بَيْنَمَا كُنْتُ أَتَذَكَّرُهُ وَأَتَحَدَّثُ عَنْهُ طِوَالَ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ الْمَاضِيَةِ دُونَ كَلَلٍ أَوْ مَلَلٍ، تَنَهَّدَ قَيْصَرُ بِنَدَمٍ. لَكِنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ يَعْنِي أَنَّنِي تَوَقَّفْتُ. تَنَهَّدَ لِي وُون وَأَنَّ بَيْنَمَا كَانَ يُحَرِّكُ خَصْرَهُ بِبُطْءٍ فَقَطْ، وَفَرَكَ بَطْنَهُ بِخِفَّةٍ وَقُوَّةٍ. وَعِنْدَمَا رَفَعَ رُكْبَتَيْهِ دُونَ وَعْيٍ وَفَتَحَ سَاقَيْهِ، وَضَعَ قَيْصَرُ جَسَدَهُ فَوْقَ لِي وُون وَبَدَأَ يَضْرِبُ خَصْرَهُ بِحَقٍّ.
«آه، آه، آه، آه».
فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَسْمَعُ فِيهَا صَرِيرًا مِنَ الْأَسْفَلِ، لَمْ يَتَحَمَّلْ لِي وُون الْأَنِينَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ، فَأَطْلَقَ أَنِينًا مُتَوَاصِلًا. وَجَاءَتِ الْجَوْلَةُ الثَّانِيَةُ سَرِيعًا. وَبَيْنَمَا كَانَ يَرْتَجِفُ بِأَنْفَاسٍ خَانِقَةٍ، وَاصَلَ قَيْصَرُ صَفْعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، صَابًّا كُلَّ قُوَّتِهِ دَاخِلَهُ.
سُمِعَتْ أَصْوَاتُ خَطَوَاتٍ، فَالْتَفَتَ الْأَشْخَاصُ الْمُنْتَظِرُونَ فِي الْغُرْفَةِ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ. وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي رَأَوْا فِيهَا الِاثْنَيْنِ يَسِيرَانِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ، بَدَا الْجَمِيعُ مُتَوَتِّرِينَ. مَاذَا حَدَثَ؟ كَانَتْ وُجُوهُهُمَا خَالِيَةً مِنَ التَّعَابِيرِ كَمَا لَوْ أَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ، لَكِنَّ رَبْطَةَ عُنُقِ الْقَيْصَرِ كَانَتْ مَائِلَةً، وَشَعْرَ لِي وُون كَانَ مُبَعْثَرًا.
«لَا أَعْلَمُ إِذَا كُنْتُ قَدْ ضَرَبْتُ رَأْسِي. انْظُرْ، وَجْهُكَ يُذَكِّرُنِي بِالْكَثِيرِ مِنْ ذَلِكَ».
نَظَرَ أَعْضَاءُ الْمُنَظَّمَةِ وَانْتَظَرُوا بِقَلَقٍ مَا سَيَقُولُهُ الِاثْنَانِ. «حَسَنًا، كَيْفَ كَانَتِ الْأَحْوَالُ؟ هَلِ الشُّرُوطُ مُنَاسِبَةٌ؟».
«نَعَمْ؟».
أَمَامَ سُؤَالِ مِيخَائِيل الْوُدِّيِّ، رَمَشَ لِي وُون مِنْ جَدِيدٍ كَمَا لَوْ كَانَ يُرِيدُ قَوْلَ مَا يَرْغَبُ فِيهِ. اسْتَعَادَ وَعْيَهُ مُتَأَخِّرًا وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ عَلَى عَجَلٍ.
«نَعَمْ، أَعْتَقِدُ أَنَّ لُومُونُوسُوف سَيَكُونُ رَاضِيًا». نَظَرَ لِي وُون إِلَى قَيْصَرُ وَأَضَافَ: «رُبَّمَا».
ابْتَسَمَ قَيْصَرُ كَمَا لَوْ كَانَ لَا يَهْتَمُّ، ثُمَّ تَحَدَّثَ مَعَ مِيخَائِيل: «لُومُونُوسُوف، هَلْ يُمْكِنُنَا التَّحَدُّثُ لِقَلِيلٍ مِنَ الْوَقْتِ؟».
بَيْنَمَا تَوَجَّهَ قَيْصَرُ وَمِيخَائِيل إِلَى قَاعَةِ مُؤْتَمَرَاتٍ مُنْفَصِلَةٍ بِمُفْرَدِهِمَا، جَلَسَ لِي وُون وَدِمِيتْرِي فِي مُوَاجَهَةِ بَعْضِهِمَا الْبَعْضِ فِي غُرْفَةٍ أُخْرَى. أَخْرَجَ دِمِيتْرِي سِيجَارَةً بِتَعْبِيرٍ مُسْتَرْخٍ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي فَمِهِ وَنَفَثَ الدُّخَانَ مَعَ أَنِينٍ خَفِيفٍ. ابْتَسَمَ دِمِيتْرِي بِسَعَادَةٍ وَهُوَ يُوَاجِهُ لِي وُون وَالطَّاوِلَةُ بَيْنَهُمَا.
«هَلْ ضَرَبْتَ بِقُوَّةٍ؟».
لَقَدْ أَطَالَ الْحَدِيثَ عَمْدًا لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ. أَجَابَ لِي وُون دُونَ أَيِّ تَعْبِيرٍ عَلَى وَجْهِهِ: «لَا، سَأُمْسِكُ بِكَ مِنْ جَدِيدٍ».
أَمَامَ ذَلِكَ، انْفَجَرَ دِمِيتْرِي ضَاحِكًا.
«هَكَذَا إِذَنْ. لَقَدْ نَجَوْتَ بِالْكَادِ، لَكِنْ بَدَا حَقًّا أَنَّكَ كُنْتَ عَلَى وَشْكِ الْمَوْتِ». ابْتَسَمَ دِمِيتْرِي فِي وَجْهِ لِي وُون الَّذِي لَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
«لَوْ كُنْتُ صَادِقًا، لَمَا تَرَكْتُ لَكَ حَتَّى قِطْعَةَ عَظْمٍ وَاحِدَةٍ. اشْكُرْنِي لِأَنَّكَ تَسْتَطِيعُ الْعَيْشَ لِفَتْرَةٍ أَطْوَلَ قَلِيلًا».
«أَتَعْتَقِدُ ذَلِكَ حَقًّا؟».
تَوَقَّفَ دِمِيتْرِي أَمَامَ الصَّوْتِ الْمُفَاجِئِ لِإِرَادَتِهِ الصَّلْبَةِ فِي الْحَدِيثِ وَنَظَرَ إِلَى لِي وُون، ثُمَّ سَأَلَ بِوَجْهٍ خَالٍ مِنَ التَّعَابِيرِ.
«سَمِعْتُ أَنَّ هَذِهِ الْخُطَّةَ هِيَ مَوْقِعُ بِنَاءٍ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ دِمِيتْرِي وَقَيْصَرُ». «نَعَمْ، لِلْإِيقَاعِ بِالْمُعَارَضَةِ».
كَانَ صَوْتُ دِمِيتْرِي غَطْرِيسًا، كَمَا لَوْ كَانَ يَقُولُ: “لَقَدِ اخْتَرْتُ هَذَا لِنَفْسِي، لَيْسَ لَكَ”. أَضَافَ لِي وُون بِوَجْهٍ بَارِدٍ:
«لَكِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ الْأَمْرَ كَانَ فَوْضَوِيًّا لِلْغَايَةِ». «مَاذَا؟».
عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ دِمِيتْرِي الَّذِي نَهَضَ عَلَى قَدَمَيْهِ بِسُرْعَةٍ، وَاصَلَ لِي وُون الْحَدِيثَ بِبِلَادَةٍ:
«عَلَى أَيِّ حَالٍ، يَبْدُو أَنَّ الْجُهْدَ قَدْ بُذِلَ، لِذَلِكَ لَنْ أَتَحَدَّثَ أَكْثَرَ عَنِ الْمَاضِي. وَلَكِنْ…» وَضَعَ لِي وُون مَسَافَةً عَمْدًا بَيْنَ كَلِمَاتِهِ.
«فِي الْمُسْتَقْبَلِ، سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ دِقَّةً عِنْدَمَا تَقُومُ بِتَزْيِينِ عَمَلِكَ. لَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ نَفْسُهُ هُنَا».
سَخِرَ دِمِيتْرِي بِاخْتِصَارٍ، كَمَا لَوْ كَانَ مُسْتَشِيطًا غَضَبًا. وَمَعَ ذَلِكَ، فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي سَمِعَ فِيهَا الْكَلِمَاتِ التَّالِيَةَ مِنْ لِي وُون، اخْتَفَتِ الِابْتِسَامَةُ عَنْ وَجْهِهِ.
«لَدَيْكَ الْكَثِيرُ مِنَ الثَّرْوَاتِ الْمَخْفِيَّةِ، السَّيِّدُ دِمِيتْرِي. هَلْ لَدَيْكَ أَمْوَالٌ وَعَقَارَاتٌ شَكَّلْتَهَا خِلَالَ فَتْرَةِ عَمَلِكَ فِي الـ KGB؟ أُصُولٌ مَخْفِيَّةٌ فِي سُوِيسْرَا وَأَلْمَانِيَا، وَأَرَاضٍ فِي فَرَنْسَا وَالْيَابَانِ؟». ضَيَّقَ لِي وُون عَيْنَيْهِ.
«حَتَّى إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ النَّادِيَ السِّرِّيَّ الَّذِي تُدِيرُهُ هَذِهِ الْمُنَظَّمَةُ يَقُومُ بِتِجَارَةِ الْمُخَدَّرَاتِ غَيْرِ الْمَشْرُوعَةِ وَالدَّعَارَةِ». «بِهَذَا الْقَدْرِ؟».
نَظَرَ دِمِيتْرِي إِلَى لِي وُون فِي صَمْتٍ. كَانَ الْأَمْرُ كَمَا لَوْ أَنَّهُ يَسْأَلُهُ كَيْفَ عَرَفَ ذَلِكَ. فَتَحَ لِي وُون فَمَهُ بِرَسْمِيَّةٍ شَدِيدَةٍ، مُسْتَبْعِدًا كُلَّ الْعَوَاطِفِ.
«لَيْسَ لَدَيْكَ أَيُّ فِكْرَةٍ عَنْ سَبَبِ بَقَائِي هُنَا مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ؟» ضَحِكَ دِمِيتْرِي بَيْنَ أَسْنَانِهِ.
«لِأَنَّكَ جَبَانٌ». «خَاطِئٌ».
وَاصَلَ لِي وُون الْحَدِيثَ بِصَوْتٍ صَرِيحٍ:
«لِأَنَّنِي امْتَلَكْتُ كُلَّ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا. بَيَانَاتٌ عَنِ الْأَمْوَالِ غَيْرِ الْمَشْرُوعَةِ، وَتَحْقِيقٌ فِي خَلْفِيَّاتِ الْأَشْخَاصِ النَّافِذِينَ، وَالْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ».
اخْتَفَتِ ابْتِسَامَةُ دِمِيتْرِي، فَأَضَافَ لِي وُون:
«لِلْعِلْمِ فَقَطْ، هُنَاكَ بَيَانَاتٌ عَنِ الْعُمْرِ الَّذِي كَانَ فِيهِ دِمِيتْرِي عِنْدَمَا بَدَأَ يَرْتَدِي الْحَفَّاضَاتِ». بَيْنَمَا كَانَ تَعْبِيرُ دِمِيتْرِي يَتَصَلَّبُ، بَدَأَ وَجْهُ لِي وُون يَبْتَسِمُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
«ظَنَنْتُ أَنَّكَ خُنْتَ قَيْصَرُ، لِذَلِكَ أَعْدَدْتَ انْتِقَامَكَ الْخَاصَّ، لَكِنَّنِي سَأَتْرُكُ هَذَا جَانِبًا فِي الْوَقْتِ الْحَالِيِّ. حَتَّى لَوْ لَمْ أَكُنْ قَدْ أَدَّيْتُ عَمَلِي بِشَكْلٍ صَحِيحٍ، لَكَانَ الْأَمْرُ قَدْ تَطَلَّبَ جُهْدًا شَاقًّا».
فَتَحَ لِي وُون فَمَهُ مُخَاطِبًا الشَّخْصَ الَّذِي لَمْ يَقُلْ شَيْئًا: «لَكِنْ فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ، سَيَكُونُ مِنَ الْأَفْضَلِ الْعَمَلُ دُونَ أَخْطَاءٍ».
ابْتَسَمَ دِمِيتْرِي بِخُبْثٍ أَمَامَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَضَافَهَا، كَمَا لَوْ كَانَ يَفْهَمُ كُلَّ شَيْءٍ. لَكِنَّ عَيْنَيْهِ لَمْ تَكُنْ تَبْتَسِمَانِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
«سَأَقْتُلُكَ يَوْمًا مَا».
أَجَابَ لِي وُون بِلُطْفٍ: «قَرِيبًا سَتُصْبِحُ مُفْلِسًا».
نَهَضَ دِمِيتْرِي بِوَجْهِهِ الْمُتَصَلِّبِ بِقَفْزَةٍ مِنْ مَقْعَدِهِ. وَبَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنَ الصَّالَةِ بِخُطُوَاتٍ عَنِيفَةٍ، دَخَلَ شَخْصٌ آخَرُ إِلَى غُرْفَةِ الْمَعِيشَةِ.
«لِمَاذَا عَمِلْتَ بِكُلِّ هَذَا الْجُهْدِ؟».
عِنْدَمَا رَأَى لِيُونِيد يُصَفِّرُ بِاخْتِصَارٍ، أَشَارَ إِلَيْهِ لِي وُون بِوَجْهٍ خَالٍ مِنَ التَّعَابِيرِ: «أَلَيْسَ مِنَ الْوَقَاحَةِ التَّسَمُّعُ عَلَى حَدِيثِ شَخْصٍ آخَرَ؟». «الِاسْتِمَاعُ سِرًّا هُوَ غَرِيزَةُ الْقَنَّاصِ. أَنَا عَبْقَرِيٌّ».
ابْتَسَمَ لِيُونِيد بِسَعَادَةٍ عِنْدَمَا نَظَرَ إِلَيْهِ لِي وُون كَمَا لَوْ كَانَ مُنْزَعِجًا.
«عَلَى أَيِّ حَالٍ، حَسَنًا، يَبْقَى الْحُزْنُ فِي عَيْنَيْ لُومُونُوسُوف-سَان. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، لَنْ أُخَيِّبَ ظَنَّكَ، أَنَا أُعْجِبُكَ كَثِيرًا». «أَنَا سَعِيدٌ لِأَنَّ ذَلِكَ أَعْجَبَكَ».
ضَحِكَ لِيُونِيد بِصَوْتٍ عَالٍ أَمَامَ رَدَّةِ الْفِعْلِ الْوَاضِحَةِ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ شَيْئًا لَمْ يُعْجِبْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَسْنَدِ الْأَرِيكَةِ حَيْثُ كَانَ يَجْلِسُ لِي وُون.
«خُذْ هَذَا».
أَخْرَجَ لِيُونِيد شَيْئًا مِنْ جَيْبِهِ وَقَدَّمَهُ لَهُ. فُوجِئَ لِي وُون وَقَبِلَهُ. كَانَتْ بِطَاقَةَ عَمَلٍ شَخْصِيَّةً مَطْبُوعَةً بِوَرَقِ الذَّهَبِ عَلَى أَرْقَى أَنْوَاعِ الْوَرَقِ اللُّؤْلُؤِيِّ.
[ لِيُونِيد. أَفْضَلُ قَنَّاصٍ. سَأَقْتُلُ أَيَّ شَخْصٍ. الْبَرِيدُ الْإِلِكْتُرُونِيُّ: killukillu@gmail.com ] بِالْنسبَةِ لِي وُون، الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ إِلَى بِطَاقَةِ التَّعْرِيفِ دُونَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةً، أَشَارَ لِيُونِيد بِفَخْرٍ إِلَى رَقْمِ الْهَاتِفِ الْمَحْمُولِ الْمَكْتُوبِ فِي الْجُزْءِ الْخَلْفِيِّ.
«أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَحْصُلُ عَلَى هَذَا الرَّقْمِ. فِي أَيِّ وَقْتٍ وَفِي أَيِّ مَكَانٍ، إِذَا احْتَجْتَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ، اتَّصِلْ بِي».
عِنْدَمَا رَفَعَ لِي وُون رَأْسَهُ، أَضَافَ بِثِقَةٍ: «سَأَقْتُلُ أَيَّ أَحَدٍ».
نَظَرَ لِي وُون إِلَى ظَهْرِ لِيُونِيد بَعْدَ أَنْ سَارَ بَعِيدًا، وَفَكَّرَ مَعَ عَقْدِ حَاجِبَيْهِ:
“لِمَاذَا يُوجَدُ حَوْلِي هَذَا الْعَدَدُ الْكَبِيرُ مِنَ الْأَشْخَاصِ التَّوَّاقِينَ لِقَتْلِ الْآخَرِينَ؟”
الثَّلْجُ، الَّذِي لَمْ يَتَوَقَّفْ لِفَتْرَةٍ، تَوَقَّفَ لِلَحْظَةٍ. وَبِفَضْلِ هَذَا، اسْتَمَرَّتِ الطَّائِرَاتُ الْمُلْغَاةُ فِي الْعَمَلِ بِنَشَاطٍ فِي الْمَطَارِ. كَانَ أَعْضَاءُ الْعِصَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ فِي الْمَطَارِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ نَافِدِي الصَّبْرِ وَهُمْ يَتَحَقَّقُونَ مِنْ وَقْتِ الْوُصُولِ دُونَ الِاهْتِمَامِ بِنَظَرَاتِ النَّاسِ.
«آه!».
عِنْدَ نِدَاءِ شَخْصٍ مَا، الْتَفَتَ الْجَمِيعُ بِنَظَرَاتِهِمْ نَحْوَ مَكَانٍ وَاحِدٍ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، وَأَسْرَعَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ نَحْوَ الْأَمَامِ.
«سَاشَا، كَيْفَ حَالُكَ؟».
فَتَحَ سَاشَا فَمَهُ بِوَجْهٍ خَالٍ مِنَ التَّعَابِيرِ نَحْوَ يُورِي، الَّذِي كَانَ قَدْ أَمَالَ رَأْسَهُ بِخَجَلٍ.
«مَاذَا يَحْدُثُ هُنَا، أَيُّهَا الْجَمِيعُ؟».
نَظَرَ الْجَمِيعُ إِلَى بَعْضِهِمُ الْبَعْضِ وَأَجَابُوا عَلَى الصَّوْتِ تَقْرِيبًا دُونَ تَقَلُّبَاتٍ، كَصَوْتٍ آلِيٍّ: «أَنَا هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُ لِاصْطِحَابِكَ».
نَظَرَ إِلَيْهِ سَاشَا بِنَظْرَةٍ بَارِدَةٍ، مِمَّا جَعَلَهُ يَتَوَتَّرُ أَمَامَ الشُّعُورِ الَّذِي لَا يُوصَفُ بِالتَّهْدِيدِ.
«هَذَا رَائِعٌ».
تَارِكًا كَلِمَةً قَصِيرَةً، وَاصَلَ التَّقَدُّمَ إِلَى الْأَمَامِ بِحَمَاسٍ. رَجُلٌ يَرْتَدِي بَدْلَةً أَنِيقَةً، مُشَطَّرًا شَعْرَهُ الْفِضِّيَّ الرَّمَادِيَّ بِعِنَايَةٍ، كَانَ يَضَعُ رُقْعَةً سَوْدَاءَ فَوْقَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ. رَجُلٌ يَحْمِلُ مِعْطَفًا عَلَى ذِرَاعٍ وَاحِدَةٍ وَيَمْشِي بِخُطُوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَحَشْدٌ مِنَ الْبَدَلَاتِ السَّوْدَاءِ يُطَارِدُونَهُ، أَظْهَرُوا الْفُضُولَ وَالْخَوْفَ وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ إِبْعَادِ أَعْيُنِهِمْ عَنْهُ.
بَعْدَ الرُّكُوبِ فِي سَيَّارَةِ السِّيدَانِ الَّتِي كَانَ سَاشَا يَنْتَظِرُهَا، رَكَضَ أَعْضَاءُ الْمُنَظَّمَةِ الَّذِينَ انْحَنَوْا بِرُؤُوسِهِمْ بِانْسِجَامٍ نَحْوَ السَّيَّارَةِ الَّتِي خَلْفَهُمْ. بَعْدَ قَلِيلٍ، اسْتَمَرَّتْ سَيَّارَةُ السِّيدَانِ الَّتِي كَانَ فِيهَا سَاشَا فِي التَّحَرُّكِ، تَلِيهَا سِلْسِلَةٌ مِنَ السَّيَّارَاتِ السَّوْدَاءِ ذَاتِ الْحَجْمِ الْمُتَوَسِّطِ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَجْلِسُ مَعَ تَقَاطُعِ سَاقَيْهِ وَمُنْغَمِسًا فِي الْجُزْءِ الْخَلْفِيِّ مِنَ السِّيدَانِ، نَظَرَ يُورِي بِنَفَاذِ صَبْرٍ إِلَى جَانِبِ وَجْهِ سَاشَا.
«هَيْ، سَاشَا. أَنَا مُتَأَكِّدٌ مِمَّا سَمِعْتَهُ عِنْدَمَا جِئْتَ، وَلَكِنْ…».
«لِمَاذَا هَكَذَا؟».
اسْتَنَدَ سَاشَا إِلَى مَقْعَدِهِ مَعَ إِغْلَاقِ عَيْنَيْهِ وَوَاصَلَ الْحَدِيثَ.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!