«لَنْ أَرَاكَ لَاحِقًا إِلَّا بَعْدَ مُرُورِ شَهْرٍ».
السِّكِّينُ الَّتِي كَانَتْ تَقْطَعُ قِطْعَةَ اللَّحْمِ (الْسْتِيكْ) تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً. رَفَعَ قَيْصَرُ رَأْسَهُ بَعْدَ لَحَظَاتٍ مِنَ الصَّمْتِ. حَافَظَ لِي وُون عَلَى نَظَرَاتِهِ مُثَبَّتَةً عَلَى طَبَقِهِ وَتَظَاهَرَ بَعْدَمِ الْمَعْرِفَةِ، لَكِنَّ نَظْرَةَ قَيْصَرُ الْحَادَّةَ نَحْوَهُ جَعَلَتْ جِلْدَهُ يَشْعُرُ بِقَلِيلٍ مِنَ الْوَخْزِ.
كَانَ صَوْتُ السَّكَاكِينِ وَالشُّوَكِ عَلَى الطَّاوِلَةِ عَالِيًا بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ فِي غُرْفَةِ الطَّعَامِ الْهَادِئَةِ. خَفَضَ قَيْصَرُ يَدَيْهِ بِبُطْءٍ وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ الطَّوِيلَةَ فَوْقَ فَخِذَيْهِ، ثُمَّ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى الْكُرْسِيِّ وَتَحَدَّثَ:
«أَخْبِرْنِي لِمَاذَا شَهْرٌ؟».
مُبْتَلِعًا رِيقَهُ، مُصْدِرًا صَوْتًا دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِذَلِكَ، اِبْتَلَعَ لِي وُون لُقْمَةَ الِاسْتِيكْ فِي فَمِهِ وَسَرَّعَ بِهَضْمِهَا: «لَدَيَّ قَضِيَّةٌ، وَالْأَمْرُ مُسْتَعْجَلٌ».
وَقَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ قَيْصَرُ فَمَهُ، أَضَافَ بِسُرْعَةٍ: «أَنَا أَيْضًا لَدَيَّ عَمَلٌ».
لَمْ يَقُلْ قَيْصَرُ شَيْئًا. قَامَ لِي وُون عَمْدًا بِإِصْدَارِ صَوْتِ قَضْمٍ وَقَطَعَ الِاسْتِيكْ بِقُوَّةٍ. تَحَدَّثَ قَيْصَرُ مُجَدَّدًا: «لِمَاذَا شَهْرٌ؟».
كَانَ عَنِيدًا. كَانَ لِي وُون مُدْرِكًا تَمَامًا أَنَّ الْأَمْرَ لَنْ يَنْجَحَ أَبَدًا بِمُجَرَّدِ نِقَاشٍ مُفَاجِئٍ خَارِجٍ عَنِ النَّمَطِ الْمُتَوَقَّعِ، فَشَرَحَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَعَدَّهَا مَسْبَقًا:
«إِنَّهَا قَضِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ. يَجِبُ التَّحْقِيقُ فِي الْمُحِيطِ، وَالِاسْتِعْدَادُ فِي حَالِ كَانَ هُنَاكَ حُكْمٌ قَضَائِيٌّ، وَجَمْعُ الْأَدِلَّةِ لِإِقْنَاعِ الطَّرَفِ الْآخَرِ بِأَنَّنَا لَنْ نَذْهَبَ إِلَى الْمَحْكَمَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ…».
سَأَلَ قَيْصَرُ كَلِمَةً وَاحِدَةً فَقَطْ مُقَاطِعًا كَلِمَاتِ لِي وُون: «بِنَاءً عَلَى مَاذَا؟».
تَبِعَ ذَلِكَ صَوْتٌ هَادِئٌ: «لِمَاذَا شَهْرٌ؟».
«لِأَنَّ لَدَيَّ الْكَثِيرَ مِنَ الْعَمَلِ…».
“لَا يُمْكِنُنِي ذَلِكَ”.
فَكَّرَ لِي وُون. بِهَذَا الْإِيقَاعِ، سَتَتَكَرَّرُ الْمُحَادَثَةُ بِمُجَرَّدِ أَنْ تَدُورَ إِلَى الْأَبَدِ، مَا لَمْ أَصِلْ إِلَى نَتِيجَةٍ مُبَاشَرَةٍ.
انْتَظِرْ، هَلْ هَذِهِ مُحَادَثَةٌ حَقًّا؟
عَقَدَ حَاجِبَيْهِ فَجْأَةً، لَكِنَّهُ فِي النِّهَايَةِ لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ وَتَوَقَّفَ عَنْ تَقْطِيعِ الطَّعَامِ. عِنْدَمَا اِخْتَفَتِ الْأَصْوَاتُ الْمُتَعَمَّدَةُ، سَادَ صَمْتٌ مُرْعِبٌ بَيْنَهُمَا. بِنَظْرَةٍ بَارِدَةٍ بَدَتْ وَكَأَنَّهَا تَخْتَرِقُ حَتَّى جِلْدَ فَرَسِ النَّهْرِ السَّمِيكِ، لَمْ يَكُنْ لِجِلْدِ لِي وُون – الَّذِي كَانَ نَحِيفًا جِدًّا بِالْمُقَارَنَةِ مَعَ فَرَسِ النَّهْرِ – أَيُّ مَنَاعَةٍ. ضَغَطَ لِي وُون عَلَى أَكْمَامِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَصْرُخَ:
“لَا يُمْكِنُنِي الْعَيْشُ لِأَنَّنِي أَخْشَى الْمَوْتَ فِي السَّرِيرِ بِسَبَبِكَ، أَنْتَ هَائِجٌ مَعِي! فَقَطْ انْظُرْ إِلَى نَفْسِكَ!”.
لَكِنْ لِلْأَمَانَةِ، لَمْ يَسْتَطِعْ قَوْلَ ذَلِكَ؛ فَمُقَاوَمَتُهُ كَانَتْ مُرْعِبَةً وَخَارِجَةً عَنِ السَّيْطَرَةِ. لِي وُون، الَّذِي جَرَعَ الْكَلِمَاتِ حَتَّى طَرَفِ لِسَانِهِ مَعَ النَّبِيذِ، فَتَحَ فَمَهُ:
«إِذَا كُنْتَ سَتَبْذُلُ جُهْدًا طَوَالَ الْمَسَاءِ، فَلَنْ يَسْتَغْرِقَ الْأَمْرُ شَهْرًا». «بِكَمْ إِذَنْ؟».
«عِشْرُونَ يَوْمًا… ؟».
اشْتَدَّ الشُّعُورُ الِاضْطِهَادِيُّ الَّذِي يَحْفِرُ فِي الْجِلْدِ. «بَدْرٌ كَامِلٌ (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا)».
«… .»
فِي النِّهَايَةِ، اسْتَسْلَمَ لِي وُون لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّحَمُّلِ:
«حَسَنًا، سَأُنْهِيهِ فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ. عَشْرَةُ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ، وَإِلَّا فَلَنْ أَتَمَكَّنَ حَتَّى مِنَ الْمَوْتِ».
عِنْدَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَنَظَرَ مُبَاشَرَةً إِلَى قَيْصَرُ، اِرْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ عَلَى شَفَتَيْ قَيْصَرُ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ قَدْ نَطَقَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى ذَلِكَ الْحِينِ.
«رَائِعٌ».
وَكَمَا لَوْ كَانَ يُؤَكِّدُ، أَضَافَ قَيْصَرُ: «عَشْرَةُ أَيَّامٍ».
بِالنِّسْبَةِ لِقَيْصَرُ، الَّذِي فَتَحَ عَيْنَيْهِ نِصْفَ الْمُغْلَقَتَيْنِ وَهُوَ يَتْلُو بِصَوْتٍ خَفِيضٍ، شَرِبَ لِي وُون نَبِيذَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَيَّ شَيْءٍ آخَرَ.
“لِمَاذَا تَظُنُّ أَنَّنِي كَذَبْتُ؟”
نَظَرَ لِي وُون إِلَى الْوَاثَائِقِ وَفَكَّرَ بِغَضَبٍ. لَمْ يَكُنْ كَذِبًا أَنَّ الْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَمَلِ. حَتَّى لَوْ كَذَبَ عَلَى أَيِّ حَالٍ، فَإِنَّ إِجْرَاءَ فَحْصٍ لِلْخَلْفِيَّةِ سَيَكْشِفُ كُلَّ شَيْءٍ، لِذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ أَسْوَأَ مِنْ عَدَمِ الْقِيَامِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُخَادِعَةِ. كَمَا أَنَّهُ مِنَ الصَّحِيحِ أَنَّ الْأَمْرَ يَسْتَغْرِقُ وَقْتًا، جُلُّ مَا فِي الْأَمْرِ أَنَّ شَهْرًا كَانَ مُبَالَغًا فِيهِ قَلِيلاً. نَعَمْ، هَذَا هُوَ الْحَالُ، أَلَيْسَ ذَلِكَ وَاضِحًا؟
«أَنَا، سَيِّدِي؟».
اسْتَيْقَظَ لِي وُون عَلَى صَوْتٍ حَذِرٍ. كَانَتْ أَمَامَهُ امْرَأَةٌ مُسِنَّةٌ قَصِيرَةُ الْقَامَةِ، تَنْظُرُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ مِلْؤُهُ الْقَلَقُ. رَاجَعَ لِي وُون عَلَى عَجَلٍ نِهَايَةَ الْأَوْرَاقِ، وَوَضَعَهَا فِي مَظْرُوفٍ ثُمَّ أَعَادَهَا إِلَيْهَا.
«نَعَمْ، لَقَدِ انْتَهَى كُلُّ شَيْءٍ هُنَا. لَمْ يَكُنْ كُلَّ مَا تَوَقَّعْتُهُ، لَكِنَّنِي وَجَدْتُ نَحْوَ 80% مِنْهُ. نَأْمُلُ أَنْ أَكُونَ قَدْ تَمَكَّنْتُ مِنْ عُثُورِهِمْ جَمِيعًا، أَنَا آسِفٌ».
بِنَاءً عَلَى اعْتِذَارِ لِي وُون، قَبِلَتِ الْعَمِيلَةُ الْوَثِيقَةَ بِوَجْهٍ فَيْضٍ مِنَ الْعَاطِفَةِ: «لَا، لَقَدْ كِدْتُ أَفْقِدُ كُلَّ ثَرْوَةِ زَوْجِي، وَلَكِنْ مَا هَذَا؟ لَقَدِ اسْتَسْلَمْتُ لِأَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَسْتَطِيعُ فِعْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّ الْفَضْلَ يَعُودُ إِلَى الْعَمَلِ الشَّاقِّ لِلْمُعَلِّمِ (الْأُسْتَاذِ). شُكْرًا لَكَ».
بَعْدَ تَقْدِيمِ الشُّكْرِ مَرَّةً تِلْوُ الْأُخْرَى، انْحَنَتِ الْعَمِيلَةُ مُجَدَّدًا وَغَادَرَتِ الْمَكْتَبَ وَمَنْزِلَ لِي وُون وَهِيَ مَذْهُولَةٌ. “وَاو”، تَنَهَّدَ لِي وُون وَأَغْلَقَ الْبَابَ. حَكَّ رَأْسَهُ مَعَ تَقْطِيبِ حَاجِبَيْهِ، وَأَدَارَ رَأْسَهُ بِلَا مُبَالَاةٍ.
كَانَ وَجْهُهُ فِي الْمِرْآةِ فَوْضَوِيًّا لِدَرَجَةٍ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا تَحْمِيلُهُ الْمَزِيدَ. لَمْ يَغْسِلْ شَعْرَهُ مُنْذُ عِدَّةِ أَيَّامٍ وَلَمْ يَحْلِقْ ذَقْنَهُ. كَانَتْ عَيْنَاهُ حَمْرَاوَيْنِ وَمُحْتَقِنَتَيْنِ بِالدِّمَاءِ، وَكَانَ مَظْهَرُهُ كَارِثَةً لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنَامُ سِوَى مِنْ 30 دَقِيقَةٍ إِلَى سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْيَوْمِ. لَقَدْ كَانَ كَارِثَةً حَقِيقِيَّةً. مَسَحَ لِي وُون عَلَى ذَقْنِهِ الْخَشِنَةِ بِوَجْهٍ خَالٍ مِنَ التَّعَابِيرِ. كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْمَرَّةَ الْأُولَى الَّتِي يَتِمُّ فِيهَا مُلَاحَقَتِي الْآنَ مِنْ أَجْلِ إِنْهَاءِ عَمَلٍ مَا. وَبِطَبِيعَةِ الْحَالِ، كَانَ الْأَمْرُ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا مِنَ الْمُعْتَادِ. “لَقَدْ رَأَيْتُ بِالْفِعْلِ، لَقَدْ مَرَّتْ بَعْضُ الْأَيَّامِ…”.لَمَحَ لِي وُون، الَّذِي أَدَارَ رَأْسَهُ لِوَهْلَةٍ، التَّقْوِيمَ بَيْنَمَا كَانَ يُفَكِّرُ بَيْنَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَنَامَ أَوْ يَنَامَ بِمُفْرَدِهِ فَقَطْ، فَوَقَعَتْ نَظَرَاتُهُ عَلَى دَائِرَةٍ حَمْرَاءِ قَانِيَةٍ بِشَكْلٍ صَارِخٍ. تِلْكَ الدَّوَائِرُ وَالنُّجُومُ الَّتِي تُشِيرُ إِلَى الْخَطَرِ كَانَتْ بِالتَّأْكِيدِ خَطَّ يَدِهِ. عِنْدَهَا انْتَبَهَ لِي وُون، الَّذِي حَنَى رَأْسَهُ مَعَ قُطُوبٍ فِي جَبْهَتِهِ، وَأَدْرَكَ الْوَقْتَ.
“تَبًّا”.
فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، أَحْيَا صَوْتُ قَيْصَرُ الْبَارِدُ فِي ذَاكِرَتِهِ: *عَشْرَةُ أَيَّامٍ.*
دُونَ أَنْ يَشْعُرَ، خَفَضَ لِي وُون رَأْسَهُ وَاسْتَنْشَقَ رَائِحَةَ جَسَدِهِ، مُتَمْتِمًا: “كَيْفَ لِعَشْرَةِ أَيَّامٍ أَنْ تَمُرَّ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ؟ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أُطَالِبَ بِشَهْرٍ”.
لَكِنَّهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَدْرَكَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ خِيَارًا مُطْلَقًا. فَقَدْ فَكَّرَ أَنَّهُ إِذَا اسْتَمَرَّتِ الْمُمَارَسَةُ لِمُدَّةِ شَهْرٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، فَقَدْ يَنْتَهِي بِهِ الْأَمْرُ مَجْرُورًا إِلَى مَكَانٍ مَا فِي سِيبِيرْيَا، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ سَيَكُونُ مَحْبُوسًا فِي قَبْوٍ مَظْلَمٍ. وَمَعَ انْبِعَاثِ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ السَّيِّئَةِ، عَقَدَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ وَبَعْثَرَ شَعْرَهُ.
“… وَمَعَ ذَلِكَ، لَقَدْ مَرَّ وَقْتٌ طَوِيلٌ مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ الْتَقَيْنَا فِيهَا، لِذَلِكَ لَا بُدَّ لِي أَنْ أَغْتَسِلَ”.
بَيْنَمَا كَانَ يَمْشِي نَحْوَ الْحَمَّامِ، عَادَ لِيَعْقِدَ حَاجِبَيْهِ مُجَدَّدًا. لَمْ يَكُنْ قَلِقًا بِشَأْنِ هَذَا الْأَمْرِ بِشَكْلٍ خَاصٍّ أَوْ أَيِّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَقَدْ مَرَّ وَقْتٌ مُنْذُ أَنْ رَأَى أَيَّ شَخْصٍ، لَكِنَّهُ مِنَ الْأَدَبِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ أَنْ يَلْتَقِيَا وَهُوَ نَظِيفٌ. “هَلْ أَنَا قَذِرٌ قَلِيلاً الْآنَ؟ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُعَامِلَ النَّاسَ بِوَقَاحَةٍ قَذِرَةٍ. عَلَى الْأَقَلِّ لَمْ أَحْلِقْ، وَلَمْ أَغْسِلْ وَجْهِي، وَلَمْ أَغْسِلْ شَعْرِي…”.
وَبَيْنَمَا كَانَ يَسْتَمِرُّ فِي تِكْرَارِ ذَلِكَ كَأُعْذُورَةٍ، أَدْرَكَ فَجْأَةً: “لَعْنَةٌ، فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَهُمُّنِي نِهَائِيًّا”.
تَعَمَّدَ وَبِعُنْفٍ خَلْعَ مَلَابِسِهِ وَتَوَجَّهَ إِلَى الْحَمَّامِ، مُدِيرًا مَقْبِضَ الدُّشِّ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ، لَكِنَّ هَذَا كَانَ كُلَّ شَيْءٍ.
*طَقْ.*
قَطْرَةٌ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ تَقَطَّرَتْ فَوْقَ رَأْسِهِ الْأَشْعَثِ. رَفَعَ لِي وُون رَأْسَهُ بِعَيْنَيْنِ مُتَّسِعَتَيْنِ مِنَ الصَّدْمَةِ. لَكِنَّ تِلْكَ كَانَتْ كُلَّ الْمِيَاهِ الْمَوْجُودَةِ فِي الدُّشِّ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، ضَرَبَ وَاقِعٌ مُرْعِبٌ عَقْلَ لِي وُون.
حَمَّامُ الْمَنْزِلِ مُتَجَمِّدٌ.
رَكَضْتُ مُسْرِعًا وَأَنَا لَا أَرْتَدِي سِوَى مِعْطَفِي فَوْقَ جَسَدِي، لَكِنَّ الْحَمَّامَ الْعَامَّ كَانَ بِالْفِعْلِ مَلِيئًا عَنْ آخِرِهِ. لَمْ يَكُنْ أَمَامَ لِي وُون خِيَارٌ سِوَى الِاصْطِفَافِ خَلْفَ سُكَّانِ الْمُجَمَّعِ السَّكَنِيِّ، الَّذِينَ كَانُوا يَقِفُونَ فِي مَجْمُوعَاتٍ مُشَابِهَةٍ لِحَالَتِهِ.
لَمْ يَكُنْ أَيٌّ مِنْهُمْ يَرْتَدِي مَلَابِسَ مُنَاسِبَةً. كُنْتُ أَتَسَكَّعُ هُنَاكَ وَأَحْسِبُ الْوَقْتَ الَّذِي سَيَسْتَغْرِقُهُ الْأَمْرُ، عِنْدَمَا شَعَرْتُ فَجْأَةً بِحَرَكَةٍ وَشَعْبِيَّةٍ خَلْفِي.
«السَّيِّدُ لِي وُون».
عِنْدَمَا اِلْتَفَتَ إِلَى الصَّوْتِ الْمَأْلُوفِ، كَانَ نِيكُولَاي يَقِفُ هُنَاكَ، لَيْسَ بَعِيدًا عَنْ حَالَتِهِ، وَهُوَ يَبْتَسِمُ.
«آه، مَرْحَبًا».
بَعْدَ تَحِيَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَاصَلَ نِيكُولَاي: «بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، حَمَّامُ مَنْزِلِكَ مُتَجَمِّدٌ أَيْضًا».
«إِنَّهُ مَصِيرُ الْجَمِيعِ فِي هَذَا الْمُجَمَّعِ».
ضَحِكَ نِيكُولَاي بِصَوْتٍ عَالٍ عَلَى رَدِّ لِي وُون. كَانَ الْأَمْرُ نَفْسُهُ كِلَاهُمَا يَرْتَدِي مِعْطَفًا مُعَلَّقًا فَوْقَ جَسَدِهِ الْعَارِي، لَكِنَّ لِي وُون، الَّذِي كَانَ حَافِيَ الْقَدَمَيْنِ وَيَرْتَدِي شِبْشِبًا (نَعْلاً)، كَانَ حَالُهُ أَفْضَلَ قَلِيلاً. وَدُونَ نَعْلٍ، مُحَرِّكًا أَصَابِعَ قَدَمَيْهِ الْمُتَشَبِّثَةِ بِالْأَرْضِ الْبَارِدَةِ والْعَارِيَةِ، تَسَلَّلَ نِيكُولَاي عَبْرَ بَابِ حَمَّامِ الرِّجَالِ الْمُغْلَقِ جَيِّدًا.
«أَيُّهَا الْأَوْغَادُ، مَا الَّذِي يَغْسِلُونَهُ لِكُلِّ هَذَا الْوَقْتِ؟».
قَالَ نِيكُولَاي بِصَوْتٍ عَالٍ لِيَسْمَعَهُ مَنْ بِالدَّاخِلِ. كَانَ مِنَ الْمُخْجِلِ حَقًّا أَنْ تَتَوَقَّفَ أَمَامَ حَمَّامٍ مُشْتَرَكٍ لَا يَتَّسِعُ إِلَّا لِخَمْسَةِ أَشْخَاصٍ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، مُنْتَظِرِينَ أَنْ يَخْرُجَ أَحَدُهُمْ أَوَّلاً. كُنْتُ أَنْتَظِرُ مُنْذُ فَتْرَةٍ، أَدُوسُ الْأَرْضَ بِمَلَلٍ مِثْلَ النَّحْلَةِ، لَكِنَّ شَخْصًا مَا فَتَحَ فَمَهُ قَائِلاً:
«مَا الْعَيْبُ إِذَا لَمْ أَغْتَسِلْ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ؟».
أَوْمَأَ الرِّجَالُ مُوَافِقِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ: «بِضْعَةُ أَيَّامٍ لَا بَأْسَ بِهَا».
«بَلْ أُسْبُوعٌ كَامِلٌ».
«عِنْدَمَا تَغْتَسِلُ، فَإِنَّ الْخَلَايَا الْمَيِّتَةَ فِي فَرْوَةِ جَسَدِكَ تَنْفَصِلُ وَتَجْعَلُكَ تَشْعُرُ بِالْبَرْدِ أَكْثَرَ».
«لَيْسَ لَدَيَّ أَيُّ شَخْصٍ لِأَهْتَمَّ بِهِ عَلَى أَيِّ حَالٍ، فَلِمَاذَا أَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ؟». «حَتَّى لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَهْتَمُّ، فَلَنْ يَرَى شَيْئًا إِذَا أَطْفَأْتَ الْأَنْوَارَ».
كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ الَّذِي مَالَ فِيهِ نِيكُولَاي وَلِي وُون أَيْضًا قَلِيلاً نَحْوَ الرَّأْيِ الْعَامِّ الَّذِي يُبَرِّرُ الْأَمْرَ، وَأَوْمَأَا بِبِضْعِ هَزَّاتٍ مِنْ رَأْسَيْهِمَا. وَفَجْأَةً، سُمِعَ صَوْتُ سَيَّارَةٍ تَتَوَقَّفُ أَمَامَ الْمَبْنَى. عِنْدَمَا انْخَفَضَ النَّحِيبُ النَّاعِمُ لِلْمُحَرِّكِ، تَوَقَّفَ الرِّجَالُ الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فِي الطَّابُورِ عَنِ الْكَلَامِ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ بِلَا سَبَبٍ.
لِوَهْلَةٍ، أَدَارَ لِي وُون رَأْسَهُ بِسَبَبِ شُعُورٍ مَشْؤُومٍ. مَرَّتْ بِضْعُ ثَوَانٍ مِنَ الصَّمْتِ. بَدَأَ الرِّجَالُ فِي الْحَدِيثِ مُجَدَّدًا، لَكِنَّ نَظَرَاتِ لِي وُون لَمْ تَبْتَعِدْ عَنِ الْبَابِ. “نَأْمُلُ أَلَّا يَكُونَ هُوَ…”.
«لِي وُون، لِمَاذَا تَفْعَلُ هَذَا؟».
وَكَمَا لَوْ أَنَّهُ لَاحَظَ شَيْئًا غَرِيبًا، سَأَلَ نِيكُولَاي. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، فُتِحَ بَابُ الْمَبْنَى الْمُشْتَرَكِ وَدَخَلَ رَجُلٌ. رَجُلٌ طَوِيلُ الْقَامَةِ، ذُو شَعْرٍ أَشْقَرَ، يَرْتَدِي مِعْطَفًا طَوِيلاً مِنَ الْفَرْوِ فَوْقَ كَتِفَيْهِ، وَبَدْلَةً دَاكِنَةً مُقَلَّمَةً.
مِنَ الْأَحْذِيَةِ الْإِيطَالِيَّةِ الْمَصْنُوعَةِ يَدَوِيًّا بِحَسَبِ الطَّلَبِ، إِلَى بَدْلَةٍ مُلَائِمَةٍ تَمَامًا وَمُجَهَّزَةٍ بِأَفْضَلِ مَا يَكُونُ، وَسَاعَةٍ مَاسِيَّةٍ جَمِيلَةٍ عَلَى مِعْصَمِهِ، وَأَخِيرًا، شَعْرِهِ الَّذِي كَانَ مِثَالِيًّا لِلْغَايَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ مَظْهَرُهُ الْأَنِيقُ هُوَ مَا أَفْزَعَ لِي وُون؛ بَلْ كَانَ يَحْمِلُ فِي إِحْدَى يَدَيْهِ بَاقَةً ضَخْمَةً مِنَ الْوُرُودِ الْحَمْرَاءِ الَّتِي جَعَلَتْ ذِرَاعَيْهِ تَبْدُوَانِ ثَقِيلَتَيْنِ، وَزُجَاجَةَ *Dom Pérignon* فِي الْيَدِ الْأُخْرَى.
“أُوه”.
أَطْلَقَ لِي وُون صَرْخَةً صَامِتَةً بِفَمٍ مَفْتُوحٍ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ وَتَصَلَّبَ فِي مَكَانِهِ. وَلَمْ يَكُنْ هُوَ الْوَحِيدَ الَّذِي تَصَلَّبَ؛ فَالرِّجَالُ نِصْفُ الْعُرَاةِ الَّذِينَ كَانُوا يَقِفُونَ فِي طَابُورٍ نَظَرُوا إِلَى بَعْضِهِمُ الْبَعْضِ لِوَهْلَةٍ وَرَمَشُوا بِذُهُولٍ. الرَّجُلُ الَّذِي دَخَلَ بِابْتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ تَوَقَّفَ هُنَاكَ أَيْضًا.
وَاجَهَ الرِّجَالُ الَّذِينَ رَكَّزُوا أَعْيُنَهُمْ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ اِخْتَفَتْ تَعَابِيرُهَا فِي لَحْظَةٍ خَاطِفَةٍ. مَا ظَهَرَ فِي مَجَالِ رُؤْيَتِهِ كَانَ مَظْهَرَ رِجَالٍ يَرْتَدُونَ مَعَاطِفَ سَمِيكَةً وَيَصْطَفُّونَ فِي طَابُورٍ. كَانَتْ مُعْظَمُ سِيقَانِهِمْ عَارِيَةً، مَعَ جَوَارِبَ أَوْ شَبَاشِبَ فِي أَقْدَامِهِمْ، وَمِنْ وَقْتٍ لِآخَرَ كَانَتْ أَقْدَامُهُمْ تَلْتَفُّ بَيْنَمَا يَتَقَدَّمُونَ سِرًّا. وَالشَّيْءُ الْوَحِيدُ الَّذِي كَانَ يَرْتَدِيهِ هُوَ بِيجَامَةٌ رَقِيقَةٌ.
وَفِي نِهَايَةِ الطَّابُورِ، فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي وَجَدَ فِيهَا لِي وُون، الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَخْتَلِفُ عَنْهُمْ كَثِيرًا، وَاقِفًا هُنَاكَ، سَقَطَتْ وَرْدَةٌ زَهْرِيَّةٌ مِنْ يَدِهِ.
*طَخْ.*
تَرَدَّدَ صَدَى صَوْتٍ عَالٍ فِي الْمَمَرِّ وَعَادَ الصَّمْتُ لِيُخَيِّمَ مُجَدَّدًا. كُلُّ أَنْوَاعِ الرِّجَالِ، الْعُرَاةِ وَالْمُتَسَرْبِلِينَ بِالْمَعَاطِفِ فَقَطْ، رَكَّزُوا انْتِبَاهَهُمْ، لَكِنَّ نَظْرَةَ قَيْصَرُ كَانَتْ مُثَبَّتَةً عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ شَيْءٍ عَلَى سِيقَانِ لِي وُون، بَاسْتِثْنَاءِ الْحِذَاءِ الرِّيَاضِيِّ الْمُهْتَرِئِ. الرَّجُلُ الْأَنِيقُ ذُو الْبَدْلَةِ الْمُقَلَّمَةِ وَالْفَرْوِ الْمُلَوَّنِ فَوْقَ كَتِفَيْهِ فَتَحَ فَمَهُ بِالْكَادِ بَيْنَمَا لَا يَزَالُ مُتَصَلِّبًا:
«مَا الَّذِي تَفْعَلُونَهُ الْآنَ؟».
خَرَجَتِ الْمَقَاطِعُ اللَّفْظِيَّةُ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ كَانَتْ تُنْتَزَعُ انْتِزَاعًا بِالْقُوَّةِ مِنْ أَعْمَاقِ عُنُقِهِ، فَأَجَابَهُ لِي وُون بِوَجْهٍ يَمْلَؤُهُ الِاسْتِئَاءُ:
«حَمَّامُ الْمَنْزِلِ مُتَجَمِّدٌ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ لِأَغْتَسِلَ». «مَاذَا؟».
بِمُجَرَّدِ أَنْ تَوَقَّفَ قَيْصَرُ لِوَهْلَةٍ، نَظَرَ نِيكُولَاي إِلَى لِي وُون وَإِلَيْهِ بِالتَّنَاوُبِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِ لِي وُون:
«السَّيِّدُ لِي وُون، أَرَى أَنَّ هَذَا عَمِيلٌ، لَكِنْ هَلْ أَخْبَرْتَهُ أَنْ يَنْتَظِرَ فِي الْأَعْلَى؟».
فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، تَحَوَّلَتْ عَيْنَا قَيْصَرُ إِلَى الْبُرُودِ التَّامِّ. وَقَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ لِي وُون مِنْ مَنْعِهِ، تَقَدَّمَ قَيْصَرُ خُطْوَةً إِلَى الْأَمَامِ وَأَمْسَكَ بِنِيكُولَاي مِنْ مِعْصَمِهِ.
«أَنْتَ».
بِصَوْتٍ خَفِيضٍ، فَتَحَ قَيْصَرُ فَمَهُ: «مَنْ الَّذِي تَتَجَرَّأُ عَلَى لَمْسِهِ الْآنَ؟».
فِي لَحْظَةٍ، تَحَوَّلَ وَجْهُ نِيكُولَاي إِلَى اللَّوْنِ الْأَبْيَضِ. اِرْتَجَفَتْ يَدَاهُ اللَّتَانِ أَصْبَحَتَا شَاحِبَتَيْنِ مِثْلَ لَوْنِ بَشَرَتِهِ. بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَى الْأَمْرِ، بَدَا الْأَمْرُ وَكَأَنَّهُ يَنْقُلُ أَلَمًا دَوَّارًا.
مَذْعُورًا، أَسْرَعَ لِي وُون لِيُمْسِكَ بِذِرَاعِ قَيْصَرُ: «مَاذَا تَفْعَلُ؟ أَلَا يُمْكِنُكَ تَرْكُهُ يَمْضِي الْآنَ حَالاً؟». «انْتَظِرْ، سَأَسْأَلُكَ لَاحِقًا».
لَا يَزَالُ قَيْصَرُ يَنْظُرُ إِلَى نِيكُولَاي وَيَهْمِسُ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ: «بُبُطْءٍ».
سَرَى قَشْعَرِيرَةٌ فِي جِلْدِ لِي وُون. “لَقَدْ نَسِيتُ. أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ ذِئْبٌ مُخْتَبِئٌ بَيْنَ الْكِلَابِ”. فَتَحَ نِيكُولَاي فَمَهُ لِيَصْرُخَ، لَكِنَّ كُلَّ مَا خَرَجَ مِنْهُ كَانَ صَوْتَ تَنَفُّسٍ ثَقِيلٍ. وَرُؤْيَةً لِلْأَلَمِ أَمَامَ عَيْنَيْهِ يَتَحَوَّلُ إِلَى الشُّحُوبِ، اِبْتَسَمَ لِي وُون وَهَتَفَ:
«إِذَا لَمْ تَتْرُكْ تِلْكَ الْيَدَ الْآنَ حَالاً، سَتَنْدَمُ عَلَى ذَلِكَ».
تَحَرَّكَتْ نَظَرَاتُ قَيْصَرُ بِبُطْءٍ نَحْوَ لِي وُون. قَالَ لِي وُون، وَهُوَ يَنْظُرُ فِي عَيْنَيْهِ الرَّمَادِيَّتَيْنِ الْفِضِّيَّتَيْنِ الْبَارِدَتَيْنِ:
«اتْرُكْهُ وَشَأْنَهُ الْآنَ، قَبْلَ أَنْ أَنْدَمَ أَنَا».
تَحَرَّرَتِ الْقُوَّةُ بِبُطْءٍ مِنْ يَدِ قَيْصَرُ عِنْدَ سَمَاعِ كَلِمَاتِ الِاسْتِئَاءِ الَّتِي قِيلَتْ. أَطْلَقَ نِيكُولَاي صَرْخَةً صَامِتَةً، مُمْسِكًا بِيَدَيْهِ الْعَارِيَتَيْنِ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ. وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي تَنَفَّسَ فِيهِ لِي وُون، الَّذِي تَجَاوَزَ الْأَزْمَةَ، تَنَهِيدَةَ ارْتِيَاحٍ فِي قَلْبِهِ، أَدَارَ قَيْصَرُ رَأْسَهُ فَوْرًا.
وَفِي نِهَايَةِ نَظْرَتِهِ، كَانَتْ هُنَاكَ بَاقَةُ الْوُرُودِ الَّتِي أَسْقَطَهَا. تَحَوَّلَ وَجْهُ لِي وُون إِلَى اللَّوْنِ الْأَبْيَضِ عِنْدَمَا رَأَى قَيْصَرُ يَحْنِي ظَهْرَهُ بِخُطْوَةٍ وَاسِعَةٍ. “هَلْ تُحَاوِلُ حَقًّا إِعْطَائِي إِيَّاهَا؟”. وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي لَمَسَتْ فِيهَا بَاقَةُ الْوُرُودِ أَطْرَافَ أَصَابِعِ قَيْصَرُ، حَذَّرَهُ لِي وُون:
«إِذَا أَعْطَيْتَنِي إِيَّاهَا، سَأَمُوتُ».
تَوَقَّفَ قَيْصَرُ لِوَهْلَةٍ، وَبَعْدَ لَحْظَةٍ، رَفَعَ ظَهْرَهُ. لِي وُون، الَّذِي شَاحَ بِنَظَرِهِ عَنْ بَاقَةِ الزُّهُورِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ، ضَغَطَ عَلَى أَسْنَانِهِ سِرًّا. “سَيَتَعَيَّنُ عَلَيَّ تَصْحِيحُ الْأَمْرِ. قَبْلَ أَنْ تَنْدَمَ، لَكِنَّكَ تَنْدَمُ بِالْفِعْلِ. مَا قَرَّرْتُ فِعْلَهُ هُوَ قُبُولُ كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ”.
وَبَيْنَمَا كَانَ يَطْحَنُ أَسْنَانَهُ، فُتِحَ الْبَابُ وَخَرَجَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرِّجَالِ عَلَى عَجَلٍ: «آه، هَذَا رَائِعٌ».
«كَمَا كَانَ مُتَوَقَّعًا، الْمَاءُ السَّاخِنُ هُوَ الْأَفْضَلُ». «هَلْ كُنَّا نَكْتُبُ مُنْذُ فَتْرَةٍ؟ مَعْذِرَةً».
بَيْنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ خَرَجُوا وَدَخَلُوا لِلدَّرْدَشَةِ، أَدَّى لِي وُون التَّحِيَّةَ أَيْضًا وَحَاوَلَ الِاخْتِلَاطَ بِهِمْ. «لِلَحْظَةٍ».
مَدَّ قَيْصَرُ يَدَهُ فَجْأَةً وَأَمْسَكَ بِكَتِفِ لِي وُون، ثُمَّ فَتَحَ فَمَهُ: «الْآنَ، إِلَى أَيْن تَنْوِي الذَّهَابَ؟».
أَجَابَ لِي وُون بِلَا مُبَالَاةٍ: «لَقَدْ قُلْتُ إِنَّ حَمَّامَ الْمَنْزِلِ كَانَ مُتَجَمِّدًا».
تَصَلَّبَ وَجْهُ قَيْصَرُ أَكْثَرَ: «هَلْ تَغْتَسِلُ هُنَا؟».
عَقَدَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ سَيِّئٌ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، فَتَحَ نِيكُولَاي بَابَ الْحَمَّامِ خَلْفَهُ بِعَجَلٍ ثُمَّ أَغْلَقَهُ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، نَظَرَ قَيْصَرُ عَبْرَ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ؛ فَرَأَى عِدَّةَ رِجَالٍ عُرَاةٍ يَخْلَعُونَ مَعَاطِفَهُمْ وَيَتَحَدَّثُونَ بِأَجْسَادِهِمِ الْعَارِيَةِ قِيدَ الِاكْتِشَافِ.
وَبِالنِّسْبَةِ لِقَيْصَرُ الَّذِي تَصَلَّبَ مِنَ الصَّدْمَةِ، أَوْمَأَ لِي وُون بِرَأْسِهِ بِلَا مُبَالَاةٍ: «بِالطَّبْعِ».
وَفِي اللَّحْظَةِ التَّالِيَةِ، أَمْسَكَ قَيْصَرُ بِلِي وُون مِنْ ذِرَاعِهِ وَهَرَبَ بِهِ خَارِجَ الْمَبْنَى.
عِنْدَمَا اسْتَيْقَظَ، كَانَ بِالْفِعْلِ فِي سَيَّارَةِ السِّيدَانِ لِقَيْصَرُ. نَظَرَ لِي وُون إِلَى الشَّارِعِ الْمَأْلُوفِ بِسُرْعَةٍ خَاطِفَةٍ وَبِوَجْهٍ يَمْلَؤُهُ الْإِحْرَاجُ. “كَيْفَ تَجْلِبُ النَّاسَ هَكَذَا؟”. لِوَهْلَةٍ كَانَ غَاضِبًا، لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا هَدَأَ. الْآنَ، لَمْ تَكُنْ لَدَيْهِ أَيُّ نِيَّةٍ لِإِثَارَةِ فَضِيحَةٍ وَقِيَادَةِ كَلْبٍ وَقِحٍ.
“لَا يُمْكِنُنِي الْعَوْدَةُ إِلَى شَيْءٍ كَهَذَا عَلَى أَيِّ حَالٍ”.
وَبَيْنَمَا كَانَ يَنْظُرُ، ظَهَرَتْ قَدَمَاهُ الْعَارِيَتَانِ، اللَّتَانِ لَا يَرْتَدِي فِيهِمَا سِوَى الشِّبْشِبِ، أَمَامَ نَظَرِهِ.
كَانَ الِاسْتِسْلَامُ سَهْلاً عِنْدَمَا رَأَيْتُ الْأَمْرَ بِأُمِّ عَيْنَيَّ؛ لِنَقُلْ “آه”.
تَنَهَّدَ لِي وُون وَوَافَقَ سَرِيعًا عَلَى الْوَاقِعِ. وَفَجْأَةً، ظَهَرَتْ زُجَاجَةُ الـ *Dom Pérignon* الَّتِي كَانَ يَحْمِلُهَا قَيْصَرُ فِي مَجَالِ رُؤْيَتِهِ. فَكَّرَ لِي وُون بِلَا مُبَالَاةٍ فِي تِلْكَ النَّمِيمَةِ الْقَدِيمَةِ الْمُدَمَّرَةِ لِلشَّامْبَانْيَا، الْمَوْضُوعَةِ عَفْوِيًّا فِي السَّلَّةِ.
“لَمْ أَتْرُكْ ذَلِكَ”.
تَقَدَّمَ سَرِيعًا فِي تَخَيُّلِ مَا سَيَحْدُثُ تِلْقَائِيًّا بِوَجْهٍ جَادٍّ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ شَيْءٍ صَعْبٍ بِشَكْلٍ خَاصٍّ؛ فَالْأَمْرُ يَبْدُو وَكَأَنَّ الْمَسَارَ قَدْ تَقَرَّرَ بِالْفِعْلِ.
“الْيَوْمَ، سَأَأْخُذُهُ إِلَى مَطْعَمٍ أَوْ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مِمَّا سَيَخْرُجُ بِالتَّأْكِيدِ مِنْ أَعْيُنِهِمْ، سَأَأْكُلُهُ ثُمَّ سَأُهَاجِمُهُ”.
وَبِالنَّظَرِ إِلَى هَذِهِ الْإِجَابَةِ الْبَسِيطَةِ، عَقَدَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ مُقَطِّبًا.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!