فصل 68

فصل 68

«آهَاهَاهَا». ضَحِكَ دِمِيتْرِي. كَزَّ لِي وُون عَلَى أَسْنَانِهِ وَوَاصَلَ الْمَشْيَ. كَانَ صَوْتُ الْخَطَوَاتِ يُسْمَعُ وَهُوَ يَتَقَدَّمُ بِقُوَّةٍ مِنْ خَلْفِهِ مُرْتَطِماً بِالثَّلْجِ. شَيْئاً فَشَيْئاً، بَدَأَ تَنَفُّسُهُ يَخْتَنِقُ وَشَعَرَ وَكَأَنَّ سَاقَيْهِ سَتَنْكَسِرَانِ. لَا، لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ يَقْتَصِرُ عَلَى السَّاقَيْنِ فَقَطْ، بَلْ كَانَ جَسَدُهُ بِالْكَامِلِ يَنْبِضُ بِأَلَمٍ شَدِيدٍ.
لَقَدْ بَلَغْتُ حَدِّي.
فَكَّرَ لِي وُون: هَلْ سَتَمُوتُ هُنَا كَفَرِيسَةٍ بَائِسَةٍ كَهَذِهِ؟
وَبَيْنَمَا كَانَ يُفَكِّرُ فِي ذَلِكَ، دَخَلَ جُحْرٌ صَغِيرٌ فَجْأَةً فِي مَدَى رُؤْيَتِهِ.
دَوَى صَوْتُ صُرَاخِ بَعْضِ الرِّجَالِ لِيَصِلَ إِلَى مَسَامِعِهِ مُبَاشَرَةً. كَتَمَ لِي وُون أَنْفَاسَهُ وَانْبَطَحَ وَجْهاً لِأَسْفَلَ. وَكَانَ الثَّلْجُ الَّذِي يَسْتَمِرُّ فِي التَّرَاكُمِ يَمْحُو مَعَالِمَ خَطَوَاتِهِ سَرِيعاً. شَعَرَ بِأَنَّ خَطَوَاتِ الْمُطَارِدِينَ تَقْتَرِبُ، ثُمَّ سَمِعَ رَجُلاً يَصْرُخُ بِرُوسِيَّةٍ مَمْزُوجَةٍ بِلَهْجَةٍ فَقِيعَةٍ. بَعْدَ ذَلِكَ، تَبَادَلَ الرِّجَالُ الْكَلَامَ بِصَوْتٍ عَالٍ، ثُمَّ تَوَقَّفُوا وَنَظَرُوا إِلَى مُحِيطِهِمْ.
غَطَّى لِي وُون فَمَهُ بِيَدِهِ خَوْفاً مِنْ أَنْ يُسْمَعَ صَوْتُ تَنَفُّسِهِ. وَمِنْ خِلَالِ ذَلِكَ الْجُحْرِ الْمُنْخَفِضِ، كَانَ بِمَقْدُورِهِ رُؤْيَةُ أَقْدَامِ الرِّجَالِ. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ، تَوَقَّفَتِ الْقَدَمُ الَّتِي كَانَتْ تَمْشِي بِخُطُوَاتٍ وَاسِعَةٍ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ وَبَقِيَتْ هُنَاكَ لِوَهْلَةٍ. ثُمَّ بَدَأَ يَصْفِرُ لَحْناً قَصِيراً وَيُدَنْدِنُ:
«الْأَرْنَبُ هُنَا فِي جُحْرِ الْأَرْنَبِ ~».
شَعَرَ لِي وُون وَكَأَنَّ قَلْبَهُ تَوَقَّفَ لِلَحْظَةٍ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَحْبِسُ أَنْفَاسَهُ وَيَشُدُّ جَسَدَهُ، أَفَادَ الرِّجَالُ الْآخَرُونَ بِأَنَّ الْبَحْثَ بِلَا جَدْوَى بِأَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ. قَالَ دِمِيتْرِي بِجَفَاءٍ، وَهُوَ يُتَابِعُ دَنْدَنَةَ الْأُغْنِيَةِ:
«لَا يُمْكِنُنِي الْعُثُورُ عَلَيْهِ. لِنَعُدْ».
رَأَى أَنَّ الرِّجَالِ يَعُودُونَ أَدْرَاجَهُمْ كَمَا كَانَ مُتَوَقَّعاً. تَوَقَّفَتْ قَدَمَا دِمِيتْرِي لِلَحْظَةٍ. كَانَ قَلْبُ لِي وُون يَنْبِضُ بِعُنْفٍ شَدِيدٍ كَمَا لَوْ كَانَ سَيَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ. هَمَسَ دِمِيتْرِي بِهُدُوءٍ قَاصِداً لِي وُون، الَّذِي كَانَ يَكْتَمُ أَنْفَاسَهُ:
«فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ، سَيَتَعَيَّنُ عَلَيَّ انْتِزَاعُهُ».
تَوَقَّفَ لِي وُون عَنِ التَّنَفُّسِ حَتَّى اسْتَدَارَ دِمِيتْرِي. وَبَدَأَ صَوْتُ ارْتِطَامِ الثَّلْجِ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ يَتَلَاشَى بِبُطْءٍ. وَتَرَاكَمَ الثَّلْجُ الْمُتَنَاثِرُ فَوْقَ الْآثَارِ الْمُجَوَّفَةِ، وَبَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ، اخْتَفَتْ آثَارُ أَقْدَامِهِمْ تَمَاماً.
بِحُلُولِ الْوَقْتِ الَّذِي قَرَّرَ فِيهِ أَنَّهُ بِالْكَادِ يُمْكِنُهُ الِاسْتِرَاحَةُ، كَانَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ إِلَى الْغُرُوبِ بِبُطْءٍ. زَحَفَ لِي وُون بِصُعُوبَةٍ إِلَى الدَّاخِلِ قَبْلَ أَنْ يَسُدَّ الثَّلْجُ مَدْخَلَ الْكَهْفِ تَمَاماً. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ شُعُورٍ بِوُجُودِ أَحَدٍ فِي مُحِيطِهِ. تَنَفَّسَ لِي وُون بِعُمْقٍ وَتَحَرَّكَ بِبُطْءٍ. وَعِنْدَمَا زَالَ التَّوَتُّرُ، تَجَدَّدَ الْأَلَمُ فِي جَسَدِهِ بِالْكَامِلِ وَشَعَرَ وَكَأَنَّهُ سَيَمُوتُ.
«آه!».
فِي لَحْظَةٍ، انْحَنَتْ رُكْبَتَاهُ وَجَلَسَ. وَدَخَلَتْ يَدَاهُ، اللَّتَانِ لَمَسَتَا الْأَرْضَ تِلْقَائِيّاً، فِي مَدَى رُؤْيَتِهِ فَجْأَةً. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ، بَدَا وَكَأَنَّ وَجْهَ الرَّجُلِ الْمُسْتَلْقِي فِي الثَّلْجِ الْأَبْيَضِ يَعُودُ إِلَى الْحَيَاةِ.
لَنْ يَأْتِيَ أَبَداً؟
تَرَدَّدَتْ كَلِمَاتُ دِمِيتْرِي فِي عَقْلِهِ. فَكَّرَ فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ. أَلَمْ يَقُلْهَا بِوُضُوحٍ؟ سَأَعُودُ، انْتَظِرْ.
لَقَدْ قَالَ ذَلِكَ بِوُضُوحٍ.
تِلْكَ النَّظْرَةُ الْمَلِيئَةُ بِالدُّمُوعِ الَّتِي رَآهَا تَجَدَّدَتْ فِي ذَاكِرَةِ لِي وُون. الْأَصَابِعُ الدَّافِئَةُ الَّتِي دَاعَبَتْ شَعْرَهُ، وَالشِّفَاهُ الْمَشْدُودَةُ بِرِفْقٍ، وَالصَّوْتُ الْخَفِيضُ الَّذِي قَالَ لَهُ إِنَّهُ سَيَبْحَثُ عَنْهُ.
هَذَا هُوَ بِالضَّبْطِ مَا حَدَثَ هَذَا الصَّبَاحَ.
لَمْ يَسْتَطِعْ لِي وُون التَّصْدِيقَ. وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَلَيْسَ هَذَا مَا قَالَهُ دِمِيتْرِي؟ لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ بِالْفِعْلِ أَنَّهُ يَكْرَهُهُ. كَانَ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يَكْذِبَ لِتَعْذِيبِ لِي وُون. أَجَلْ، أَنَا مُتَأَكِّدٌ مِنْ أَنَّهُ سَيَفْعَلُ ذَلِكَ!
فَكَّرَ لِي وُون وَحَاوَلَ النُّهُوضَ مِنْ جَدِيدٍ. وَلَكِنْ عَلَى الْفَوْرِ، خَانَتْهُ رُكْبَتُهُ مَرَّةً أُخْرَى وَدَفَنَ وَجْهَهُ فِي الثَّلْجِ. بَارِدٌ…
كَانَ لِي وُون مُسْتَلْقِياً عَلَى الْأَرْضِ بَيْنَمَا يَتَنَفَّسُ. يُمْكِنُ لِـدِمِيتْرِي أَنْ يَعُودَ. شَعَرَ وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَيْنَ كَانَ يَخْتَبِئُ وَتَظَاهَرَ بَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ دَائِماً قَتْلَ لِي وُون.
يَجِبُ أَنْ أَنْهَضَ.
عَادَ وَجْهُ قَيْصَرُ مَعَ مِعْطَفِهِ الْمَوْضُوعِ عَلَى كَتِفِهِ إِلَى ذِهْنِهِ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَرْمِشُ دُونَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ، انْعَكَسَ شَخْصٌ مَا فِي رُؤْيَتِهِ الْمُشَوَّشَةِ. لَقَدْ عَادَ دِمِيتْرِي، لَكِنَّهُ كَانَ بِمُفْرَدِهِ.
آه!
تَأَكَّدَ لِي وُون. يَبْدُو أَنَّ قَيْصَرُ قَدِ اسْتَدَارَ وَعَادَ. زَحَفَتِ ابْتِسَامَةٌ بِبُطْءٍ عَلَى شَفَتَيْهِ. إِذَنْ نَعَمْ، كَانَتْ تِلْكَ كِذْبَةً.
«الْسَيِّدُ لِي وُون؟»
جَاءَ صَوْتٌ لَطِيفٌ مِنْ عَلٍ. وَشَعَرَ بِأُصْبُعٍ نَاعِمٍ يَمْسَحُ خَدَّهُ بَيْنَ وَعْيِهِ الْبَعِيدِ. وَفَجْأَةً، ارْتَفَعَتْ حَرَارَةُ عَيْنَيْهِ.
اشْتَعَلَتِ الْحَرَارَةُ فِي جَسَدِهِ بِالْكَامِلِ. لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِ كَتْمُ تَنَفُّسِهِ. سَعَلَ لِي وُون وَاهْتَزَّ صَدْرُهُ مَعَ نَفَسٍ خَشِنٍ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، قَبَضَتْ يَدٌ مُسِنَّةٌ وَنَحِيفَةٌ عَلَى يَدِهِ.
«هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ حَقّاً؟ سَتَتَحَسَّنُ…؟»
أَجَابَ رَجُلٌ آخَرُ عَلَى صَوْتِ مِيخَائِيل الْقَلِقِ:
«نَعَمْ، إِنَّهُ مُجَرَّدُ انْخِفَاضٍ فِي حَرَارَةِ الْجَسَدِ وَنَزْلَةِ بَرْدٍ. طَاقَتُهُ مُنْخَفِضَةٌ لِلْغَايَةِ، وَرُبَّمَا هَذَا هُوَ سَبَبُ ارْتِفَاعِ حُمَّاهُ. لَا تَقْلَقْ، إِذَا لَمْ تَتَحَوَّلْ إِلَى الْتِهَابٍ رِئَوِيٍّ، فَسَيَتَحَسَّنُ قَرِيباً».
لَمْ يَتَمَكَّنْ مِيخَائِيل مِنِ اخْفَاءِ وَجْهِهِ الْقَلِقِ أَمَامَ الشَّرْحِ الْمُفَصَّلِ وَنَظَرَ إِلَى لِي وُون. كَانَ لِي وُون مُسْتَلْقِياً فِي السَّرِيرِ، يَسْتَمِعُ إِلَى كُلِّ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ. أَبْلَغَ لِيف مِيخَائِيل، الَّذِي نَهَضَ مِنْ مَقْعَدِهِ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ:
«الْسَيِّدُ لُومُونُوسُوف، لَا بُدَّ أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ جَانِبِ سِيرْغِيف». وَتَابَعَ بِصَوْتٍ مَشْدُودٍ لِلْغَايَةِ:
«كَانَ مُتَوَتِّراً لِلْغَايَةِ عِنْدَمَا ظَهَرَ خَلَفٌ فَجْأَةً. وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يُمْكِنُنِي مُسَامَحَتُهُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ كَهَذَا. يَجِبُ أَنْ يُظْهِرُوا أَنْفُسَهُمْ».
«أَنَا أَيْضاً أُرِيدُ فِعْلَ ذَلِكَ».
قَالَ مِيخَائِيل وَهُوَ يَعْقِدُ حَاجِبَيْهِ: «أَلَيْسَ هُنَاكَ خَلَفٌ لِذَلِكَ الْآنَ؟»
…مَاذَا؟
عَقَدَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ. وَمِنَ الْغَرِيبِ أَنَّ صَوْتَ الْكَلِمَاتِ فَقَطْ كَانَ يُسْمَعُ بِوُضُوحٍ، فِي حَالَةٍ لَمْ يَعُدْ فِيهَا عَقْلُهُ كَامِلاً بَعْدُ. وَاصَلَ مِيخَائِيل الْحَدِيثَ دُونَ أَنْ يُلَاحِظَ حَالَتَهُ.
«لَقَدْ أَصْبَحَ مِنَ الصَّعْبِ أَنْ نَتَحَمَّلَ الْمَسْؤُولِيَّةَ بِأَنْفُسِنَا. الرَّجُلُ الثَّانِي فِي الْقِيَادَةِ، تُوتْشِيف، يَلُومُ الْقَيْصَرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، قَائِلاً إِنَّهُ لَا أَحَدَ يَعْلَمُ مَا إِذَا كَانَ الْقَيْصَرُ قَدْ مَاتَ حَقّاً، لِذَلِكَ طَرِيقَةُ مَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بَعِيدَةً جِدّاً. حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ابْنِي وَيُخْبِرَنِي».
أَضَافَ مِيخَائِيل بِقَلَقٍ، لَكِنَّ لِي وُون لَمْ يَكُنْ يَسْتَمِعُ. فِي رَأْسِ لِي وُون، الَّذِي كَانَ يَتَوَهَّجُ بِسَبَبِ الْحُمَّى الْعَالِيَةِ، كَانَتْ هُنَاكَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ تَطْفُو عَالِقَةً.
الْقَيْصَرُ مَاتَ. قَيْصَرُ قَدْ مَاتَ!
-سَأَعُودُ.
تِلْكَ النَّظْرَةُ الْمَلِيئَةُ بِالدُّمُوعِ تَجَدَّدَتْ فِي ذِهْنِهِ. وَفِي لَحْظَةٍ، أَظْلَمَتْ عَيْنَاهُ وَعَادَ لِي وُون لِيَفْقِدَ وَعْيَهُ مَرَّةً أُخْرَى.
عِنْدَمَا فَتَحَ عَيْنَيْهِ مُجَدَّداً، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ حَوْلَهُ. أَغْلَقَ لِي وُون عَيْنَيْهِ بِلَا مُبَالَاةٍ وَرَمَشَ بِأَعْيُنٍ مُتْعَبَةٍ. شَعَرَ وَكَأَنَّ جَسَدَهُ بِالْكَامِلِ يَغْرَقُ فِي الْأَرْضِ. لَقَدْ شَعَرَ هَكَذَا يَوْماً مَا. وَمُتَأَخِّراً، تَذَكَّرَ لِي وُون. نَعَمْ، عِنْدَمَا تَنَاوَلَ الدَّوَاءَ فِي مَنْزِلِ قَيْصَرُ. اتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى الْفَوْرِ أَمَامَ الذِّاكِرَةِ الَّتِي تَذَكَّرَهَا دُونَ قَصْدٍ.
قَيْصَرُ.
نَهَضَ عَلَى عَجَلٍ، لَكِنَّ دُوَّاراً شَدِيداً انْتَشَرَ عَلَى الْفَوْرِ، فَانْحَنَى لِي وُون كَازّاً عَلَى أَسْنَانِهِ. مَدَّتْ يَدٌ نَاعِمَةٌ نَحْوَهُ وَالْتَفَّتْ حَوْلَ كَتِفِهِ.
«مُسْتَحِيلٌ، هَلْ تَتَحَرَّكُ فَجْأَةً هَكَذَا؟».
مَرَّ صَوْتٌ وُدِّيٌّ عَبْرَ عَقْلِهِ النَّابِضِ بِالْأَلَمِ. كَانَ صَوْتاً مَأْلُوفاً. لِي وُون، الَّذِي رَفَعَ رَأْسَهُ وَهُوَ يَتَصَبَّبُ عَرَقاً بَارِداً، رَأَى وَجْهاً لَا يُصَدَّقُ أَمَامَهُ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ بِدَهْشَةٍ. هَلْ أَنَا أَحْلُمُ…؟
«لِيُونِيد؟».
وَمَعَ وُجُودِ شُكُوكٍ، أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ مَعَ ابْتِسَامَةٍ وُدِّيَّةٍ لِتَذَكُّرِ اسْمِهِ.
«نَعَمْ، لَقَدْ تَذَكَّرْتَنِي».
أَلَيْسَ هَذَا طَبِيعِيّاً؟ لَقَدْ كِدْتُ أَمُوتُ بِسَبَبِ هَذَا الرَّجُلِ. وَمَعَ اسْتِعَادَةِ مَاضِيهِ، قَبَضَ لِي وُون عَلَى أَطْرَافِ أَكْمَامِهِ عَلَى الْفَوْرِ. فَكَّرَ فِي أَنَّهُمَا إِذَا الْتَقَيَا مُجَدَّداً، فَسَيَقْتُلُهُ ضَرْباً بِالْعِصِيِّ، لَكِنْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْفُرْصَةِ الْجَيِّدَةِ، كَانَتْ حَالَتُهُ هِيَ الْأَسْوَأَ.
وَبَدَلاً مِنْ إِطْلَاقِ قَبْضَةِ يَدٍ مُتَسَرِّعَةٍ، كَتَمَ لِي وُون اسْتِيَاءَهُ. وَبِالْكَادِ وَجَدَ مَنْطِقَهُ، فَطَرَحَ أَوَّلَ سُؤَالٍ تَبَادَرَ إِلَى ذِهْنِهِ.
«لِمَاذَا أَنْتَ هُنَا؟ هُنَا، فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ…».
الْتَفَتَ لِيُونِيد بِسُرْعَةٍ وَأَحْضَرَ مَاءً مِنْ كُوبِ مَاءٍ عِنْدَ سَمَاعِ الصَّوْتِ الْمَبْحُوحِ. وَعِنْدَمَا أَفْرَغَ لِي وُون، الَّذِي تَرَدَّدَ بِسَبَبِ الْمَاءِ الْمَمْدُودِ إِلَيْهِ، الْمَاءَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَتَحَ لِيُونِيد فَمَهُ بِبَسَاطَةٍ.
«وَالِدُكَ، مِيخَائِيل لُومُونُوسُوف، هُوَ زَبُونُ هَذِهِ الْمَهَمَّةِ». اِبْتَسَمَ لِيُونِيد وَأَضَافَ:
«لَقَدْ فُوجِئْتُ. لَقَدْ كُنْتَ خَلَفَ لُومُونُوسُوف».
«عَمَلُ الْمُنَظَّمَةِ لَيْسَ لَهُ أَيُّ عَلَاقَةٍ بِي».
أَرَادَ لِي وُون أَنْ يَصْرُخَ بِقُوَّةٍ، لَكِنَّ صَوْتَهُ كَانَ مَبْحُوحاً مُتْعَباً. قَالَ لِيُونِيد عِنْدَمَا تَوَتَّرَ مِنْ جَدِيدٍ لِأَنَّ جَسَدَهُ لَمْ يُطَاوِعْهُ:
«عَلَى أَيِّ حَالٍ، إِنَّهَا عَلَاقَةٌ، أَنْ أَرَاكَ مُجَدَّداً هَكَذَا. لَقَدْ فَكَّرْتُ فِي أَنَّنِي أَوَدُّ رُؤْيَتَكَ مَرَّةً أُخْرَى». مَعَ ابْتِسَامَةٍ مُشْرِقَةٍ عَلَى وَجْهِهِ، هَدَأَ لِي وُون بِالْكَامِلِ وَسَأَلَ:
«مَاذَا حَدَثَ؟ كَيْفَ… كَيْفَ وَجَدْتَنِي؟».
«الْسَيِّدُ لُومُونُوسُوف هُوَ مَنْ كَلَّفَنِي».
أَجَابَ لِيُونِيد بِلُطْفٍ.
«كُنْتُ شَاهِداً رَأَى أَنَّهُمْ يَقُودُونَكَ إِلَى الْمَشَانِقِ. نَظَرْتُ حَوْلِي لِأَرَى مَا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ أَرْضٌ تَابِعَةٌ لِجَنَاحِ سِيرْغِيف. وَفَكَّرْتُ فِي أَنَّهَا سَتَكُونُ فِي الْمَكَانِ الْأَكْثَرِ بُعْداً، وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَوَقَّعْتُ. لَوْ وَصَلْتُ مُتَأَخِّراً قَلِيلاً، لَكُنْتُمْ قَدْ تَجَمَّدْتُمْ».
وَأَمَامَ كَلِمَاتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ يَنْتَظِرُ شُكْراً، عَادَ لِي وُون لِيَطْرَحَ سُؤَالاً: «أَنْتَ، فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ…؟».
وَبِنَاءً عَلَى السُّؤَالِ الْمُثِيرِ لِلشَّكِّ مِنْ لِي وُون، نَفَى لِيُونِيد بِرَأْسِهِ سَرِيعاً.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!