فصل 48

فصل 48

بينما كان يضع فنجان الشاي على الطاولة الصغيرة، امتلأ وجهه بترقبٍ جليّ، متوقعاً أن “لي وون” سيركز أخيراً في حكمه وقراره، لكن “لي وون” أجاب بتنهيدة عميقة وثقيلة:
— “لا، الأمر لا يزال مستمراً. ولكن من الآن فصاعداً، سأنتظم في الذهاب إلى العمل، لذا إذا كان لديك أي شيء، يرجى الحضور إلى غرفتي في أي وقت”.
ابتسمت المرأة بسرعة رغم خيبة أملها. جلس “لي وون” على الكرسي الذي قدمه الزوجان، واحتسى الشاي وهو يشرح باختصار ما حدث. أشرقت وجوه الزوجان كالشمس حين أخبرهما أن عمله الحالي يتعلق بـ “السيناتور جدانوف”، وأنه إذا سارت الأمور على ما يرام، فسيتمكنون من الحصول على أدلة دامغة.
— “بمجرد العثور على شاهد، ستنتهي المحاكمة. أرجوكم، انتظروا قليلاً بعد”.
وأمام كلمات التشجيع من “لي وون”، تكاتف الزوجان وأومآ برأسيهما. ومع ذلك، ورغم ملامح الأمل التي غمرت وجوههما، لم يكن قلب “لي وون” مستريحاً؛ فقول الأمر أسهل من فعله، والسؤال كان يكمن في كيفية حله. هذه المرة، تعين عليه النبش وراء “جدانوف”، وربما كان “لي وون” يخفي حقيقة أنهما من الأصل نفسه مجدداً.
عندما غادر منزل “نيكولاي”، كانت جدته تصعد الدرج. وقبل أن يسألها إلى أين هي ذاهبة، قامت الجدة — التي كان “لي وون” يعالجها من التهاب المفاصل — بتسليمه قصاصة ورق.
— “جاء شخص لرؤيتك حين لم تكن هنا.. الآن تذكرت”.
— “من هو؟”
— “قد يكون عميلاً”.
تلقى “لي وون” المذكرة وهو يقول إن الأمر كان صعباً لبعض الوقت، ثم أحنى رأسه حين رأى اسمه ورقم هاتف مكتوبين فيها. قالت الجدة:
— “كانت امرأة مسنة نوعاً ما.. طلبت مني أن تتصل بها. لا تنسَ ذلك”.
— “حسناً، طاب يومك”.
تاركةً كلمات الشكر خلفها، كافحت الجدة في نزول الدرج، بينما نظر “لي وون” إلى المذكرة واتجه إلى غرفته. كان الاسم والرقم مجهولين بالنسبة له. دخل الغرفة مطأطأ الرأس، وأخرج هاتفه المحمول على الفور وطلب الرقم. لم يكن هناك من يجيب رغم الرنين المستمر، فانتظر “لي وون” بصبر. وبعد وقت طويل، انتقلت الإشارة إلى جهاز التسجيل الآلي، فأغلق “لي وون” الهاتف وأمال رأسه بتعجب.
كان الاثنان يجلسان وجهاً لوجه وبينهما طاولة شاي في صالة يغمرها ضوء الشمس الدافئ. رن الهاتف باستمرار، لكن المرأة لم تُجب. وحين توقف الرنين أخيراً، وضع الرجل الجالس قبالتها كوب الشاي ببرود وقال:
— “هل هذا هو الشخص الذي قلتِ إننا لن نراه إلا بعد عشرين عاماً؟”
قطبت حاجبيها أمام صوته الهادئ، بينما امتلأ وجهها المجعد بملامح القلق. وقالت وهي تضيق عينيها: “أنا أتحدث عن شيء مهم يا ميخائيل”. ثم أضافت بتأكيد: “بل، يا سيد لومونوسوف”.
نظر “ميخائيل” إلى الجانب الآخر من الشارع دون أن ينبس ببنت شفة. الجمال الذي كان يشرق يوماً في وجه هذه المرأة قد ولى، وترك مكانه آثار زمن لا يمكن تجاهله. فتح “ميخائيل” فمه وسأل:
— “متى عرفتِ مكاني يا ناتاشا؟”
أجابت بصوت منخفض وهي تشد قوامها: “هل نسيت؟ أنا صحفية، وليس من الصعب اكتشاف ذلك”.
ضحك “ميخائيل” بصمت. ارتجف جسد “ناتاشا” للحظة، لكنها استجمعت شجاعتها للمتابعة:
— “أعتقد أنه كان قراراً صائباً أن تترك جانب (سويون). في ذلك الوقت، كنتُ حاقدة”.
سألت “ناتاشا” بوجه جامد: “ألا يمكنك اتخاذ هذا القرار مجدداً هذه المرة؟”
ضيق “ميخائيل” عينيه، وساد صمت ثقيل. وبعد فترة قال: “هل تقولين إنني يجب أن أرحل مجدداً..؟”
— “ولما لا؟ ألم يفعل ذلك بالفعل؟” رفعت “ناتاشا” ذقنها بتحدٍ وأضافت بنبرة قوية: “هو الآن يعيش في سلام. هل ستتدخل الآن وتفسد كل شيء؟ أنت تعلم يوماً بعد يوم لماذا تخلى لومونوسوف عن سويون.. إذا ظهرتَ الآن، فبالتأكيد لن يساعده ذلك في شيء”.
ظل “ميخائيل” صامتاً. نظرت إليه “ناتاشا” بتوتر وهو يرفع كوب الشاي إلى فمه بهدوء، ثم وضعه ليرتطم بقاعدته محدثاً صوتاً خفيفاً. نظر إليها وقال:
— “أفهم ما تقولين”.
أشرق وجه “ناتاشا” للحظة، لكن ما قاله “ميخائيل” تالياً لم يكن ما توقعته.
— “لكن إذا كنتِ تبحثين عني هكذا، ألا يعني ذلك أن هناك سبباً لرؤيتك؟”
— “عفواً؟”
أصدرت “ناتاشا” صوتاً حاداً من عدم التصديق، فنظر إليها “ميخائيل” بابتسامة مريرة: “شكراً لاهتمامك، لكنني سأقوم بعملي”.
وقبل أن تستوعب “ناتاشا” التي شحب لونها، نهض “ميخائيل” أولاً وقال مبتسماً: “لا يمكنني توديعكِ لأنني مشغول بالعمل، لذا أرجو أن تتفهمي. حسناً، إلى الأمام”.
وغادر الصالة قبل أن تتمكن من إيقافه. وعبر الباب الذي انغلق، رأت أفراد العصابة ينتظرونه في الخارج ليتبعوه على الفور. حاولت “ناتاشا” شرب الشاي بيدين ترتجفان، لكنها تركته مجدداً وعضت شفتها بغيظ: “تباً له، لم يتغير فيه شيء”.
ما إن أغلق “لي وون” الهاتف بعد الرنين الذي لم يُرد عليه، حتى رن هاتفه هو. وحين أجاب “لي وون” بعد تردد ليلتقط أنفاسه، بادر الطرف الآخر بالحديث:
— “ظننتك من النوع الذي يهرب”.
قطب “لي وون” حاجبيه لا إرادياً: “أنا لا أهرب. لقد عدت إلى منزلي بعد وقت طويل”. ثم أضاف باختصار: “لم أكن في حالة تسمح لي بفعل أي شيء الآن”.
— “هل يمكنني السؤال عن حال جسدك؟”
تردد “لي وون” حين خطرت فكرة مفاجئة في رأسه. (سيكون بخير على أي حال، فهناك أناس يحيطون به من كل جانب). ومع ذلك، كان ذلك الرجل دائماً وحيداً. والآن بما أنه عرف ذلك، لم يستطع التظاهر بالجهل. وبينما كان متردداً، تحدث “قيصر” وصوته ممتزج بضحكة قصيرة:
— “هذا سوء حظ.. ضاعت الفرصة”.
أدرك “لي وون” متأخراً المعنى الآخر الكامن وراء كلماته، فاحمرّ وجهه على الفور. كان يجدر به أن يخبره ألا يتفوه بالسخافات، لكن الوقت داهمه، فسبقه “قيصر” بالقول:
— “إذاً، متى المرة القادمة؟”
بدا صوته، الذي كان أبطأ وأعمق من المعتاد، موضحاً لنواياه تماماً. رد “لي وون” بجفاء متعمد:
— “عندما تشاء”.
ضحك “قيصر” مجدداً، وشعر “لي وون” برغبة في تجاهل الأمر، وكأن أحداً يتحدث خلف ظهره.
— “ما رأيك في بعد غد؟”
سأل “قيصر” وكأنه يطلب موعداً. فكر “لي وون” في الرفض للحظة لاختباره، لكنه تراجع.
— “رائع. كلما أنجزتُ العمل مبكراً، كان ذلك أفضل”.
أجاب “لي وون” دون مواربة، ثم أغلق الهاتف فوراً. قال “قيصر” شيئاً ما، لكنه لم يسمعه.
كانت السماء صافية ومشرقة على غير العادة. ومنذ وقت ليس ببعيد، كان “لي وون” محاصراً في ثلوج كثيفة لا تنتهي، لذا كان ممتناً لشتاء المدينة الذي بدا أكثر دفئاً وصفاءً. كانت الدراجة (السكوتر) التي استعارها من جدته في اليوم السابق تشبه في أدائها الدراجة السابقة، وإن اختلفت في التصميم. توجه “لي وون” إلى منزل “قيصر”، حريصاً على ضبط سرعته بشكل صحيح.
— “مرحباً بك”.
ظهر وجه الخادم وهو يلقي التحية. رد “لي وون” التحية واتجه نحو المكتبة متبعاً إياه. كانت الدراسة كما تركها تماماً. وفجأة، داهمه شعور غريب ومألوف في آن واحد؛ كل ما حدث في الماضي بدا وكأنه حلم. وبدا أنه سيستغرق بعض الوقت ليعتاد مجدداً على الوثائق التي كان يراها.
ومع وضع ذلك في الاعتبار، التفت “لي وون” ونادى الخادم: “كاي، هل القيصر في المنزل؟”
استدار الخادم ونظر إليه ثم أجاب: “لا، لقد ذهب إلى العمل”.
شعر “لي وون” بخيبة أمل طفيفة، لكن الخادم استدرك وكأنه تذكر الأمر متأخراً:
— “لقد قال إنه سينتظرك لأنه سيعود من العمل في الموعد”.
قال الخادم ذلك بنبرة رسمية ثم انصرف. شعر “لي وون” فجأة بنبضات قلبه تتسارع، فهرع للدخول إلى المكتب.
(حسناً، يمكنني الآن إخبارك عن السيناتور جدانوف).

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!