال بهدوء:

“وداعًا.”

صدر صوتٌ خافت من فوهة السلاح—كأن الهواء نفسه انزلق في صمت.

ثم… ساد السكون.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!