فصل 70

فصل 70

«إِذَنْ دَعْنِي أُخْبِرُكَ أَنَّ الدَّيْنَ قَدْ سُدِّدَ. مَا هَذَا؟» نَظَرَ إِلَيْهِ لِي وُون.
«إِنَّهُ عَنِيدٌ لِلْغَايَةِ».
«إِنَّهَا مُجَرَّدُ فَضِيلَةٍ يَجِبُ أَنْ تَمْتَلِكَهَا كَقَنَّاصٍ».
نَظَرَ لِيُونِيد، الَّذِي تَحَدَّثَ بِتَوَاضُعٍ شَدِيدٍ، إِلَى لِي وُون بِتَرَقُّبٍ. كَانَ كَمَا لَوْ كَانَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَكُونَ قَادِراً عَلَى قَوْلِ شَيْءٍ مَا هَذِهِ الْمَرَّةَ. وَعَلَى غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ، ابْتَسَمَ لِي وُون بِسَعَادَةٍ. قَفَزَ لِي وُون نَحْوَ لِيُونِيد، الَّذِي دُهِشَ مِنْ رَدَّةِ الْفِعْلِ الْمُفَاجَأَةِ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْبَابِ.
«مِنْ فَضْلِكَ».
رَآهُ لِيُونِيد يَفْتَحُ الْبَابَ بِطِيبِ خَاطِرٍ وَيُشِيرُ إِلَيْهِ بِالْمُغَادَرَةِ، لِذَلِكَ قَرَّرَ التَّرَاجُعَ. كَانَ الْوَقْتُ قَدْ حَانَ لِيَتَنَهَّدَ وَيَمْضِيَ قُدُماً. سُمِعَ صَوْتُ مُحَرِّكِ سَيَّارَةٍ تَقْتَرِبُ مِنَ الْمَنْزِلِ. لَمْ يُضِعْ لِيُونِيد الْوَقْتَ وَاسْتَدَارَ عَلَى الْفَوْرِ.
«يَبْدُو أَنَّ ضَيْفاً قَدْ وَصَلَ. مَنْ؟».
عَقَدَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ وَمَشَى نَحْوَ النَّافِذَةِ أَمَامَ تَصَرُّفِهِ فِي إِضَاعَةِ الْوَقْتِ بَيْنَمَا كَانَ مُعْتَاداً عَلَى التَّدْخِينِ. رَأَى لِيُونِيد أَنَّ لِي وُون، الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْأَسْفَلِ بِلَا مُبَالَاةٍ، قَدْ تَوَقَّفَ. تَعَجَّبَ لِيُونِيد مِنِ رَدَّةِ الْفِعْلِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعَةِ. نَظَرَ إِلَى خَارِجِ النَّافِذَةِ، مُفَكِّراً فِيمَا كَانَ يَحْدُثُ، وَفَهِمَ عَلَى الْفَوْرِ سَبَبَ ذَلِكَ. لَقَدْ وَصَلَ الزُّوَّارُ. وَمَعَ ذَلِكَ، وَعَلَى عَكْسِ الزُّوَّارِ الْآخَرِينَ، كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ لِي وُون حَسَّاسَةً.
فَجْأَةً، اسْتَدَارَ لِي وُون. وَقَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ إِمْسَاكِهِ، غَادَرَ لِي وُون الْمَكْتَبَ. شَعَرَ لِيُونِيد بِالْإِحْرَاجِ وَتَأَكَّدَ مِنَ الْفَائِدَةِ لِلزَّائِرِ. فُتِحَ بَابُ السَّيَّارَةِ السِّيدَانِ السَّوْدَاءِ وَخَرَجَ رَجُلٌ طَوِيلُ الْقَامَةِ مِنْ دَاخِلِهَا.
دِمِيتْرِي سِيرْغِيف.
عَقَدَ لِيُونِيد حَاجِبَيْهِ أَمَامَ الْقَامَةِ الْمُتَغَطْرِسَةِ لِلرَّجُلِ ذِي الْخَصْرِ الْمَشْدُودِ بِأَنَاقَةٍ.
أَمَامَ هَذَا الزَّائِرِ الْمُفَاجِئِ، اهْتَزَّ الْقَصْرُ لِلَحْظَةٍ. كَانَ مِنَ الْمُذْهِلِ أَنْ يَأْتِيَ دِمِيتْرِي، الْعُضْوُ الْقَوِيُّ فِي مُنَظَّمَةِ سِيرْغِيف، بِمُفْرَدِهِ لِمُقَابَلَةِ لُومُونُوسُوف. وَفِي وَسَطِ أَعْضَاءِ الْعِصَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا مُنْتَبِهِينَ وَمُتَيَقِّظِينَ عَلَى الْفَوْرِ، سَارَ دِمِيتْرِي بِجُرْأَةٍ نَحْوَ مُقَدِّمَةِ مِيخَائِيل.
«أَنَا سَعِيدٌ لِأَنَّكَ بِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ، لُومُونُوسُوف».
مَعَ ابْتِسَامَةٍ عَلَى وَجْهِهِ، رَدَّ مِيخَائِيل بِابْتِسَامَةٍ مُمَاثِلَةٍ أَيْضاً: «لَا تَزَالُ تَقُولُ أَشْيَاءَ لَا تُعْجِبُهُمْ، دِمِيتْرِي».
ابْتَسَمَ دِمِيتْرِي بِاخْتِصَارٍ بَدَلاً مِنْ نَفْيِ ذَلِكَ. وَسُرْعَانَ مَا كَشَفَ عَنْ عَمَلِهِ: «كَمَا تَرَى، سِيرْغِيف مُشَوَّشٌ لِلْغَايَةِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ».
ابْتَسَمَ دِمِيتْرِي بَيْنَمَا كَانَ يَتَحَدَّثُ.
«إِذَا أَعَارَ لُومُونُوسُوف-سَان قُوَّتَهُ، فَأَعْتَقِدُ أَنَّهَا سَتَكُونُ مُفِيدَةً جِدّاً فِي اسْتِقْرَارِ الْمُنَظَّمَةِ».
«مُسْتَحِيلٌ!».
انْفَجَرَتْ صَرَخَاتُ الِاسْتِنْكَارِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ، كَمَا لَوْ كَانَ الْأَمْرُ سَخِيفاً. حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ رَسَمُوا دَائِرَةً مَعاً حَوْلَ رُؤُوسِهِمْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ مَجْنُونٌ. وَبِتَجَاهُلٍ تَامٍّ لِرُدُودِ فِعْلِ مَنْ حَوْلَهُ، أَعَادَ دِمِيتْرِي نَظَرَهُ نَحْوَ مِيخَائِيل، مُنْتَظِراً الْإِجَابَةَ. بَقِيَ مِيخَائِيل صَامِتاً لِلَحْظَةٍ بِوَجْهٍ خَالٍ مِنَ التَّعَابِيرِ.
«عِنْدَ تَقْدِيمِ عَرْضٍ كَهَذَا، أَلَيْسَ مِنَ الصَّحِيحِ تَقْدِيمُ شُرُوطٍ قَاسِيَةٍ مِنْ هَذَا الْجَانِبِ؟».
«بِالتَّأْكِيدِ لَدَيَّ ذَلِكَ. أَنَا…».
دِمِيتْرِي، الَّذِي فَتَحَ فَمَهُ كَمَا لَوْ كَانَ يَنْتَظِرُ، ثَبَّتَ نَظَرَهُ عَلَى الرَّجُلِ الطَّوِيلِ الَّذِي ظَهَرَ فَجْأَةً خَلْفَ مِيخَائِيل. وَعِنْدَمَا الْتَقَتْ أَعْيُنُهُمَا، نَظَرَ إِلَيْهِ لِي وُون بِنَظْرَةٍ بَارِدَةٍ. لَكِنَّ دِمِيتْرِي لَمْ يَهْتَمَّ، وَكُلُّ مَا فَعَلَهُ هُوَ الِابْتِسَامُ وَتَحِيَّتُهُ.
«لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَيُّ هَزِيمَةٍ أَبَداً مِنْ جَانِبِ لُومُونُوسُوف. مَا رَأْيُكَ؟ فَكِّرْ فِي الْأَمْرِ».
«لِي وُون-آه».
الْتَفَتَ مِيخَائِيل إِلَى الْخَلْفِ وَنَظَرَ إِلَى ابْنِهِ. الْتَفَتَتْ كُلُّ الْأَعْيُنِ نَحْوَ لِي وُون فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، وَفَتَحَ مِيخَائِيل فَمَهُ:
«لَقَدْ جَاءَ بِعَرْضٍ كَهَذَا، مَاذَا تُرِيدُنِي أَنْ أَفْعَلَ؟».
أَجَابَ لِي وُون بِوَجْهٍ بَارِدٍ: «أَنَا غَرِيبٌ، لِذَلِكَ رَأْيِي لَنْ يُفِيدَ».
«مَعَ ذَلِكَ أُرِيدُ سَمَاعَهُ. إِذَنْ، مَا هِيَ نَصِيحَتُكَ، كَمُحَامٍ، لِزَبُونٍ تَلَقَّى مِثْلَ هَذَا الْعَرْضِ؟».
رَدّاً عَلَى السُّؤَالِ الْمَلِيءِ بِالْمَوَدَّةِ، غَضَّنَ لِي وُون جِسْرَ أَنْفِهِ ثُمَّ هَزَّ كَتِفَيْهِ:
«سَأَنْصَحُكَ بِأَنْ تُحَاوِلَ التَّفَاوُضَ، فَمُجَرَّدُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ مُفِيدٌ هُوَ أُسْلُوبٌ مَكْشُوفٌ».
ضَحِكَ مِيخَائِيل. وَأَعْضَاءُ الْمُنَظَّمَةِ، الَّذِينَ كَانُوا يُرَاقِبُونَ، انْفَجَرُوا ضَاحِكِينَ هُنَا وَهُنَاكَ، وَسُرْعَانَ مَا تَحَوَّلَتِ الْقَاعَةُ إِلَى بَحْرٍ مِنَ الضَّحِكِ. الْوَحِيدَانِ اللَّذَانِ لَمْ يَضْحَكَا كَانَا لِي وُون وَدِمِيتْرِي. وَبَعْدَ مَوْجَةٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَتَحَ دِمِيتْرِي فَمَهُ:
«يَبْدُو أَنَّكَ لَا تُصَدِّقُنِي، يَا رَجُلَ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ فِي مُنَظَّمَةِ سِيرْغِيف».
كَانَتْ نَظْرَتُهُ مُوَجَّهَةً إِلَى مِيخَائِيل، لَكِنَّ السُّؤَالَ كَانَ مُوَجَّهاً إِلَى لِي وُون. لَمْ يَرْفُضْ لِي وُون التَّحَدِّيَ.
«إِذَا طَلَبْتَ مِنْ صَاحِبِ الْمَرْتَبَةِ أُولَى جَلْسَةً مُنْفَرِدَةً، فَمِنَ اللَّبَاقَةِ أَنْ يَقْتَرِبَ صَاحِبُ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى مِنْكَ. حَتَّى عِنْدَ زِيَارَةِ الْبِلَادِ، يَتِمُّ اسْتِقْبَالُ الرَّئِيسِ مِنِ قِبَلِ الرَّئِيسِ».
فِي الْوَاقِعِ، ابْتَسَمَ مِيخَائِيل بِدِفْءٍ. كَانَتْ رَدَّةُ الْفِعْلِ هِيَ أَنَّ ابْنَهُ لَا يُمْكِنُ مُجَارَاتُهُ لِأَنَّ كَلَامَهُ كَانَ رَائِعاً مِنْ لَفْظِهِ إِلَى مَعْنَاهُ. وَدِمِيتْرِي، الَّذِي نَظَرَ إِلَى لِي وُون، ابْتَسَمَ. لَكِنَّ الْأَعْيُنَ لَمْ تَكُنْ تَبْتَسِمُ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
«إِذَنْ هَذَا جَيِّدٌ. إِذَا كُنْتَ لَا تُصَدِّقُنِي، فَلَا بَأْسَ. تَفَاوَضْ مَعَ الرَّقَمِ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبِنَا».
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سُمِعَتْ خَطَوَاتٌ صَامِتَةٌ قَادِمَةٌ مِنَ الْمَمَرِّ. وَاحِداً تِلْوَ الْآخَرِ، الْتَفَتَ الْأَشْخَاصُ الْمُجْتَمِعُونَ نَحْوَ الصَّوْتِ الْمُنْتَظَمِ لِلْأَحْذِيَةِ. نَظَرَ لِي وُون أَيْضاً بِلَا مُبَالَاةٍ ثُمَّ تَوَقَّفَ مِثْلَ الْآخَرِينَ. اتَّسَعَتْ عَيْنَاهُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، ثُمَّ صَارَتَا أَكْبَرَ وَأَكْبَرَ.
كَانَ النَّاسُ عَاجِزِينَ عَنِ الْكَلَامِ. الْأَشْخَاصُ الْمُجْتَمِعُونَ فِي غُرْفَةِ الْمَعِيشَةِ الْمَلِيئَةِ بِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ حَدَّقُوا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، لَكِنْ لَمْ يَفْتَحْ أَحَدٌ فَمَهُ. الرَّجُلُ الَّذِي دَخَلَ مِنَ الْمَمَرِّ الطَّوِيلِ وَقَفَ فِي وَسَطِ غُرْفَةِ الْمَعِيشَةِ، مُسْتَقْبِلاً انْتِبَاهَ الْجَمِيعِ.
«إِنَّهُ هُوَ».
تَمْتَمَ شَخْصٌ مَا بِلَا وَعْيٍ كَمَا لَوْ كَانَ مَذْهُولاً. رَجُلٌ ذُو شَعْرٍ أَشْقَرَ بِلَاتِينِيٍّ مُبْهِرٍ تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ وَقَفَ أَمَامَهُمْ، مُرْتَدِياً بَدْلَةً سَوْدَاءَ بِالْكَامِلِ. وَبَيْنَمَا كَانَ الْجَمِيعُ فِي صَمْتٍ، حَوَّلَ قَيْصَرُ نَظَرَهُ نَحْوَ أَحَدِ الْجَوَانِبِ. وَعِنْدَمَا الْتَقَتْ أَعْيُنُهُمَا، جَعَلَ الْمَشْهَدُ عَيْنَيْ لِي وُون، الَّذِي فَقَدَ تَرْكِيزَهُ وَتَصَلَّبَ، تَهْتَزَّانِ لِلَحْظَةٍ. كِلَاهُمَا فَكَّرَا فِي الشَّيْءِ نَفْسِهِ فِي الْوَقْتِ عَيْنِهِ.
“لِمَاذَا أَنْتَ هُنَا؟”
فِي لَحْظَةٍ، صَرَخَ لِي وُون بِصَوْتٍ عَالٍ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ: «هَلْ يُمْكِنُنِي التَّحَدُّثُ مَعَ الْقَيْصَرِ لِلَحْظَةٍ؟».
نَظَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعاً فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ. وَبَعْدَ زَفِيرٍ انْدِفَاعِيٍّ، بَحَثَ لِي وُون سَرِيعاً عَنْ سَبَبٍ وَأَضَافَ:
«كَمُحَامٍ لَهُ، لَدَيَّ بَعْضُ النَّصَائِحِ لَهُ قَبْلَ التَّفَاوُضِ».
«لِي وُون-آه، وَأَنَا؟!».
سَأَلَ مِيخَائِيل كَمَا لَوْ كَانَ حَزِيناً، لَكِنَّ لِي وُون لَمْ يُجِبْ. بَدَلاً مِنْ ذَلِكَ، مَدَّ يَدَهُ عَلَى الْفَوْرِ وَأَمْسَكَ قَيْصَرُ مِنْ ذِرَاعِهِ بَيْنَمَا مَشَى فِي الْمَمَرِّ مُقْتَاداً إِيَّاهُ.
لِي وُون، الَّذِي كَادَ يَجِدُ غُرْفَةً فَارِغَةً بَعِيداً عَنْ أَعْيُنِ أَعْضَاءِ الْعِصَابَةِ، دَفَعَ قَيْصَرُ نَحْوَهَا عَلَى الْفَوْرِ. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ أَصْبَحَا بِمُفْرَدِهِمَا، الْتَفَتَ قَيْصَرُ نَحْوَهُ مُسْرِعاً: «مَاذَا حَدَثَ؟ لِمَاذَا أَنْتَ هُنَا؟».
«اضْغَطْ عَلَى نَوَاجِذِكَ بِقُوَّةٍ».
بَدَلاً مِنَ الْإِجَابَةِ، تَحَدَّثَ لِي وُون بِصَوْتٍ خَفِيضٍ. وَعِنْدَمَا تَوَقَّفَ قَيْصَرُ، شَدَّ لِي وُون قَبْضَتَهُ وَصَفَعَهُ بِقُوَّةٍ.
تَرَدَّدَ صَوْتُ ضَرْبَةِ الْقَبْضَةِ الْمُحْكَمَةِ بِشَكْلٍ حَقِيقِيٍّ وَصَاخِبٍ. قَيْصَرُ، الَّذِي تَرَنَّحَ لِلَحْظَةٍ، عَقَدَ حَاجِبَيْهِ. لَكِنْ مُجَدَّداً، لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ فُرْصَةٌ لِلْكَلَامِ، لِأَنَّ لِي وُون أَمْسَكَ بِوَجْهِ قَيْصَرُ عَلَى الْفَوْرِ وَطَبَعَ قُبْلَةً عَلَى شَفَتَيْهِ.
لَمْ يَسْتَجِبْ قَيْصَرُ عَلَى الْفَوْرِ لِهَذَا الْمَوْقِفِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ. وَحَتَّى بَيْنَمَا كَانَتْ عَيْنَاهُ مَفْتُوحَتَيْنِ تَمَاماً وَمُتَصَلِّبَتَيْنِ، قَبَّلَهُ لِي وُون وَلَمَسَ شَفَتَيْهِ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى لِيَتَحَقَّقَ مِنْ حَرَارَةِ جَسَدِهِ.
يَا إِلَهِي.
كَادَ لِي وُون يَجِدُ الرَّاحَةَ لِلْمَرَّةِ أُولَى. إِنَّهُ حَقّاً عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ!
قَيْصَرُ، الَّذِي لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الرَّدِّ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ عَلَى الْقُبْلَةِ الَّتِي اسْتَمَرَّتْ تُدَاعِبُ شَفَتَيْهِمَا، نَفَذَ نَفَسُهُ بِالْكَامِلِ، فَسَحَبَهُ نَحْوَ الْخَلْفِ. وَكَمَا لَوْ كَانَ يَخْشَى فِقْدَانَ قَيْصَرُ، احْتَضَنَهُ لِي وُون بِكُلِّ قُوَّتِهِ. لَا يَهُمُّ كَمْ مَرَّةً قَبَّلَهُ وَتَحَقَّقَ مِنْهُ، لَمْ يَخْتَفِ. فِي الْوَاقِعِ، كَانَتْ حَقِيقَتُهُ أَمَامَهُ تَمَاماً.
«… يَا ابْنَ الْعَاهِرَةِ».
لِلَحْظَةٍ، تَوَقَّفَ قَيْصَرُ. كَزَّ لِي وُون عَلَى أَسْنَانِهِ وَنَظَرَ إِلَيْهِ: «أَنْتَ تُخَادِعُ».
«لَدَيْكَ فَمٌ سَلِيطٌ لِلْغَايَةِ».
عَقَدَ قَيْصَرُ حَاجِبَيْهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ، لَكِنَّ كُلَّ مَا رَدَّ بِهِ كَانَ لُغَةً هَجُومِيَّةً: «اخْرَسْ. لَيْسَ لَدَيْكَ حَتَّى مِئَةُ فَمٍ لِتَتَكَلَّمَ، أَيُّهَا الْوَغْدُ».
هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ فُرْصَةٌ لِلِاعْتِذَارِ أَوْ تَقْدِيمِ الْأَعْذَارِ. تَشَابَكَتْ شِفَاهُهُمَا مِنْ جَدِيدٍ وَاسْتَمَرَّتِ الْقُبْلَةُ. الشِّفَاهُ الَّتِي قُبِّلَتْ بِلُطْفٍ تَعَقَّدَتْ سَرِيعاً. لِسَانٌ فَتَحَ الشِّفَاهَ بِلَا رَحْمَةٍ رَكَضَ فِي الدَّاخِلِ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْفَمِ. امْتَصَّ قَيْصَرُ الشِّفَاهَ الَّتِي تَحَوَّلَتْ لِلَعَضِّ دُونَ أَلَمٍ. انْزَلَقَ لِسَانٌ لَطِيفٌ عَمِيقٌ عَبْرَ شَفَتَيْهِمَا الْمَفْتُوحَتَيْنِ، مُدَاعِباً لِسَانَهُ وَمُحْتَكّاً بِالنُّتُوءَاتِ، مُدَغْدِغاً الدَّاخِلَ. وَحَتَّى عِنْدَمَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ نَظَرَاتُ قَيْصَرُ مَعَ تَنَهُّدَاتٍ عَمِيقَةٍ وَشَوْقٍ، تَرَكَهُ لِي وُون بِمُفْرَدِهِ. لَمَسَ أُصْبُعٌ ضَعِيفٌ وَمُرْتَجِفٌ خَدَّهُ. أَغْلَقَ لِي وُون عَيْنَيْهِ وَوَضَعَ قَيْصَرُ شَفَتَيْهِ عَلَى خَدِّهِ. الْيَدُ الَّتِي خَلْفَ رَأْسِهِ دَاعَبَتْ بِرِفْقٍ الْجُزْءَ الْخَلْفِيَّ مِنْ عُنُقِهِ، بَيْنَمَا أَمْسَكَتْهُ الْأُخْرَى مِنَ الْخَصْرِ وَقَرَّبَتْهُ أَكْثَرَ. عِنْدَمَا الْتَصَقَ الْجَسَدُ الْمَنْدَفِعُ بِعَفْوِيَّةٍ بِهِ، كَانَ لَدَى لِي وُون شُعُورٌ بِمَا سَيَحْدُثُ تَالِياً.
أَمْسَكَ قَيْصَرُ بِمُؤَخَّرَتِهِ مِنْ فَوْقِ سِرْوَالِ لِي وُون. أَفْلَتَ بَعْضَ التَّنَهُّدَاتِ الْعَمِيقَةِ بَيْنَمَا كَانَ يَفْرَكُ الْمُؤَخَّرَةَ بِيَدَيْهِ الْكَبِيرَتَيْنِ. كَانَ بِمَقْدُورِهِ رُؤْيَةُ الِانْتِفَاخِ الْوَاضِحِ أَمَامَ قَيْصَرُ. لَفَّ لِي وُون يَدَهُ خَلْفَ خَصْرِ قَيْصَرُ وَأَمْسَكَ بِمُؤَخَّرَتِهِ أَيْضاً. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ لَمَسَتْ جَبْهَتُهُ السَّاخِنَةُ بِشِدَّةٍ قَيْصَرُ، أَصْبَحَ تَنَفُّسُهُ مُضْطَرِباً. انْعَكَسَ وَجْهُ لِي وُون فِي الْعَيْنَيْنِ الرَّمَادِيَّتَيْنِ الدَّاكِنَتَيْنِ. وَهَمَسَ بِعُذُوبَةٍ:
«يُمْكِنُكَ كَسْرُ عُنُقِي إِذَا كُنْتُ سَأَسْتَمْتِعُ بِكَ فَقَطْ هَذِهِ الْمَرَّةَ».
ضَحِكَ قَيْصَرُ، لَكِنَّ يَدَهُ أَمْسَكَتْ عَلَى الْفَوْرِ بِسِرْوَالِ لِي وُون. تَارِكاً يَدَهُ تَسْحَبُهُ لِلْأَسْفَلِ لِيَبْقَى بِالْمَلَابِسِ الدَّاخِلِيَّةِ فَقَطْ، أَحَاطَ قَيْصَرُ شَفَتَيْهِ وَأَلْقَاهُ أَرْضاً. كَانَ هُنَاكَ صَوْتُ ارْتِطَامٍ عَالٍ وَسَقَطَا مَعاً عَلَى سَجَّادَةِ غُرْفَةِ الْمَعِيشَةِ. لِي وُون، الَّذِي اسْتَدَارَ عَلَى الْفَوْرِ وَأَخَذَ زِمَامَ الْمُبَادَرَةِ، أَمْسَكَ بِسِرْوَالِ قَيْصَرُ وَمَدَّ يَدَهُ.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!