«بِمَا أَنَّ خَلِيفَتَهُ قَدْ مَاتَ، أَلَا يَعْنِي هَذَا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الِاحْتِفَاظَ بِكَ لِتَكُونَ الشَّخْصَ الثَّانِيَ فِي الْمُنَظَّمَةِ؟».
بَدَا يُورِي مُتَوَتِّرًا لِلْغَايَةِ وَهُوَ يَنْظُرُ فِي عَيْنَيْهِ.
«فِي الْوَاقِعِ، يَا سَاشَا… هُنَاكَ الْكَثِيرُ مِنَ الْكَلَامِ دَاخِلَ الْمُنَظَّمَةِ… وَهُنَاكَ شَائِعَاتٌ كَثِيرَةٌ تَقُولُ إِنَّ تُوتْشِيف هُوَ مَنْ قَتَلَ الْقَيْصَرِ. وَلَكِنْ كَمَا تَعْلَمُ…».
«لِمَاذَا هَكَذَا؟».
مُقَاطِعًا كَلِمَاتِ يُورِي الْمُتَلَعْثِمَةَ، فَتَحَ سَاشَا فَمَهُ: «مَاتَ؟».
«نَعَمْ؟».
قَالَ سَاشَا ذَلِكَ لِيُورِي الَّذِي بَدَا مُتَفَاجِئًا، بَيْنَمَا وَاصَلَ إِغْلَاقَ عَيْنَيْهِ: «لَقَدْ سَأَلْتُكَ إِنْ كَانَ الْقَيْصَرُ قَدْ مَاتَ حَقًّا».
«أُوه، لَا… فِي الْوَاقِعِ، لَمْ يَرَ أَحَدٌ جُثَّتَهُ… يَقُولُونَ إِنَّهُ تَقَاعَدَ لِتَجَنُّبِ تَحْقِيقِ الشُّرْطَةِ، وَلَكِنْ كَمَا تَعْلَمُ، لَيْسَ مِنَ الصَّعْبِ التَّخَلُّصُ مِنَ الْجُثَّةِ…».
مُتَرَدِّدًا، لَمْ يَقُلْ سَاشَا شَيْئًا. نَظَرَ إِلَيْهِ يُورِي وَتَفَاجَأَ عِنْدَمَا رَأَى ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً عَلَى شَفَتَيْهِ: «أَنْتَ مُزْعِجٌ».
«سَـ… سَاشَا؟».
شَعَرَ يُورِي بِالذُّعْرِ وَعَادَ لِيُنَادِيَهُ بِاسْمِهِ، لَكِنَّ سَاشَا لَمْ يَقُلْ أَيَّ شَيْءٍ آخَرَ.
«هَذَا جَيِّدٌ. سَأَكُونُ فِي انْتِظَارِكَ».
أَغْلَقَ تُوتْشِيف الْهَاتِفَ وَالْتَفَتَ نَحْوَ الْمَسْؤُولِينَ التَّنْفِيذِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ. فَتَحَ تُوتْشِيف فَمَهُ مُخَاطِبًا إِيَّاهُمْ، وَكَانُوا وَاضِحِينَ فِي تَوَتُّرِهِمْ.
«لِنَقُلْ إِنَّ سَاشَا قَدْ عَادَ. الْآنَ يُورِي يَقُومُ بِمُرَافَقَتِهِ مِنَ الْمَطَارِ». نَظَرَ الْمَسْؤُولُونَ إِلَى بَعْضِهِمُ الْبَعْضِ، بَيْنَمَا وَاصَلَ تُوتْشِيف الْحَدِيثَ بِصَوْتٍ مُنْزَعِجٍ: «لَقَدْ وَصَلْتُ إِلَى هُنَا وَلَنْ أَتَرَاجَعَ أَبَدًا. بِطَرِيقَةٍ مَا، يَجِبُ أَنْ نُحَقِّقَ إِرَادَتَنَا».
تُوتْشِيف، الَّذِي تَحَدَّثَ بِقُوَّةٍ، هَدَّأَ نَبْرَتَهُ عَلَى الْفَوْرِ وَقَالَ: «بِالطَّبْعِ، لَنْ أَنْسَى فَضْلَ الرِّفَاقِ الَّذِينَ شَارَكُونِي هَذِهِ الرَّغْبَةَ».
ظَهَرَتْ عَلَامَاتُ الْقَبُولِ عَلَى وُجُوهِ الْمَسْؤُولِينَ الَّذِينَ كَانُوا مُتَوَتِّرِينَ لِلْغَايَةِ، وَفَكَّرَ تُوتْشِيف بِرِضًا فِي قَلْبِهِ كَمَا لَوْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدِ انْتَهَى بِالْفِعْلِ.
“لَقَدْ أَعْدَدْتُ بِالْفِعْلِ قَائِمَةً بِالْمَسْؤُولِينَ وَأَعْضَاءِ الْمُنَظَّمَةِ الَّذِينَ لَا يَسْتَسْلِمُونَ. الْيَوْمَ، فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يَعْتَرِفُ فِيهَا سَاشَا بِتُوتْشِيف كَخَلِيفَةٍ لَهُ، سَتَكُونُ هُنَاكَ تَصْفِيَةٌ كُبْرَى، وَسَأُصْبِحُ الرَّجُلَ الثَّانِيَ تَحْتَ قِيَادَةِ سِيرْجِيف”. ابْتَسَمَ تُوتْشِيف بِوَجْهٍ مُظْلِمٍ.
عِنْدَمَا عَادَ الزَّعِيمُ، الَّذِي كَانَ قَدْ تَقَاعَدَ مِنَ الْخُطُوطِ الْأَمَامِيَّةِ، صُدِمَ الْمَسْؤُولُونَ التَّنْفِيذِيُّونَ فِي الْمُنَظَّمَةِ. لَقَدْ تَمَّتْ إِزَاحَةُ الْخَلِيفَةِ، لِذَلِكَ لَمْ يَبْقَ سِوَى تَعْيِينِ خَلِيفَةٍ جَدِيدٍ؛ هَذَا مَا ظَنَّهُ الْجَمِيعُ.
سَيَكُونُ اجْتِمَاعُ الْيَوْمِ هُوَ الْمَكَانَ لِتَرْشِيحِ الْخَلِيفَةِ الْجَدِيدِ.
تَدَفَّقَ الْمَسْؤُولُونَ بِأَعْدَادٍ كَبِيرَةٍ إِلَى مَكَاتِبِ الْمُنَظَّمَةِ فِي سَيَّارَاتِ سِيدَانٍ فَاخِرَةٍ. تَجَمَّعَ الْمَدِيرُونَ الَّذِينَ كَانُوا حَاضِرِينَ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ وَأُولَئِكَ الَّذِينَ صَعِدُوا لِتَوِّهِمْ فِي الرُّتَبِ، وَتَبَادَلُوا التَّحِيَّاتِ. كَانَ الْجَمِيعُ مِنْ دَاعِمِي تُوتْشِيف الْأَقْوِيَاءِ. بَعْدَ أَنْ نَظَرَ حَوْلَ الْغُرْفَةِ لِفَتْرَةٍ، ابْتَسَمَ تُوتْشِيف ابْتِسَامَةَ نَصْرٍ.
“هَذَا مِثَالِيٌّ. كُلُّ شَيْءٍ سَارَ كَمَا خُطِّطَ لَهُ”.
كَانَ تُوتْشِيف مُقْتَنِعًا أَنَّ الْجَمِيعَ تَقْرِيبًا بِجَانِبِهِ. وَبِهَذَا الْعَدَدِ، حَتَّى سَاشَا سَيَخْضَعُ لِلضَّغْطِ.
«إِذَنْ، لِمَاذَا لَمْ يَأْتِ دِمِيتْرِي؟».
قَالَ أَحَدُ الْمَسْؤُولِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ بَدْءَ الِاجْتِمَاعِ مَعَ كُوكْتِيلٍ فِي قَاعَةِ الْمُؤْتَمَرَاتِ الْوَاسِعَةِ، كَمَا لَوْ أَنَّهُ تَذَوَّرَ ذَلِكَ فَجْأَةً. هَزَّ مَسْؤُولٌ آخَرُ رَأْسَهُ وَأَجَابَ:
«لَمْ أَرَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ. اتْرُكْهُ شَأْنَهُ. إِذَا تَدَخَّلَ شَخْصٌ لَيْسَ مِنَ الْإِدَارَةِ التَّنْفِيذِيَّةِ، فَسَيُفْسِدُ الْأَجْوَاءَ فَقَطْ».
«هَذَا صَحِيحٌ. لَسْتُ مُتَأَكِّدًا مِمَّا سَيَحْدُثُ إِذَا عَارَضْنَا رَغْبَةَ سَاشَا». أَمَامَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، ارْتَعَدَ الْجَمِيعُ وَوَافَقُوهُ الرَّأْيَ.
«لَا يَزَالُ لَدَى سَاشَا الْكَثِيرُ مِنَ الْأَتْبَاعِ فِي الْمُنَظَّمَةِ. سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْكَ التَّعَامُلُ مَعَ ذَلِكَ». وَافَقَ شَخْصٌ آخَرُ بِنَبْرَةٍ مَشْدُودَةٍ لِلْغَايَةِ.
«لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُ مَهَارَاتِ سَاشَا نَفْسِهِ. أَلَسْتَ أَنْتَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْقَيْصَرِ؟ فِي الْوَاقِعِ، لَا أُرِيدُ رُؤْيَتَهُ مُجَدَّدًا بَقِيَّةَ حَيَاتِي».
أَمَامَ هَذَا الِاعْتِرَافِ الصَّادِقِ مِنْ أَحَدِهِمْ، ارْتَبَكَ الْجَمِيعُ بِوُجُوهٍ شَاحِبَةٍ. وَعَلَى عَكْسِ الْوَقْتِ الَّذِي نَظَّمَ فِيهِ عَمَلَهُ، شَعَرَ تُوتْشِيف بِالِارْتِبَاكِ وَالْغَضَبِ مِنَ الْمَسْؤُولِينَ الْخَائِفِينَ.
«الْآنَ، لِمَاذَا يَتَرَاجَعُ الْجَمِيعُ عَنِ الْخَطِّ؟ لَا يُوجَدُ طَرِيقٌ لِلْعَوْدَةِ الْآنَ. نَحْنُ جَمِيعًا فِي الْقَارِبِ نَفْسِهِ!».
تَرَاجَعَ الْمَسْؤُولُونَ إِلَى الْخَطِّ عَلَى الْفَوْرِ أَمَامَ الصَّرَخَاتِ. ضَغَطَ تُوتْشِيف عَلَى أَسْنَانِهِ سِرًّا وَبَدَأَ يُفَكِّرُ.
“سَاشَا. الزَّعِيمُ الْحَالِيُّ لِسِيرْجِيف. إِذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِي، فَإِنَّ كُلَّ الْمَنَاصِبِ دَاخِلَ الْمُنَظَّمَةِ سَتَكُونُ بِلَا جَدْوَى. لِلنَّجَاحِ فِي هَذِهِ الْمُنَظَّمَةِ، يَلْزَمُ مُوَافَقَتُهُ حَتْمًا…!”.
كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَمَا اتَّخَذَ قَرَارًا قَوِيًّا. أَسْرَعَ أَحَدُ أَعْضَاءِ الْمُنَظَّمَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَحْرُسُونَ فِي الْخَارِجِ بِالدُّخُولِ بِوَجْهٍ مَشْغُولٍ بِالتَّفْكِيرِ.
«لَقَدْ خَرَجَ سَاشَا لِتَوِّهِ مِنَ السَّيَّارَةِ».
نَظَرَ جَمِيعُ الْمَسْؤُولِينَ إِلَى بَعْضِهِمْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ. وَأَخِيرًا، ظَهَرَ أَلِكْسَانْدِر سِيرْجِيف أَمَامَهُمْ. كُلُّ الْمَدِيرِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَهَامَسُونَ حَتَّى الْآنَ أَبْقَوْا أَفْوَاهَهُمْ مُغْلَقَةً. مَشَى سَاشَا بِجَانِبِهِمْ وَتَوَجَّهَ مُبَاشَرَةً إِلَى مَقْعَدِهِ. تَرَدَّدَ صَدَى صَوْتِ خَطَوَاتِهِ فَقَطْ فِي قَاعَةِ الِاجْتِمَاعَاتِ الْوَاسِعَةِ الَّتِي خَيَّمَ عَلَيْهَا الصَّمْتُ.
كَانَ الدَّاخِلُ هَادِئًا. نَظَرَ الْمَسْؤُولُونَ الْجَالِسُونَ هُنَاكَ إِلَى بَعْضِهِمْ، لَكِنْ لَمْ يَتَحَدَّثْ أَحَدٌ. سَاشَا، الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَى الْمَقْعَدِ الْعُلْوِيِّ فِي هَذَا الصَّمْتِ الثَّقِيلِ، أَبْقَى فَمَهُ مُغْلَقًا وَبَدَا كَمَا لَوْ أَنَّ لَدَيْهِ شَيْئًا لِيَقُولَهُ، لَكِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ أَوَّلاً. سَاشَا، الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُ بِصَبْرٍ، فَتَحَ فَمَهُ أَخِيرًا:
«هُنَاكَ الْكَثِيرُ مِنَ الْمَقَاعِدِ الْفَارِغَةِ».
كَانَ هَذَا هُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ قَالَهُ سَاشَا بَعْدَ ظُهُورِهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ. تَبَادَلَ الْمَسْؤُولُونَ النَّظَرَاتِ بِسُرْعَةٍ وَتَحَدَّثُوا بِأَصْوَاتٍ خَفِيضَةٍ. وَبَيْنَمَا كَانَ يُرَاقِبُهُمْ بِارْتِجَافٍ، فَتَحَ تُوتْشِيف فَمَهُ:
«هُنَاكَ بَعْضُ الْمَسْؤُولِينَ الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا لِأَنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِأَنَّهُمْ بِخَيْرٍ. سَيَتِمُّ إِرْسَالُ مَحْضَرِ الِاجْتِمَاعِ إِلَيْهِمْ بِشَكْلٍ مُنْفَصِلٍ. رَغْمَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ سَاشَا قَدْ جَاءَ، إِلَّا أَنَّ غِيَابَ بَعْضِ الْمَدِيرِينَ يُعِيقُ إِدَارَةَ الْمُنَظَّمَةِ كَثِيرًا».
اغْتَنَمَ تُوتْشِيف الْفُرْصَةَ. كَيْفَ لِسَاشَا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الْمَسْؤُولِينَ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوا هُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْقَيْصَرِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَاصَلُوا مَعَهُ عَمْدًا؟
أَحَدُ الْمَسْؤُولِينَ الَّذِينَ اكْتَفَوْا بَتَبَادُلِ التَّوْقِيعَاتِ مَعَ تَعْلِيقَاتِ تُوتْشِيف، وَالَّذِي كَانَ يَحْمِلُ ابْتِسَامَةَ نَصْرٍ فِي دَاخِلِهِ وَوَجْهًا مَلِيئًا بِالْقَلَقِ فِي الْخَارِجِ، سَعَلَ بِخُرْقٍ وَفَتَحَ فَمَهُ:
«هَيْ، سَاشَا. فِي الْوَاقِعِ، تَمُرُّ الْمُنَظَّمَةُ حَالِيًّا بِأَزْمَةٍ بِسَبَبِ أَحْدَاثٍ غَيْرِ سَارَّةٍ. لِذَلِكَ، مِنَ الضَّرُورِيِّ اخْتِيَارُ خَلِيفَةٍ بِسُرْعَةٍ…». وَكَمَا لَوْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ كَلِمَاتِهِ الْحَذِرَةَ، بَدَأَتِ الْكَلِمَاتُ تَتَدَفَّقُ هُنَا وَهُنَاكَ.
«لَقَدْ كَانَ الْأَمْرُ صَعْبًا جِدًّا عَلَيْنَا مُنْذُ أَنْ تَرَكَ سَاشَا الْمُنَظَّمَةَ. إِذَا لَمْ نَلْتَقِ، فَلْنَقُمْ بِاخْتِيَارِ خَلِيفَةٍ».
«مُجَرَّدُ الْحِفَاظِ عَلَى الْمُنَظَّمَةِ لَمْ يَعُدْ هُوَ الْحَدَّ الْأَقْصَى». «لِمَاذَا أَنْتَ صَامِتٌ؟ أَلَا تَسْمَعُنَا؟ هَلْ تَتَجَاهَلُنَا؟».
خَرَجَ صَوْتٌ غَاضِبٌ بِبُطْءٍ، لَكِنَّ سَاشَا لَمْ يَقُلْ شَيْئًا بَعْدُ. كُلُّ مَا فَعَلَهُ هُوَ النَّظَرُ حَوْلَهُ بِوَجْهٍ بَارِدٍ لِلْغَايَةِ. الْمَسْؤُولُونَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ مُنْذُ فَتْرَةٍ شَعَرُوا بِالْإِرْهَاقِ بِسَبَبِ اسْتِمْرَارِ عَدَمِ الِاسْتِجَابَةِ. وَعِنْدَمَا قَلَّتِ الشَّكَاوَى، تَحَدَّثَ سَاشَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
«لِمَاذَا هَكَذَا؟».
وَبِصَوْتٍ حَادٍّ كَالسَّيْفِ، وَاصَلَ: «مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَتِي؟».
أَمَامَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، تَبَادَلَ الْجَمِيعُ النَّظَرَاتِ عَلَى عَجَلٍ، وَوَقَفَ تُوتْشِيف عَلَى قَدَمَيْهِ: «بِرَغْبَةِ الْجَمِيعِ، أَنْوِي تَوَلِّي هَذَا الْمَنْصِبِ. مِنْ فَضْلِكَ، اسْمَحْ بِذَلِكَ».
بِوَجْهٍ وَاثِقٍ، أَعْلَنَ تُوتْشِيف ذَلِكَ. كَانَ الْمَسْؤُولُونَ مُتَوَتِّرِينَ جِدًّا وَيَنْتَظِرُونَ الْقَرَارَ لِلِتَّصْفِيقِ أَوِ الِانْتِقَادِ. كَانَ الْجَمِيعُ يَنْظُرُونَ إِلَى فَمِ سَاشَا، لَكِنَّهُ فَتَحَ فَمَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى تُوتْشِيف:
«سَيَكُونُ ذَلِكَ جَيِّدًا».
نَظَرَ الْجَمِيعُ إِلَى بَعْضِهِمُ الْبَعْضِ بِذُهُولٍ، بَيْنَمَا دُهِشَ الْجَمِيعُ مِنَ الْإِجَابَةِ الْبَارِدَةِ وَغَيْرِ الْمُتَوَقَّعَةِ. تَحَدَّثَ سَاشَا بِصَوْتٍ بَارِدٍ:
«عَلَى أَيِّ حَالٍ، الْمُنَظَّمَةُ هِيَ عَالَمُ الْقُوَّةِ، وَالْمَسْؤُولُونَ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوا يُعْتَبَرُونَ مُمْتَنِعِينَ عَنِ التَّصْوِيتِ، وَإِذَا كُنْتَ الْأَكْثَرَ تَأْثِيرًا بَيْنَ الْمَسْؤُولِينَ الْحَالِيِّينَ، فَهَذَا جَيِّدٌ. إِذَا تَمَّ أَخْذُهُ بِالْقُوَّةِ، فَبِالطَّبْعِ يَجِبُ أَنْ تَحْصُلَ عَلَيْهِ. أَنَا أُوَافِقُ عَلَى تُوتْشِيف كَخَلِيفَةٍ».
امْتَزَجَتِ السَّعَادَةُ وَالرِّضَا عَلَى وُجُوهِ بَعْضِ الْمَدِيرِينَ، بَيْنَمَا تَصَلَّبَتْ وُجُوهُ الْمَسْؤُولِينَ الَّذِينَ تَمَّ سَحْبُهُمْ بِالْإِكْرَاهِ شُعُورًا بِالْخِزْيِ، وَابْتَهَجَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا فِي صَفِّ تُوتْشِيف. وَمِنْ بَيْنِهِمْ، كَانَ تُوتْشِيف هُوَ الْأَكْثَرَ رِضًا. وَمَعَ الْفَرْحَةِ الَّتِي مَلَأَتْ خَدَّيْهِ اللَّحِيمَيْنِ، صَافَحَ أَتْبَاعَهُ.
“الْآنَ الْمُنَظَّمَةُ لِي. تَعَفَّنْ فِي الْجَحِيمِ، أَيُّهَا الْفَتَى الشَّقِيُّ”. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَانَ هُوَ مَلِكَ الْعَالَمِ.
«إِذَا كَانَ الرَّجُلُ الْقَوِيُّ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَلِكٍ، فَأَنَا هُوَ».
تَفَاجَأَ الْجَمِيعُ بِالصَّوْتِ الْمُفَاجِئِ وَنَظَرُوا نَحْوَ الْمَكَانِ. فُتِحَ بَابُ قَاعَةِ الْمُؤْتَمَرَاتِ وَدَخَلَ رَجُلٌ. فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا الشَّعْرُ الْأَشْقَرُ الْبَلَاتِينِيُّ السَّاطِعُ، تَغَيَّرَتْ أَجْوَاءُ قَاعَةِ الْمُؤْتَمَرَاتِ. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ، تَبِعَ ذَلِكَ صَوْتُ أَنْفَاسٍ خَانِقَةٍ وَنَدَمٍ، وَبَدَأَ أَعْضَاءُ الْمُنَظَّمَةِ فِي الْهَمْسِ وَالْحَرَكَةِ هُنَا وَهُنَاكَ. لَمَعَتْ إِحْدَى عَيْنَيْ سَاشَا بِضَوْءٍ سِرِّيٍّ، وَتَسَلَّلَتِ ابْتِسَامَةٌ مُرِيحَةٌ عَبْرَ شَفَتَيْهِ.
الشَّخْصُ الَّذِي فَتَحَ الْبَابَ كَانَ هُوَ الْخَلِيفَةَ الَّذِي ظَنُّوهُ مَيِّتًا. الَّذِي يَحْمِلُ اسْمَ الْإِمْبَرَاطُورِ، قَيْصَرُ.
الْقَيْصَرُ، الَّذِي كَانَ يُشْبِهُ سَاشَا تَمَامًا عِنْدَمَا كَانَ شَابًّا، بَقِيَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ. لَقَدْ عَادَ مَعَ مِعْطَفٍ فَوْقَ بَدْلَتِهِ الْأَنِيقَةِ كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ.
فِي لَحْظَةٍ، خَيَّمَ الصَّمْتُ عَلَى قَاعَةِ الْمُؤْتَمَرَاتِ. وَاخْتَفَتِ الْأَجْوَاءُ الْمُشْحُونَةُ لِلْمَاضِي. كَانَ تُوتْشِيف مُرْتَبِكًا وَلَمْ يَجِدْ أَيَّ شَيْءٍ لِيَقُولَهُ.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!