«آه، هَـ..ـذَا كَـ..ـيْفَ؟!».
تَمْتَمَ تُوتْشِيف بِتَلَعْثُمٍ وَهُوَ يَتَرَاجَعُ بَيْنَ طَيَّاتِ ارْتِبَاكِهِ. وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي الْتَقَتْ فِيهَا أَعْيُنُهُمَا، ابْتَسَمَ قَيْصَرُ بِبُرُودٍ، فَجَمَدَتْ أَجْوَاءُ قَاعَةِ الْمُؤْتَمَرَاتِ فِي لَمْحِ الْبَصَرِ. وَأَمَامَ نَظَرَاتِ الْمَسْؤُولِينَ الَّذِينَ تَحَوَّلَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى اللَّوْنِ الشَّاحِبِ، سَحَبَ قَيْصَرُ كُرْسِيَّهُ وَجَلَسَ. رَاقَبَهُ الْمَدِيرُونَ وَهُمْ يَحْبِسُونَ أَنْفَاسَهُمْ، فَمَدَّ ذِرَاعَهُ بِبُطْءٍ لِيَسْتَنِدَ إِلَى مَسْنَدِ الْكُرْسِيِّ ثُمَّ فَتَحَ فَمَهُ:
«الْآنَ، هَلْ نَبْدَأُ الِاجْتِمَاعَ مُجَدَّدًا؟». نَظَرَ قَيْصَرُ إِلَى الْمَسْؤُولِينَ لِوَهْلَةٍ.
«أَلَمْ يَكُنْ جَدْوَلُ أَعْمَالِ الْيَوْمِ هُوَ تَغْيِيرَ الْخَلِيفَةِ؟».
كَتَمَ الْمَسْؤُولُونَ أَنْفَاسَهُمْ أَمَامَ هَذَا الْهَمْسِ الصَّامِتِ. وَمَعَ غِيَابِ أَيِّ دَعْمٍ، لَمْ يَكُنْ أَمَامَ تُوتْشِيف سِوَى مُحَاوَلَةِ إِنْقَاذِ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، فَنَهَضَ عَلَى عَجَلٍ وَأَصَرَّ قَائِلاً:
«هُنَاكَ لُعْبَةٌ ذَكِيَّةٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ! وَإِلَّا، كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْمَيِّتِ أَنْ يَظْهَرَ هُنَا؟».
فَتَحَ قَيْصَرُ فَمَهُ بِصَوْتٍ رَزِينٍ غَيْرِ مُبَالٍ أَمَامَ الْحَرَكَةِ الصَّاخِبَةِ حَوْلَهُ:
«هَلْ تَعْلَمُ مَا هُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَعَلَّمْتُهُ عِنْدَمَا تَلَقَّيْتُ تَدْرِيبِي كَخَلِيفَةٍ؟». انْسَلَّتْ سُخْرِيَةٌ خَفِيفَةٌ بَيْنَ شَفَتَيْ قَيْصَرُ.
«أَنْ أَتَأَكَّدَ فَقَطْ مِنْ أَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ أُزْهِقَتْ أَنْفَاسُهُ تَمَامًا».
فِي لَحْظَةٍ، انْقَلَبَ كُلُّ شَيْءٍ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ. وَالْمَسْؤُولُونَ الَّذِينَ تَعَاطَفُوا مَعَ تُوتْشِيف سُرْعَانَ مَا تَصَلَّبَتْ تَعَابِيرُهُمْ خَوْفًا وَلَمْ يَعُودُوا يَدْرُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ.
«لَقَدْ خَدَعَنَا دِمِيتْرِي…!».
أَمَامَ كَلِمَاتِ أَحَدِهِمْ، انْضَمَّ الْجَمِيعُ بِسُرْعَةٍ وَتَمْتَمُوا كَصَوْتٍ وَاحِدٍ:
«أَيُّهَا الْقَيْصَرُ، لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ! نَحْنُ أَبْرِيَاءُ تَمَامًا!».
«دِمِيتْرِي هُوَ مَنِ اخْتَرَعَ هَذَا بِالنِّيَابَةِ عَنْ نَفْسِهِ! شَيْءٌ لَمْ نَكُنْ لِنَعْلَمَهُ أَبَدًا، حَقًّا!».
«دِمِيتْرِي لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا الْيَوْمَ، يَجِبُ أَنْ نَقْبِضَ عَلَى دِمِيتْرِي!».
«إِنَّهُمْ جِرْذَانٌ…!».
شَدَّ تُوتْشِيف عَلَى أَسْنَانِهِ أَمَامَ هَؤُلَاءِ الْمَسْؤُولِينَ الَّذِينَ سُرْعَانَ مَا خَانُوهُ وَدَخَلُوا فِي حَالَةٍ مِنَ الذُّعْرِ. “رِجَالٌ بِلَا فَائِدَةٍ. إِذَا فَعَلْتُمْ هَذَا، فَسَأُبِيدُكُمْ جَمِيعًا”.
«إِلَى الْأَمَامِ!».
وَقَفَ تُوتْشِيف فَجْأَةً وَصَرَخَ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، فُتِحَتِ الْجُدْرَانُ هُنَا وَهُنَاكَ، وَوَجَّهَ نَحْوُ دَزِينَةٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْعِصَابَةِ الْمُسَلَّحِينَ أَسْلِحَتَهُمْ نَحْوِهِمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً. وَعِنْدَمَا رَأَى تُوتْشِيف الْمَسْؤُولِينَ يَنْظُرُونَ بِذُعْرٍ دُونَ مَعْرِفَةِ مَا يَفْعَلُونَ، شَعَرَ بِتَحَسُّنٍ قَلِيلٍ.
«الْآنَ، لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَا يُمْكِنُكُمْ فِعْلُهُ. لَقَدْ حَاوَلْتُ تَسْوِيَةَ الْأُمُورِ سِلْمِيًّا، لَكِنَّنِي انْتَهَيْتُ إِلَى هُنَا…».
أَخْرَجَ مُسَدَّسًا مِنْ جَيْبِهِ. حَاوَلَ الْمَسْؤُولُونَ التَّحَرُّكَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، لَكِنَّ صَوْتَ أَسْلِحَةِ الْأَعْضَاءِ الْمُوَجَّهَةِ نَحْوَهُمْ أَجْبَرَهُمْ عَلَى إِعَادَةِ أَيْدِيهِمْ فَوْقَ مَسَانِدِ الْكَرَاسِيِّ.
«بِمَا أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ وَصَلَ إِلَى هُنَا، فَلَا يَهُمُّ إِنْ كُنْتُمْ سَتَعِيشُونَ أَوْ تَمُوتُونَ». نَظَرَ تُوتْشِيف إِلَى قَيْصَرُ وَابْتَسَمَ بِشُحُوبٍ.
“مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ أَقْتُلَ الْجَمِيعَ هُنَا وَأَتَوَلَّى قِيَادَةَ الْمُنَظَّمَةِ. كُلُّ الْأَشْيَاءِ الْمُزْعِجَةِ سَتَخْتَفِي، وَسَأَتَخَلَّصُ مِنْ كُلِّ مَنْ يُسَبِّبُ الْقَلَقَ فِي هَذَا الْمَكَانِ…!”.
فِي الْبِدَايَةِ، وُجِّهَتِ الْفُوَّهَاتُ نَحْوَ سَاشَا وَقَيْصَرُ. «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ نَتَخَلَّصَ مِنْهُ أَوَّلاً؟».
سَأَلَ تُوتْشِيف بِسَعَادَةٍ، مُسْتَهْدِفًا أَحَدَ الرِّجَالِ الْأَثْرِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً. “أَجَلْ، سَيَعْجِبُ هَذَا سَاشَا… لِنَتْرُكْ قَيْصَرُ لِلنِّهَايَةِ. بِالتَّأْكِيدِ سَأَرَى الرُّعْبَ يَكْسُو ذَلِكَ الْوَجْهَ الْمُتَغَطْرِسَ”.
مُفَكِّرًا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَجَّهَ تُوتْشِيف سِلَاحَهُ فَوْرًا نَحْوَ سَاشَا.
سُمِعَتْ طَقْطَقَةٌ عَالِيَةٌ. لَقَدْ تَمَّ تَحْرِيرُ صِمَامِ الْأَمَانِ، وَفِي هَذَا الصَّمْتِ الْخَانِقِ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سِوَى صَوْتِ مُسَدَّسِ تُوتْشِيف الْمُوَجَّهِ نَحْوَ سَاشَا. ابْتَسَمَ تُوتْشِيف بِخُبْثٍ:
«وَدَاعًا، سَاشَا. لَقَدْ عَمِلْتَ بِجِدٍّ طَوَالَ هَذَا الْوَقْتِ. سَأَقْتُلُكَ عَلَى طَرِيقَةِ سِيرْجِيف». وبَيْنَمَا كَانَ الْمَسْؤُولُونَ يَقِفُونَ مَذْعُورِينَ، وَجَّهَ تُوتْشِيف الْمُسَدَّسَ نَحْوَ مُنْتَصَفِ جَبْهَتِهِ. كُلُّ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ هُوَ الضَّغْطُ عَلَى الزِّنَادِ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي انْتَظَرَهَا طَوِيلاً، غَضِبَ تُوتْشِيف لِدَرَجَةِ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ قَادِرًا عَلَى التَّنَفُّسِ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ.
*طَـانْـقْ—*
سُمِعَ دَوِيٌّ قَوِيٌّ، لَيْسَ فَقَطْ لِلْمَسْؤُولِينَ، بَلْ حَتَّى أَعْضَاءُ الْعِصَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا يُوَجِّهُونَ أَسْلِحَتَهُمْ تَصَلَّبُوا وَنَظَرُوا. لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ عِلَامَاتٍ عَلَى سَاشَا، وَلَا قَطْرَةُ دَمٍ وَاحِدَةٍ. وَعِنْدَمَا أَدَارَ الْجَمِيعُ رُؤُوسَهُمْ بِدَهْشَةٍ، رَأَوْا دَزِينَاتٍ مِنَ الْقَنَّاصَةِ يُصَوِّبُونَ مُبَاشَرَةً نَحْوَ قَاعَةِ الْمُؤْتَمَرَاتِ مِنْ سَقْفِ الْمَبْنَى الْمُقَابِلِ.
حَاوَلَ بَعْضُ أَعْضَاءِ الْمُنَظَّمَةِ الْمُفَاجَئِينَ تَوْجِيهَ أَسْلِحَتِهِمْ، لَيْسَ نَحْوَ الْمَسْؤُولِينَ، بَلْ نَحْوَ الْقَنَّاصَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنُوا حَتَّى مِنَ الْمُحَاوَلَةِ، سَقَطَ أَعْضَاءُ الْمُنَظَّمَةِ مُضَرَّجِينَ بِدِمَائِهِمْ مَعَ صَوْتِ تَحَطُّمِ النَّوَافِذِ هُنَا وَهُنَاكَ. وَرَأَى تُوتْشِيف ذَلِكَ أَمَامَ عَيْنَيْهِ مُبَاشَرَةً؛ مَوْتُ وَحْدَةِ النُّخْبَةِ الَّتِي خَدَمَتْهُ بِأَعْلَى الْأَثْمَانِ.
لَكِنَّ الْكَابُوسَ لَمْ يَنْتَهِ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ. بَيْنَمَا كَانَ يَتَرَدَّدُ خِزْيًّا، فَتَحَ الرِّجَالُ الَّذِينَ دَخَلُوا عَبْرَ الْبَابِ النَّارَ عَمْدًا وَبِعَشْوَائِيَّةٍ. سَقَطَ أَعْضَاءُ الْعِصَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا يُهَدِّدُونَهُمْ عَلَى رُكَبِهِمْ فِي لَحْظَةٍ، وَتَغَيَّرَ الْمَوْقِفُ عَلَى الْفَوْرِ. كَانَ الْمَسْؤُولُونَ يَصْرُخُونَ هُنَا وَهُنَاكَ، مُسْتَلْقِينَ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَوْ تَعَرَّضُوا لِإِطْلَاقِ النَّارِ بَيْنَمَا كَانُوا يُحَاوِلُونَ الْفِرَارَ.
بَعْدَ جَوْلَةٍ مِنَ الْقَنْصِ، خَيَّمَ الصَّمْتُ عَلَى قَاعَةِ الْمُؤْتَمَرَاتِ. وَمِنْ خَلْفِ جَيْشِ الْقَنَّاصَةِ وَأَعْضَاءِ عِصَابَةِ لُومُونُوسُوف الَّذِينَ كَانُوا يَقِفُونَ خَلْفَهُ، تَحَدَّثَ قَيْصَرُ:
«كُلُّ الْخَوَنَةِ سَيُعْدَمُونَ عَلَى طَرِيقَةِ سِيرْجِيف».
وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، دَوَتْ طَلَقَاتٌ نَارِيَّةٌ مُرْعِبَةٌ، فَصَرَخَ الْمَسْؤُولُونَ هُنَا وَهُنَاكَ وَسَالَتْ دِمَاؤُهُمْ وَسَقَطُوا عَلَى الْأَرْضِ. وَالْمَسْؤُولُونَ الَّذِينَ نَجَوْا مِنَ الرَّصَاصِ صَرَخُوا دَهْشَةً وَاخْتَبَئُوا تَحْتَ الْمَكَاتِبِ. وَلَمْ يَتَوَقَّفْ إِطْلَاقُ النَّارِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ مَزَّقَ الرَّصَاصُ الْمَصْبُوبُ أَجْسَادَ كُلِّ الْخَوَنَةِ.
نَظَرَ قَيْصَرُ إِلَى الْوَجْهِ الْخَالِي مِنَ التَّعَابِيرِ لِتُوتْشِيف الَّذِي سَقَطَ عِنْدَ قَدَمَيْهِ وَهُوَ يَنْزِفُ بِغَزَارَةٍ. قَيْصَرُ، الَّذِي سَحَبَ مُسَدَّسَ الْـ Glock مِنْ بَيْنِ طَيَّاتِ ثِيَابِهِ، أَطْلَقَ رَصَاصَةً أَخِيرَةً عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْكُرْسِيِّ. قَفَزَ جَسَدُ تُوتْشِيف مَعَ صَوْتٍ مَكْتُومٍ، ثُمَّ تَوَقَّفَ عَنِ الْحَرَكَةِ.
كَانَ سَاشَا يَجْلِسُ هَادِئًا، يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِثَبَاتٍ. وَعِنْدَمَا تَوَقَّفَ إِطْلَاقُ النَّارِ وَقَلَّ الدُّخَانُ، أَدَارَ رَأْسَهُ جَانِبًا لِيَرَى ابْنَهُ الَّذِي نَضِجَ. ضَيَّقَ سَاشَا إِحْدَى عَيْنَيْهِ:
«هَلْ سَارَ كُلُّ شَيْءٍ وَفْقًا لِسِيناريُوهِكَ؟». أَجَابَ قَيْصَرُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ:
«يَجِبُ وَضْعُ النَّبِيذِ الْجَدِيدِ فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ».
«هَلْ هَذَا يَعْنِي أَنَّ الْمُنَظَّمَةَ الْجَدِيدَةَ سَتَحْظَى بِإِدَارَةٍ تَنْفِيذِيَّةٍ جَدِيدَةٍ؟». ظَهَرَتِ ابْتِسَامَةٌ سَعِيدَةٌ عَلَى شَفَتَيْ سَاشَا.
«سَيَتَعَيَّنُ عَلَيَّ الِانْتِظَارُ لِأَرَى أَيَّ نَوْعٍ مِنْ سِيرْجِيف سَتَقُومُ بِإِنْشَائِهِ».
مَعَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، نَهَضَ سَاشَا مِنْ مَقْعَدِهِ. فَتَحَ فَمَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى ابْنِهِ الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ جَالِسًا فِي مَكَانِهِ: «لَنْ تَكُونَ هُنَاكَ حَاجَةٌ لِحَفْلِ تَتْوِيجٍ».
أَلْقَى سَاشَا مِعْطَفَهُ عَلَى ذِرَاعٍ وَاحِدَةٍ وَمَشَى بِجَانِبِ قَيْصَرُ، حَيْثُ كَانَتِ الْأَرْضُ مُخَضَّبَةً بِالدِّمَاءِ. كُلُّ مَا فَعَلَهُ هُوَ الطَّبْطَبَةُ عَلَى كَتِفِ ابْنِهِ أَثْنَاءَ مُرُورِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ كَافِيًا.
فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، حَدَثَ تَغْيِيرٌ جِيلِيٌّ صَغِيرٌ لَكِنَّهُ كَبِيرٌ دَاخِلَ سِيرْجِيف. وَفِي خِلَالِ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةِ، تَحَوَّلَ مُعْظَمُ الْمَسْؤُولِينَ التَّنْفِيذِيِّينَ فِي مُنَظَّمَةِ سِيرْجِيف إِلَى جُثَثٍ، وَتَمَّ مَلْءُ الْمَنَاصِبِ الْفَارِغَةِ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا فِي الْيَوْمِ التَّالِي.
وُضِعَتْ أَخْبَارُ النِّهَايَةِ مَعَ بَعْضِ النَّعْيِ الصَّغِيرِ فِي زَاوِيَةٍ مِنَ الصَّحِيفَةِ الْمَحَلِّيَّةِ.
بَعْدَ الْأَنْبَاءِ الَّتِي أَفَادَتْ بِأَنَّ خِلَافَةَ سِيرْجِيف قَدِ اكْتَمَلَتْ بِأَمَانٍ، كَانَتْ كُلُّ مُنَظَّمَةٍ مَشْغُولَةً بِإِرْسَالِ أَكَالِيلِ الزُّهُورِ وَالْهَدَايَا. تَكَدَّسَتِ الصَّنَادِيقُ فِي الْمَكْتَبِ وَلَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مُتَّسَعٌ لِوَضْعِهَا، لِذَلِكَ تَبَعْثَرَتْ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْمَمَرِّ.
عِنْدَ سَمَاعِ الْأَخْبَارِ مِنْ لِيف، شَرِبَ مِيخَائِيل الشَّايَ دُونَ أَنْ يَقُلْ كَلِمَةً وَبَدَأَ يُفَكِّرُ. “لَقَدْ فَعَلَهَا حَقًّا…”.
وَفَجْأَةً، تَذَكَّرَ الْمَاضِي.
فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي عَادَ فِيهِ إِلَى لُومُونُوسُوف مِنْ بَيْنِ الْأَمْوَاتِ، قَدَّمَ قَيْصَرُ عَرْضًا مُذْهِلًا: «هَلْ تَحْتَاجُ إِلَى جَيْشِ لُومُونُوسُوف؟».
أَمَامَ سُؤَالِ مِيخَائِيل الشَّاكِّ، أَوْمَأَ قَيْصَرُ بِرَأْسِهِ لِوَهْلَةٍ.
«الْآنَ بَعْدَ أَنْ حَدَّدْنَا الْخَوَنَةَ، كُلُّ مَا تَبَقَّى هُوَ الْعِقَابُ». نَظَرَ إِلَيْهِ مِيخَائِيل مَعَ ابْتِسَامَةٍ بَارِدَةٍ عَلَى شَفَتَيْهِ وَسَأَلَ:
«إِذَنْ، مَا الَّذِي سَأَسْتَفِيدُهُ أَنَا؟». ضَيَّقَ قَيْصَرُ عَيْنَيْهِ.
«إِنَّهُ شَيْءٌ لَا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ فِي هَذَا الْعَالَمِ. وَبِالطَّبْعِ، قِيمَةُ الْمُنْتَجِ كَافِيَةٌ جِدًّا».
«مَا هُوَ؟».
مُخَاطِبًا مِيخَائِيل الَّذِي سَأَلَهُ مِرَارًا، قَدَّمَ قَيْصَرُ الْمُسْتَنَدَاتِ الَّتِي أَحْضَرَهَا مَعَهُ. قَالَ قَيْصَرُ بَيْنَمَا كَانَ مِيخَائِيل يَنْظُرُ إِلَى الدَّاخِلِ مَعَ عَقْدِ حَاجِبَيْهِ:
«كُلُّ هَذَا هُوَ مُلْكِيَّةُ بِيرْدِيَاف».
تَرَكَ مِيخَائِيل الْأَوْرَاقَ، وَكُلُّ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ هُوَ النَّظَرُ نَحْوَ زَاوِيَةِ الْمَكْتَبِ. كَانَتْ هُنَاكَ مَسْحَةٌ مِنَ الِاسْتِغْرَابِ السَّاخِرِ عَلَى وَجْهِهِ.
«صَفْقَةٌ مُقَابِلَ إِعَادَةِ مَا قُمْتَ بِإِزَالَتِهِ؟ هَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّنِي سَأَقْبَلُ عَرْضًا مُثِيرًا لِلصَّدْمَةِ كَهَذَا؟». «بِالطَّبْعِ أَعْتَقِدُ أَنَّكَ سَتَفْعَلُ».
«وَلِمَاذَا؟».
ابْتَسَمَ قَيْصَرُ بِاسْتِرْخَاءٍ: «إِنَّهُ عَمَلُ ابْنِهِ».
تَغَيَّرَتْ تَعَابِيرُ مِيخَائِيل. وَاصَلَ قَيْصَرُ كَلِمَاتِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ حَوْلَهُ بِلُطْفٍ: «لَقَدْ مَلَأُوا كُلَّ الْمُسْتَنَدَاتِ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ قَرَارَ الْمَحْكَمَةِ. النَّتَائِجُ خَارِجَ نِطَاقِ كُلِّ شَكٍّ».
أَضَافَ قَيْصَرُ مُتَدَخِّلاً عَمْدًا: «بِالطَّبْعِ مَرَرْنَا بِالْإِجْرَاءَاتِ الْقَانُونِيَّةِ».
تَمْتَمَ مِيخَائِيل الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُسْتَنَدَاتِ فِي صَمْتٍ: «هَلْ لِي وُون هُوَ مَنْ فَعَلَ هَذَا…؟».
قَالَ قَيْصَرُ بِوَجْهٍ مَشُوبٍ بِالشَّكِّ لَكِنَّهُ مُشْرِقٌ:
«لَا أَنْوِي الْحِفَاظَ عَلَى عَلَاقَاتٍ وُدِّيَّةٍ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الصَّفْقَةِ فُرْصَةً، وَلَا أُقَدِّمُ هَذَا الْعَرْضَ لِهَذَا السَّبَبِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ عَلَاقَةَ التَّعَاوُنِ هَذِهِ هِيَ عَقْدٌ كَامِلٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ سَيَنْتَهِي هَذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ». سَأَلَهُ مِيخَائِيل وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِأَعْيُنٍ ضَيِّقَةٍ:
«هَلْ تَعْنِي أَنَّنِي أَقْدِرُ عَلَى إِرْسَالِ قَنَّاصٍ إِلَيْكَ مُجَدَّدًا؟».
أَجَابَ قَيْصَرُ سَرِيعًا عَلَى السُّؤَالِ الَّذِي كَانَ وَاضِحًا فِي ذِهْنِهِ: «حَسَنًا، أَنَا أَيْضًا سَأُرْسِلُهُ».
بَيْنَمَا كَانَ يَضْحَكُ مِنَ السُّخْفِ، كَانَ مِيخَائِيل يَعْلَمُ بِالْفِعْلِ مَنْ تَمَّ اخْتِيَارُهُ.
“رَجُلٌ مَجْنُونٌ”.
نَظَرَ لِيف بِإِخْلَاصٍ إِلَى وَجْهِهِ الَّذِي كَانَ يَبْتَسِمُ بِهُدُوءٍ. مِيخَائِيل الَّذِي كَانَ غَارِقًا فِي أَفْكَارِهِ بَيْنَمَا يَرْفَعُ كُوبَ الشَّايِ إِلَى فَمِهِ، تَمْتَمَ لِنَفْسِهِ:
«تَغْيِيرٌ جِيلِيٌّ».
كَانَتْ هُنَاكَ ابْتِسَامَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ عَلَى وَجْهِهِ: «يَجِبُ أَنْ أُفَكِّرَ فِي هَذَا».
«السَّيِّدُ لُومُونُوسُوف؟».
نَادَاهُ لِيف الَّذِي كَانَ مُتَفَاجِئًا دُونَ أَنْ يَدْرِي، لَكِنَّ مِيخَائِيل لَمْ يَقُلْ أَيَّ شَيْءٍ آخَرَ.
هَبَّتْ نَسَمَةُ رَبِيعٍ خَفِيفَةٍ مِنْ بَعِيدٍ. لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ الِاسْتِمْتَاعُ بِرَبِيعٍ خَاطِفٍ تَقْرِيبًا فِي مَدِينَةٍ شِمَالِيَّةٍ حَيْثُ الشِّتَاءُ طَوِيلٌ لِلْغَايَةِ وَالرَّبِيعُ قَصِيرٌ. وَبَيْنَمَا خَرَجَ النَّاسُ مِنْ جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ، خَلَعُوا مَلَابِسَهُمْ الثَّقِيلَةَ وَاسْتَمْتَعُوا بِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ، كَانَ لِي وُون يَرْكُضُ بِنَشَاطٍ فِي الشَّارِعِ بِخُطُوَاتٍ كَبِيرَةٍ. لَقَدْ تَأَخَّرَ.
انْقَطَعَتْ أَنْفَاسُهُ وَهُوَ يَرْكُضُ أَسْفَلَ الشَّارِعِ. كَانَ الْأَمْرُ مِثْلَ قِطَارٍ بِلَا فَائِدَةٍ؛ يَتَعَطَّلُ فَقَطْ عِنْدَمَا تَكُونُ مَشْغُولاً جِدًّا. كَمَا أَنَّهُ تَرَكَ قِسْمًا خَلْفَهُ.
لِي وُون، الَّذِي اخْتَارَ الرَّكْضَ بَدَلاً مِنْ اِنْتِظَارِ الْقِطَارِ التَّالِي، تَحَقَّقَ مِنَ الْوَقْتِ أَثْنَاءَ جَرْيِهِ. حَسَنًا، يُمْكِنُهُ قَطْعُ 10 أَمْتَارٍ فِي الثَّانِيَةِ. تَبًّا لِهَذَا!
مُحْبَطًا مِنَ الْحِسَابَاتِ الرِّيَاضِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الْفَائِدَةِ، رَكَضَ لِي وُون كَالْمَجْنُونِ. هَبَّتْ نَسَمَةُ رَبِيعٍ نَاعِمَةٍ بِرِفْقٍ حَوْلَهُ. وَفِي مَشْهَدِ الْمَبَانِي الَّتِي كَانَتْ تَمُرُّ سَرِيعًا، الْتَقَى فَجْأَةً بِرَجُلٍ خَرَجَ لِتَوِّهِ مِنَ السَّيَّارَةِ.
*أُوبْس.*
ضَغَطَ عَلَى الْمَكَابِحِ بِسُرْعَةٍ لِلَحْظَةٍ، لَكِنَّ الْوَقْتَ كَانَ قَدْ فَاتَ. تَعَثَّرَ لِي وُون إِلَى الْأَمَامِ بِكِلْتَا ذِرَاعَيْهِ وَسَقَطَ. هَذَا كُلُّ شَيْءٍ! وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَخَيَّلُ نَفْسَهُ يَصْتَدِمُ بِوَجْهِهِ مُبَاشَرَةً بِالطَّرِيقِ، قَفَزَ جَسَدُهُ فَجْأَةً وَأَحَاطَ شَخْصٌ مَا ذِرَاعَيْهِ حَوْلَ خَصْرِهِ.
«أُوه».
أَطْلَقَ الرَّجُلُ الَّذِي هَتَفَ مَازِحًا ضِحْكَةً فَوْقَ رَأْسِهِ. وَبَعْدَ تَنَهُّدَةِ ارْتِيَاحٍ، رَفَعَ لِي وُون رَأْسَهُ لِيَجِدَ الرَّجُلَ الْمُنْتَظِرَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ. كَانَ الشَّعْرُ الْأَشْقَرُ الْبَلَاتِينِيُّ الْمُتَوَهِّجُ فِي شَمْسِ الرَّبِيعِ مُذْهِلًا بِشَكْلٍ خَاصٍّ. وَعِنْدَمَا نَظَرَ إِلَيْهِ لِي وُون الَّذِي لَمْ يَكُنْ قَدْ تَعَافَى بَعْدُ مِنْ صَدْمَةِ الِارْتِطَامِ، ابْتَسَمَ قَيْصَرُ بِلُطْفٍ.
«دَائِمًا مَا تَرْمِي نَفْسَكَ بِكُلِّ جَسَدِكَ».
أَجَابَ لِي وُون بِبِلَادَةٍ كَالْمُعْتَادِ: «لِمَاذَا تَقِفُ دَائِمًا فِي طَرِيقِي؟».
انْفَجَرَ قَيْصَرُ ضَاحِكًا. أَعْضَاءُ الْعِصَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ جَفِلُوا، لَكِنَّهُ لَمْ يَهْتَمَّ لَهُمْ وَسَأَلَ:
«إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟ لَقَدِ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ». «أُوه، هَكَذَا إِذَنْ».
كَمَا لَوْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ سَارَ عَلَى مَا يُرَامُ، وَضَعَ لِي وُون مُجَلَّدَ الْمَلَفَّاتِ فِي يَدِ قَيْصَرُ. نَظَرَ قَيْصَرُ إِلَى الْأَسْفَلِ بِحِيرَةٍ، فَقَالَ لِي وُون بِسُرْعَةٍ وَهُوَ يَتَحَقَّقُ مِنَ الْوَقْتِ:
«خُذْهُ إِلَى الرَّقْمِ 34 فِي الطَّرِيقِ. إِنَّهُ مُوَكِّلِي وَسَأُغَادِرُ غَدًا فِي السَّاعَةِ 3 مَسَاءً، لِذَلِكَ اقْرَأْ كُلَّ الْمُسْتَنَدَاتِ بِحُلُولِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَهِمْتَ؟».
«انْتَظِرْ لَحْظَةً!».
نَادَى قَيْصَرُ بِسُرْعَةٍ، لَكِنَّ لِي وُون كَانَ قَدْ فَرَّ بَعِيدًا بِالْفِعْلِ.
لَقَدْ قَامَ بِعَمَلِ حَجْزٍ فِي مَطْعَمٍ، وَبِذِهْنٍ فَارِغٍ، تَأَمَّلَ قَيْصَرُ فِي الْمَاضِي. “يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سُوءُ التَّفَاهُمِ الْخَاصُّ بِي هُوَ الَّذِي يُعْطِينِي شُعُورًا بِأَنَّنِي رَأَيْتُ هَذَا الْمَشْهَدَ مِنْ قَبْلُ”.
مُدْرِكًا أَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ أَبَدًا، نَحَّى قَيْصَرُ الْوَاقِعَ جَانِبًا بِمَرَارَةٍ. وَعِنْدَمَا الْتَفَّ، سَمِعَ رَنِينَ الْهَاتِفِ. تَحَرَّكَتْ شَفَتَا قَيْصَرُ عِنْدَمَا تَحَقَّقَ مِنَ الرَّقْمِ.
«مَاذَا حَدَثَ؟».
قَالَ لِي وُون، الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ يَتَنَفَّسُ بِصَوْتٍ نَاعِمٍ، مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ: «السَّاعَةُ الـ 7 تَمَامًا هَذَا الْمَسَاءَ، لَدَيْ سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ».
ابْتَسَمَ قَيْصَرُ فِي صَمْتٍ.
«آه، أَنَا أَتَمَنَّى أَنْ أَكُونَ قَدْ وَصَلْتُ».
أَعْطَاهُ قَيْصَرُ قُبْلَةً قَصِيرَةً عَبْرَ الْهَاتِفِ. وَكُلُّ مَا عَادَ إِلَيْهِ كَانَ صَوْتَ انْقِطَاعِ الْمُكَالَمَةِ.
عِنْدَمَا دَخَلَ إِلَى السَّيَّارَةِ مَعَ ابْتِسَامَةٍ، سَمِعَ رَنِينَ الْهَاتِفِ مُجَدَّدًا. هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَانَ اسْمًا لَمْ يَكُنْ مَرْحَبًا بِهِ كَثِيرًا. دِمِيتْرِي… لَا، هُوَ بِخَيْرٍ.
ابْتَسَمَ لِوَهْلَةٍ بَيْنَمَا ثَبَّتَ نَظَرَهُ عَلَى أَثَرِ لِي وُون الَّذِي تَلَاشَى: «لَقَدْ أَلْقَى مُصَوِّرٌ إِبَاحِيٌّ مُتَجَوِّلٌ بِنَفْسِهِ بَيْنَ ذِرَاعَيَّ».
ابْتَسَمَ قَيْصَرُ وَأَضَافَ:
«إِنَّهُ سَاحِرٌ حَقًّا».
وَمِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ لِلْمُسْتَقْبِلِ، دَوَتْ صَرْخَةٌ غَيْرُ مَفْهُومَةٍ أَوْ لَعْنَةٌ، وَامْتَزَجَتْ ضِحْكَةُ قَيْصَرُ بِشَكْلٍ مُمْتِعٍ مَعَهَا.
ملاحظة المترجمة
الى هنا تنتهى القصة الأساسية ما بعد هذا سيكون قصص جانبية
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!