فصل 67

فصل 67

«أَلَنْ نَتَحَدَّثَ لَاحِقاً قَلِيلاً عَنِ اللُّوسِيسْكِي؟ عَلَى أَيِّ حَالٍ، هُمْ لَيْسُوا حَتَّى كَالْوَرْدِ».
«أَشْيَاءُ لَيْسَتْ عَظِيمَةً حَتَّى لَوْ دُسْتَ عَلَيْهَا… هَلْ بِسَبَبِهِمْ لَا يُمْكِنُ لِرُوسْيَا أَنْ تَتَطَوَّرَ؟».
{ حتى تكونو في الإطار هون مها يسخرو من غير الروس او ذوي الاعراق المختلطة او المهاجرين انهم ما يقدروا حتى يتحملو برد روسيا }
فَتَحَ قَيْصَرُ فَمَهُ أَمَامَ الْمَسْؤُولِينَ التَّنْفِيذِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يَسْكُبُونَ اسْتِيَاءَهُمْ وَشَكَاوَاهُمْ: «لَدَيْهِمْ قَوَاعِدُهُمُ الْخَاصَّةُ وَلَدَيْنَا قَوَاعِدُنَا الْخَاصَّةُ».
وَكَمَا لَوْ كَانَ يَنْتَظِرُ تِلْكَ اللَّحْظَةَ، خَرَجَ تُوتْشِيف.
«مَا هِيَ قَوَاعِدُنَا؟ هَلْ سَتَتَحَمَّلُهَا؟ أَمْ أَنَّكَ تَحْنِي الرَّأْسَ أَمَامَ اللُّوسِيسْكِي؟».
عَقَدَ قَيْصَرُ حَاجِبَيْهِ أَمَامَ السُّؤَالِ الْمُسْتَفِزِّ، فَهَرِعَ مَسْؤُولٌ آخَرُ لِلْخَارِجِ قَائِلاً: «مَاذَا تَقُولُ؟ الْقَيْصَرُ يَقُولُ فَقَطْ أَنْ نَكُونَ حَذِرِينَ».
«الْحَذَرُ؟ بِسَبَبِ هَذَا الْحَذَرِ، فَإِنَّ مُنَظَّمَتَنَا بِالْكَامِلِ فِي خَطَرٍ. عِنْدَمَا نَمْشِي فِي الشَّارِعِ، يَسْخَرُ الْأَطْفَالُ مِنَّا لِأَنَّنَا جُبَنَاءُ. كَيْفَ سَتَقُودُ هَذَا؟».
صَرَخَ تُوتْشِيف بِصَوْتٍ غَاضِبٍ. وَثَارَتْ نَمِيمَةٌ مَلِيئَةٌ بِالْخَيْبَةِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. فَتَحَ قَيْصَرُ، الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ فِي صَمْتٍ، فَمَهُ.
«إِذَنْ، هَلْ تَقُولُونَ إِنَّهُ مِنَ الْجَيِّدِ قَتْلُهُ وَالضَّغْطُ عَلَيْهِ دُونَ شُرُوطٍ فَقَطْ لِأَنَّهُ “لُوسِي”؟».
«نَحْنُ لَسْنَا مُخْتَلِفِينَ جَوْهَرِيّاً عَنِ الدَّمِ النَّقِيِّ!» أَنَّ تُوتْشِيف.
«كُنْ أَكْثَرَ حَذَراً أَيُّهَا الْقَيْصَرُ. إِذَا اسْتَمْرَرْتَ فِي فِعْلِ أَشْيَاءَ لَا تَتَمَاشَى مَعَ نَوَايَا جَنَاحِ سِيرْغِيف بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَلَنْ يَكُونَ أَمَامَكَ خِيَارٌ سِوَى الِاتِّصَالِ بِسَاشَا!».
أَبْقَى الْمَسْؤُولُونَ التَّنْفِيذِيُّونَ أَفْوَاهَهُمْ مُغْلَقَةً فِي صَمْتٍ، مُرَاقِبِينَ رَدَّةَ فِعْلِ قَيْصَرُ. فَتَحَ قَيْصَرُ، الَّذِي نَظَرَ إِلَيْهِ دُونَ نُطْقٍ بِكَلِمَةٍ، فَمَهُ.
«أَلَيْسَتْ نِيَّةُ سِيرْغِيف هِيَ الْقَتْلُ دُونَ شُرُوطٍ وَالتَّسَبُّبُ فِي حَادِثٍ؟ عَلَى أَيِّ حَالٍ، هَذَا مَا مَرَرْتُ بِهِ وَقُلْتُ إِنَّنِي بِخَيْرٍ، لِذَلِكَ اتْرُكُوهُ شَأْنَهُ».
نَظَرَ الضُّبَّاطُ إِلَى قَيْصَرُ فِي صَمْتٍ. كَانَ ذَلِكَ عِنْدَمَا وَضَعَ قَيْصَرُ، الَّذِي أَفْرَغَ الْكَأْسَ أَمَامَهُ عَلَى الْفَوْرِ، كُوبَ الشَّايِ.
«إِذَنْ أَنْتَ تَقُولُ لَا، أَيُّهَا الْقَيْصَرُ».
مَعَ هَمْسٍ خَفِيضٍ، سَحَبَ دِمِيتْرِي شَيْئاً وَمَدَّهُ. لَمْ يَصْدُرْ عَنْ قَيْصَرُ أَيُّ رَدِّ فِعْلٍ فَوْرِيٍّ أَمَامَ الْمَوْقِفِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ. هَمَسَ دِمِيتْرِي.
«وَدَاعاً».
انْتَشَرَ أَلَمٌ حَارِقٌ فِي مَعِدَتِهِ. رَمَشَ قَيْصَرُ لَا إِرَادِيّاً. كَانَ بِمَقْدُورِهِ الشُّعُورُ بِأَنَّ قَمِيصَهُ يَبْتَلُّ سَرِيعاً. كَانَتْ وُجُوهُ الْحَاضِرِينَ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَيْهِ مَلِيئَةً بِالْحَيَوِيَّةِ وَالْخَوْفِ. فَكَّرَ فَجْأَةً؛ لَقَدْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ لَدَيْهِ شُعُورٌ بِأَنَّهُ يَوْماً مَا سَيَنْتَهِي مَعَ الْجَمِيعِ هَكَذَا.
نَظَرَ قَيْصَرُ بِشِدَّةٍ إِلَى وَجْهِ الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي طَعْنِ مَعِدَتِهِ. كَانَتْ قَدَمَاهُ مُغَمَّسَتَيْنِ فِي الدِّمَاءِ الَّتِي تَدَفَّقَتْ. وَلِعَجْزِهِ عَنْ فِعْلِ أَيِّ شَيْءٍ بِرُكْبَتِهِ الْمَحْنِيَّةِ، مَدَّ قَيْصَرُ يَدَهُ. قَبَضَتْ يَدٌ حَمْرَاءُ مُبْتَلَّةٌ عَلَى كَتِفِ الرَّجُلِ. وَاصْطُبِغَتِ الْبِدْلَةُ الْبَيْضَاءُ النَّقِيَّةُ سَرِيعاً بِاللَّوْنِ الْأَحْمَرِ. هَمَسَ الرَّجُلُ بَيْنَمَا كَانَ يَبْتَسِمُ لِنَفْسِهِ:
«لَقَدْ قُلْتُ لَكَ، أَفْعَلُ أَيَّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ الْمَالِ». آه، لَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ.
فَكَّرَ قَيْصَرُ.
لَقَدِ ارْتَكَبْتُ خَطَأً بِالْوُثُوقِ فِيكَ.
أَظْلَمَتْ عَيْنَا قَيْصَرُ وَزَحَفَتْ تَكْشِيرَةٌ عَبْرَ شَفَتَيْهِ. مِنَ السُّخْرِيَةِ أَنْ تَتَكَرَّرَ الْقِصَّةُ وَأَنْ تَكُونَ فِي نَفْسِ الْمَوْقِفِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ صَاحِبُ الِاسْمِ. مَدَّ قَيْصَرُ يَدَهُ، حَنَى رَأْسَهُ وَأَغْلَقَ عَيْنَيْهِ. الْتَقَتِ الشِّفَاهُ الْبَارِدَةُ وَاتَّسَعَتْ عَيْنَا دِمِيتْرِي بِدَهْشَةٍ. بَلَّلَ قَيْصَرُ شَفَتَيْهِ وَابْتَسَمَ:
«دِمِيتْرِي، حَتَّى أَنْتَ».
فِي النِّهَايَةِ، أَغْلَقَ قَيْصَرُ عَيْنَيْهِ، زَافِراً كَهَمْسٍ مَمْزُوجٍ بِالضَّحِكِ.
اسْتَيْقَظَ لِي وُون شَاعِراً بِالْأَلَمِ كَمَا لَوْ أَنَّ جَسَدَهُ بِالْكَامِلِ يُقَطَّعُ. كَمْ مِنَ الْوَقْتِ مَضَى مُنْذُ أَنْ غَرِقَ فِي النَّوْمِ؟ تَرَنَّحَ لِي وُون وَجَلَسَ. الْمَطَرُ الَّذِي كَانَ يَتَسَاقَطُ فِي السَّابِقِ تَحَوَّلَ الْآنَ إِلَى ثَلْجٍ وَبَدَأَ يَهْطُلُ بِغَزَارَةٍ. نَظَرَ لِي وُون بِلَا مُبَالَاةٍ بِأَعْيُنٍ مَلِيئَةٍ بِالدُّمُوعِ.
وَفَجْأَةً، فَكَّرَ فِي أَنَّهُ سَيَسْتَسْلِمُ. لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ يَرْحَلُ وَلَا تَحَمُّلُهُ. وَلِعَجْزِهِ عَنْ فِعْلِ هَذَا أَوْ ذَاكَ، أَصْبَحَ لِي وُون الْآنَ مُتْعَباً وَمُنْزَعِجاً. إِذَا حَاوَلَ الْفِرَارَ مَرَّةً أُخْرَى هَذِهِ الْمَرَّةَ، فَسَيُطْلِقُ النَّارَ عَلَى قَلْبِهِ. فَكَّرَ لِي وُون بِغُمُوضٍ. كَانَتْ لَحْظَةً اقْشَعَرَّ فِيهَا بَدَنُهُ فَجْأَةً أَمَامَ حُلْمٍ كَانَ وَاقِعِيّاً لِلْغَايَةِ.
سُمِعَ صَوْتُ مُحَرِّكِ سَيَّارَةٍ خَارِجَ النَّافِذَةِ. بَدَا أَنَّ قَيْصَرُ قَدْ عَادَ. عَقَدَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ. لَمْ يَرْغَبْ فِي الْبَقَاءِ فِي السَّرِيرِ هَكَذَا، كَمَا لَوْ كَانَ يَنْتَظِرُهُ. كَانَ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يَهْرُبَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ. وَبَعْدَ تَبْرِيرِ ذَلِكَ نَفْسِيّاً، أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ لَهُ أَنَّهُ لَا يَشْعُرُ بِالْخَوْفِ. كَزَّ لِي وُون عَلَى أَسْنَانِهِ وَنَجَحَ فِي النُّهُوضِ مِنَ السَّرِيرِ، يَعْرُجُ وَيَرْتَدِي مَلَابِسَهُ.
اسْتَغْرَقَ الْأَمْرُ مِنْهُ وَقْتاً طَوِيلاً لِلْخُرُوجِ. لِي وُون، الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَلَابِسَهُ الْخَاصَّةَ، وَجَدَ مَلَابِسَ قَيْصَرُ وَارْتَدَاهَا. كَانَ السِّرْوَالُ الْوَاسِعُ مُثَبَّتاً بِحِزَامٍ، لَكِنَّ قَدَمَيْهِ الْعَارِيَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمَا مَا يَرْتَدِيَانِهِ سِوَى شِبْشِبٍ. لِي وُون، الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَمَامَهُ خِيَارٌ سِوَى ارْتِدَاءِ الشِّبْشِبِ، جَرَّ قَدَمَيْهِ بِبُطْءٍ وَاسْتَنَدَ إِلَى الْجِدَارِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ فَجْأَةً عِنْدَمَا سَمِعَ صَوْتاً غَرِيباً مِنْ خَارِجِ الْبَابِ الْأَمَامِيِّ.
لَمْ يَكُنْ صَوْتَ شَخْصٍ وَاحِدٍ. كَانَ ذَلِكَ عِنْدَمَا تَوَقَّفَ لِي وُون عَنِ الْمَشْيِ وَاسْتَمَعَ فِي صَمْتٍ إِلَى تِلْكَ اللُّغَةِ الرُّوسِيَّةِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي بَدَتْ مَمْزُوجَةً بِاللَّهَجَاتِ. وَفَجْأَةً، دَخَلَتْ عَاصِفَةٌ ثَلْجِيَّةٌ مَعَ صَوْتِ صَرِيرِ الْبَابِ.
«هِيْ، هَا هُوَ هُنَا، أَيُّهَا الْمُحَامِي».
رَفَعَ رَأْسَهُ بِدَهْشَةٍ لِلَحْظَةٍ، وَكَانَ دِمِيتْرِي وَاقِفاً خَلْفَ الْبَابِ الرَّئِيسِيِّ الْمَكْسُورِ، يَنْظُرُ إِلَيْهِ. وَفِي هَذَا الْمَوْقِفِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ، نَظَرَ لِي وُون إِلَى الدُّخَلَاءِ الْمُفَاجِئِينَ بِأَعْيُنٍ مَذْهُولَةٍ. وَاصَلَ دِمِيتْرِي الْحَدِيثَ مَعَ ابْتِسَامَةٍ عَلَى وَجْهِهِ.
«لِمَاذَا تَبْدُو هَكَذَا؟ هَذَا مُخَيِّبٌ لِلْأَمَلِ».
تَفَرَّسَ دِمِيتْرِي فِي جَسَدِ لِي وُون بِالْكَامِلِ. نَظَرَ إِلَى الْمَلَابِسِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ تُنَاسِبُ مَقَاسَهُ، ثُمَّ عَادَ لِيَنْظُرَ إِلَى وَجْهِ لِي وُون كَمَا لَوْ أَنَّ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ.
«هَلْ كُنْتَ تَنْتَظِرُ أَحَداً؟».
عِنْدَمَا انْقَبَضَ وَجْهُ لِي وُون، ضَحِكَ دِمِيتْرِي فِي صَمْتٍ. هَدَأَ لِي وُون وَزَفَرَ: «مَاذَا يَحْدُثُ؟ قَيْصَرُ لَيْسَ هُنَا الْآنَ. سَأَتَّصِلُ لَاحِقاً وَسَأَرَاكَ لِوَحْدِكَ».
«لَاحِقاً؟».
كَرَّرَ دِمِيتْرِي كَلِمَاتِ لِي وُون. وَعِنْدَمَا رَاوَدَهُ شُعُورٌ بِشَيْءٍ سَيِّئٍ، أَصْدَرَ إِشَارَةً فَجْأَةً. وَكَإِشَارَةٍ، عَبَرَ الرِّجَالُ الْبَابَ الرَّئِيسِيَّ بِأَحْذِيَتِهِمْ وَبَدَأُوا فِي تَفْتِيشِ دَاخِلِ الْمَنْزِلِ دُونَ تَرَدُّدٍ. لِلَحْظَةٍ، لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِ لِي وُون تَخَيُّلُ كَيْفَ يَتَصَرَّفُ أَمَامَ هَذَا الْمَوْقِفِ الْمُفَاجِئِ.
دِمِيتْرِي، الَّذِي تَجَرَّأَ عَلَى اتِّخَاذِ خُطْوَةٍ إِلَى الْأَمَامِ بَيْنَ الْمُتَهَوِّرِينَ دُونَ إِضَاعَةِ لَحْظَةٍ، مَدَّ يَدَهُ عَلَى الْفَوْرِ، غَطَّى فَمَهُ، وَضَغَطَ عَلَيْهِ نَحْوَ الْجِدَارِ. ابْتَلَعَتْ يَدُ دِمِيتْرِي أَنِيناً لَحْظِيّاً، فَعَقَدَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ.
مَاذَا تَفْعَلُ هَذِهِ الشَّيَاطِينُ؟!
نَظَرَ إِلَى دِمِيتْرِي بِأَعْيُنٍ خَائِفَةٍ. سَخِرَ دِمِيتْرِي مُغَطِّياً فَمَهُ: «كَيْفَ هِيَ رَائِحَةُ دَمِ حَبِيبِكَ؟».
مُتَأَخِّراً، شَعَرَ لِي وُون بِرَائِحَةِ دَمٍ غَرِيبَةٍ تَهْتَزُّ مِنْ طَرَفِ أَنْفِهِ. يَدُ دِمِيتْرِي، الَّتِي اصْطُبِغَتْ بِالْأَحْمَرِ، غَطَّتْ فَمَ لِي وُون. ابْتَسَمَ دِمِيتْرِي لِـلِي وُون، الَّذِي رَمَشَ بِأَمَلٍ.
«الْقَيْصَرُ لَنْ يَأْتِيَ». هَمَسَ دِمِيتْرِي: «إِلَى الْأَبَدِ».
فَتَحَ لِي وُون عَيْنَيْهِ عَلَى وُسْعِهِمَا وَتَنَفَّسَ بِعُمْقٍ. مَا هَذَا الصَّوْتُ…؟ تَنَهَّدَ دِمِيتْرِي بِرِضاً إِثْرَ رَدَّةِ فِعْلِ لِي وُون عِنْدَ النَّظَرِ إِلَيْهِ فَقَطْ، تَائِهاً فِي عَدَمِ تَصْدِيقِهِ الْكَامِلِ.
«هَذَا الْوَجْهُ أَكْثَرُ سِحْراً».
ضَحِكَ دِمِيتْرِي بِهُدُوءٍ كَمَا لَوْ كَانَ لَا يَعْرِفُ مَاذَا يَفْعَلُ: «أُرِيدُ قَصَّ شَعْرِكَ هَكَذَا وَوَضْعَهُ فِي مِزْهَرِيَّةٍ».
شَعَرَ بِالرُّعْبِ مِنَ الضَّحِكِ الْمُقْشَعِرِّ. وَمَعَ ذَلِكَ، حَنَى دِمِيتْرِي رَأْسَهُ. وَعِنْدَمَا كَادَتْ شَفَتَاهُ تَلْمَسَانِهِ، أَدْرَكَ لِي وُون أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَزْدَرِيهِ. ابْتَسَمَ دِمِيتْرِي وَهُوَ يَضُمُّ شَفَتَيْهِ بِلَا مُبَالَاةٍ. وَبِأَعْيُنٍ مُثَبَّتَةٍ عَلَى وَجْهِهِ وَشَفَتَيْنِ مَشْدُودَتَيْنِ، كَانَ بِمَقْدُورِ لِي وُون قِرَاءَةُ الِاشْمِئْزَازِ بِوُضُوحٍ. تَمَاماً مِثْلَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، لَمْ يُغْلِقْ لِي وُون عَيْنَيْهِ. فَقَطْ نَظَرَ بِذَاتِ الْمَشَاعِرِ.
لِي وُون، الَّذِي فَتَحَ شَفَتَيْهِ عَمْداً لِتَشْتِيتِ انْتِبَاهِهِ، رَكَلَ قَصَبَةَ سَاقِهِ عَلَى الْفَوْرِ مَا إِنْ تَشَابَكَ لِسَانُهُ. رَكْلَةٌ بِقَدَمٍ عَارِيَةٍ عَلَى قَصَبَةِ سَاقِ رَجُلٍ يَرْتَدِي جَزْمَةً لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً.
كَانَ تَهْدِيداً مُرْعِباً، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِلَا فَعَالِيَّةٍ أَيْضاً. وَبِسَبَبِ الْمُفَاجَأَةِ، تَقَطَّعَ انْتِبَاهُ دِمِيتْرِي لِلَحْظَةٍ وَابْتَعَدَ. وَدُونَ إِضَاعَةِ أَيِّ وَقْتٍ، رَكَضَ لِي وُون مُبَاشَرَةً إِلَى الْغُرْفَةِ. صَفَرَ دِمِيتْرِي بِاخْتِصَارٍ مِنْ خَلْفِهِ.
«أَجَلْ، تَعَالَ، اهْرُبْ. سَأَجْعَلُكَ قِطَعاً قَرِيباً».
دَوَتْ ضَحِكَاتُهُ مِنْ خَلْفِهِ. لِي وُون، الَّذِي أَغْلَقَ الْبَابَ عَلَى عَجَلٍ مِنْ خَلْفِهِ وَأَقْفَلَ الْمِزْلَاجَ، نَظَرَ بِسُرْعَةٍ إِلَى مُحِيطِهِ. دَخَلَ الْغُرْفَةَ لِتَمْضِيَةِ الْوَقْتِ بِطَرِيقَةٍ مَا، لَكِنَّ النِّيَّةَ كَانَتْ وَاحِدَةً. زَحَفَ لِي وُون وَدَفَعَ الْأَثَاثَ لِسَدِّ الْبَابِ. لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَنْطِقِيِّ الْفِرَارُ فِي حَالَتِهِ الْحَالِيَّةِ. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، كَانَ الْجَمِيعُ يَحْمِلُونَ أَسْلِحَةً. كَانَ لِي وُون فِي مَوْقِفِ ضَعْفٍ مُطْلَقٍ.
أَغْلَقَ الْبَابَ مُؤَقَّتاً وَتَحَرَّكَ نَحْوَ النَّافِذَةِ. كَانَتْ نَافِذَةً كَبِيرَةً تَتَّصِلُ مُبَاشَرَةً بِالْخَارِجِ. سَحَبَ لِي وُون بِسُرْعَةٍ مِعْطَفَ قَيْصَرُ وَارْتَدَاهُ، ثُمَّ فَتَحَ النَّافِذَةَ وَقَفَزَ. النَّافِذَةُ فِي الطَّابَقِ الثَّانِي أَخَافَتْهُ، لَكِنْ لِحُسْنِ الْحَظِّ، كَانَ الثَّلْجُ الَّذِي يُغَطِّيهَا بِمَثَابَةِ وِسَادَةٍ.
سَمِعَ ضَرْبَةً قَوِيَّةً عَلَى الْبَابِ مِنَ الْأَعْلَى. تَحَرَّكَ لِي وُون بِسُرْعَةٍ دُونَ إِضَاعَةِ وَقْتِهِ. كَانَ الثَّلْجُ لَا يَزَالُ يَتَسَاقَطُ وَقَدْ تَرَاكَمَ بِالْفِعْلِ حَتَّى الرُّكْبَتَيْنِ. لَمْ يَكُنْ فِي حَالَةٍ جَيِّدةٍ، لَكِنَّ قَدَمَيْهِ شَعَرَتَا وَكَأَنَّهُ سَيَمُوتُ فِي الثَّلْجِ. وَلَكِنْ كَانَ عَلَيْهِ الِابْتِعَادُ قَدْرَ الْإِمْكَانِ. كَانَتْ سَتَكُونُ مِيتَةَ كَلْبٍ إِذَا مَشَى هَكَذَا.
أَخَذَ لِي وُون نَفَساً عَمِيقاً وَحَرَّكَ جَسَدَهُ بِكُلِّ قُوَّتِهِ. انْتَشَرَ النَّفَسُ الْخَشِنُ فِي الْهَوَاءِ، مِمَّا جَعَلَ الثَّلْجَ الْمُتَسَاقِطَ يَخْتَفِي مِنَ الْجَوِّ. لِي وُون، الَّذِي تَعِبَ سَرِيعاً، أَوْقَفَ قَدَمَيْهِ وَتَنَفَّسَ بِعُمْقٍ، عِنْدَمَا سَمِعَ فَجْأَةً إِطْلَاقَ نَارٍ مِنْ خَلْفِهِ. وَفَجْأَةً، عَبَرَ أَلَمٌ حَادٌّ خَدَّهُ فَالْتَفَتَ لِي وُون بِدَهْشَةٍ. كَانَ دِمِيتْرِي وَاقِفاً هُنَاكَ مُوَجِّهاً مُسَدَّسَهُ نَحْوَهُ. الرِّجَالُ الَّذِينَ تَبِعُوهُ وَجَّهُوا أَسْلِحَتَهُمْ نَحْوَ لِي وُون، فَتَحَرَّكَ لِي وُون بِسُرْعَةٍ.
سُمِعَتْ طَلْقَةٌ أُخْرَى وَهَذِهِ الْمَرَّةَ عَبَرَتْ رَصَاصَةٌ ذِرَاعَهُ. انْحَنَى لِي وُون قَدْرَ مَا يَسْتَطِيعُ وَشَقَّ طَرِيقَهُ فِي الثَّلْجِ لِلْفِرَارِ بِطَرِيقَةٍ مَا. صَوْتُ غِنَاءِ دِمِيتْرِي خَلْفَهُ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَأْتِي مُبَاشَرَةً مِنْ أُذُنِهِ: «أَرْنَبٌ فِي الثَّلْجِ ~ اصْطَدِ الْأَرْنَبَ وَاسْلَخْهُ ~».

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!