الفصل 66

الفصل 66

— أ-أنا؟! — صاح بليس مذعورًا، وقد شحب وجهه في لحظة.

أما بينيلوب، فلم يبدُ عليها أي ارتباك، بل أومأت برزانة من جديد، وكأنها تقول: «نعم، أنت تحديدًا».

«يا إلهي، لا بد أنني فقدت عقلي! كيف أمكنني أن أفعل شيئًا كهذا بعدوي اللدود؟!»

كاد قلب بليس يتوقف من هول إدراكه لمدى جرأته، لكن انتباه بينيلوب كان منصبًّا على أمر مختلف تمامًا.

— والأكثر إثارة للدهشة أن كونتَنا المتقلّب والحساس، صدّق أو لا تصدّق، نام نومًا عميقًا لدرجة أنه بدا وكأنه غاص في العدم. لا يمكنك أن تتخيل كم كان ذلك معجزة!

«حقًا؟»

رغم الرعب الذي اجتاحه، أمال بليس رأسه بحيرة. لطالما ظن أن النوم أمر بسيط. فإذا كان الإنسان نائمًا، فمن الطبيعي ألا ينتبه إلى خطوات من حوله أو إلى الأصوات الغريبة. لم يستطع استيعاب منطق بينيلوب بأي شكل، لكن بالنظر إلى وجهها الذي كان يشع حماسًا، فلا بد أن شيئًا استثنائيًا حقًا قد حدث.

«ربما الأمر مختلف بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون من الأرق.»

هكذا خلص إلى الأمر.

فبالنسبة إلى بليس، الذي كان مفهوم «لا أستطيع النوم» أشبه بالرياضيات العليا—شيئًا بعيد المنال وغير مفهوم—قرر ببساطة أن يتقبل الأمر كحقيقة. وفي النهاية، كان هناك ما يشغله أكثر أهمية الآن. فهو لم يكن معتادًا على الغوص طويلًا في الأسباب والنتائج، ولذلك عاد سريعًا إلى ما يهمه.

— إذن، إذا أردنا تلخيص الأمر… خطتنا تسير بنجاح؟

ردّت بينيلوب على سؤاله بإيماءة حماسية. لكن اعترافاتها لم تنتهِ عند هذا الحد.

— ليس بنجاح فحسب. كل شيء يسير أفضل مما كنا نحلم به! آه، يا بليس!

وقبل أن تتابع، وضعت كفيها على صدرها وأخذت نفسًا عميقًا، محاولة تهدئة الانفعال الذي كان يغلي في حلقها. توتر بليس دون أن يشعر، متسائلًا عن الخبر الآخر الذي ستلقيه على رأسه. وأخيرًا، بعد أن أخرجت ما تبقى من الهواء من رئتيها، نظرت إليه بينيلوب بعينين متلألئتين وأطلقت قنبلة معلومات حقيقية:

— يبدو أن الكونت وقع في حبك من النظرة الأولى!

— هِـ… هِـ… هِك! — خرج من حلق بليس صوت لم يكن واضحًا إن كان صرخة أم شهقة مختنقة مصحوبة بالحازوقة.

❈ ❈ ❈

«يا إلهي، بينيلوب… هل أصابها خرف الشيخوخة؟!»

كانت أفكار بليس تتخبط في رأسه كطيور مذعورة داخل قفص. لقد ظن أنه عثر أخيرًا على توأم روحه، لكن يبدو أنهما التقيا بعد فوات الأوان. كان ينبغي أن يعثر عليها قبل عام، لا، بل قبل ستة أشهر على الأقل! أو كان عليه أن يهرع إلى هنا فور تذكّره بوجود كاسيان!

بلغ به مأساوية الموقف حدًا جعل طرف أنفه يلسعه، وراحت الدموع تلمع خيانةً في عينيه.

— بينيلووبااا… — شهق وهو يمدّ اسمها بحزن.

فما كان من العجوز إلا أن جذبته إليها بحنان واحتضنته، كما لو كان طفلًا حزينًا.

— هَوِّن عليك، هَوِّن عليك. أفهم شعورك. آه، ما أرقّ قلبك وأكثر حساسيته!

تنشّق بليس وهو يستمتع بالربتات الدافئة على ظهره. كان على وشك أن يقترح عليها الذهاب فورًا إلى المستشفى وفحص رأسها، حين ابتعدت بينيلوب عنه فجأة. كانت عيناها تلمعان ببريق محموم.

— والآن استمع إليّ جيدًا، لأن الجزء الأهم سيبدأ الآن. الكونت ليس رجلًا عاديًا. لذلك عليك من الآن فصاعدًا أن تتصرف بمنتهى الدقة، وبحذر شديد جدًا. بأقصى قدر من الحذر…

نظر بليس إلى وجهها المتحمس بمزيج من الشك والشفقة.

«هل هي جادة فعلًا؟ هل أصابها الخرف حقًا؟»

— اسمعي، بينيلوب.

— نعم، نعم، أنا أسمعك، — أجابت بنبرة تكاد تكون غنائية.

ضيّق بليس عينيه، دون أن يخفي شكه:

— هل تؤمنين حقًا بأن الكونت وقع في حبي من النظرة الأولى؟ أعني… هل تعتقدين ذلك بصدق؟

— بالطبع! أم أنك لا تثق بي؟ — عبست بينيلوب وعقدت ذراعيها أمام صدرها بصرامة.

وأمام ثقتها الراسخة، تمايل بليس مترددًا.

«لكن بينيلوب لا يمكن أن تخطئ… أليس كذلك؟ أم يمكنها ذلك؟»

— لكنه لا يتصرف إطلاقًا كما لو أنني أعجبه، — اعترض بليس، وقد أخرج شفته السفلى دون وعي، مستذكرًا كل تلك التعليقات اللاذعة والانتقادات التي أمطره بها منذ مساء الأمس.

غطّت بينيلوب فمها بيدها وضحكت بهدوء.

— يا بليس، لا يزال أمامك الكثير لتتعلمه. وهذا مفهوم بالطبع، فأنت في السن التي يبدأ فيها المرء بتعلّم أساسيات الحياة.

— ماذا تقصدين؟

وبينما كان بليس يرمش بحيرة، شرحت بينيلوب بابتسامة غامضة:

— ألا ترى؟ هذه مرحلة أساسية في قصة أي بطل من أبطال القصص الرومانسية… «مرحلة الإنكار».

— مرحلة الإنكار؟ — كررها آليًا.

— بالضبط! — أومأت بينيلوب بحماس. — تذكّر كل تلك المسلسلات التي كنا نشاهدها. ماذا يفعل البطل الرئيسي فور اختراق سهم كيوبيد لقلبه؟

— حسنًاا… — ضيّق بليس عينيه محاولًا انتشال المشهد المطلوب من ذاكرته.

— «الحب معك كالحرب»! — أعلنت بينيلوب رسميًا.

— آه!

أخيرًا فهم بليس، فابتسمت بينيلوب برضا.

— بالضبط. هذه هي!

«وهي محقة فعلًا…»

عضّ بليس شفته. ففي ذلك المسلسل، وقع البطل في حب البطلة من النظرة الأولى، لكنه احتاج إلى سبعين حلقة كاملة حتى يعترف بذلك، معذبًا إياها ومعذبًا نفسه طوال الوقت.

— وأنا كنت أظن أنهم يماطلون فقط حتى يزيدوا عدد الحلقات.

— أوه، إطلاقًا! ليس لهذا السبب أبدًا، — هزّت بينيلوب رأسها بطريقة تعليمية. — المسلسلات هي نتيجة دراسة عميقة للغاية لعلم النفس البشري. ولذلك فهي تعكس الواقع نفسه بلا شك.

— الآن فهمت، — زفر بليس.

وأخيرًا اقتنع تمامًا بصحة كلام بينيلوب. وفي الوقت نفسه، شعر بوخزة ذنب لأنه تجرأ على الشك في سلامة عقل معلمته. وبعد أن استجمع شجاعته، سأل بحذر…

— إذن، الكونت وقع في حبي من النظرة الأولى، لكنه الآن لا يريد الاعتراف بذلك حتى لنفسه، ولهذا يتصرف معي بهذا السوء…!

— بالضبط! آه، يا بليس، ما أذكاك! لقد أصبت عين الحقيقة تمامًا. كنت أعلم أنك ستفهم. أحسنت، أحسنت جدًا!

عادت بينيلوب إلى إغراقه بالمديح، بينما اتسعت ابتسامة بليس بفخر حتى كادت تملأ وجهه.

«كنت أعلم أن بينيلوب هي فعلًا توأم روحي. حدسي لم يخطئ.»

— كاسي… أعني، الكونت لم يتعرف إليّ بالتأكيد، أليس كذلك؟ — سأل بحماس.

وكالعادة، أومأت بينيلوب بثقة، مؤكدة آماله:

— بالطبع. صدقني يا بليس. الكونت لا يعرف أي شيء على الإطلاق. ولا حتى شــيـئًا واحـدًا!

— هِه هِه هِه!

غطّى بليس فمه بكفيه، عاجزًا عن كبح ضحكته المنتصرة. بالطبع، وماذا عدا ذلك؟ لقد رتبا كل شيء بإتقان، هو وبينيلوب. تُرى كيف سيكون وجهه عندما تنكشف الحقيقة؟ لا شك أنه سيُغمى عليه من الصدمة.

«هيه هيه، يستحق ذلك.»

امتدت شفتا بليس إلى أذنيه من شدة ترقبه للانتقام اللذيذ.

— وماذا سنفعل الآن؟ ما الخطة؟

نظر إليها بترقب واضح، مستعدًا لأن يضع ثقته الكاملة في معلمته الخبيرة. فضربت بينيلوب صدرها بكفها في هيئة مليئة بالعزم:

— اترك الأمر لي.

اشتعل بريق حماسي في عينيها.

— سنجعل الكونت يعترف بمشاعره في أقرب وقت ممكن!

❈ ❈ ❈

— هااا…

انطلقت زفرة ثقيلة من شفتي كاسيان ما إن ظهر القصر في الأفق. كان ينظر إلى المبنى المقترب بمزيج من الضيق وقلق لا يستطيع تفسيره. في العادة، كان التعب المعتاد يثقل عليه في مثل هذا الوقت، لكن اليوم كان الأمر مختلفًا. فبفضل الراحة التي حصل عليها بالأمس، ظل يشعر بالنشاط على نحو غير مألوف طوال اليوم، إلا أن رأسه بدأ يؤلمه بمجرد أن وقعت عيناه على المنزل. وكان السبب واحدًا لا غير.

ذلك الفول السوداني المزعج.

أغمض كاسيان عينيه وصرّ على أسنانه بصوت خافت. تُرى هل كان ذلك حقًا بفضل ذلك الصبي؟ أن يتمكن من الغرق في النوم بتلك الطريقة…

«لا، هذا هراء. مجرد مصادفة.»

لكن الأرق الذي عذّبه قرابة عشر سنوات تراجع تحديدًا ليلة أمس. كانت المصادفة مواتية أكثر من اللازم.

— مصادفة. مجرد مصادفة عادية، — تمتم، وكأنه يحاول إقناع نفسه بذلك.

بدأت السيارة تخفف سرعتها. وحين لمح بينيلوب واقفة بانتظاره عند المدخل الرئيسي، تمتم كاسيان مرة أخرى بصوت بالكاد يُسمع:

— لا بد أنها مجرد مصادفة.

وما إن توقفت السيارة حتى أسرعت بينيلوب بخطواتها الصغيرة نحو الباب. فتحته، واستقبلت سيدها بابتسامة مشرقة:

— أهلًا بعودتك، يا صاحب السمو!

ألقى كاسيان عليها نظرة قصيرة مشوبة بالريبة، لكنه لم يقل شيئًا، بل اتجه بخطوات حازمة نحو الباب. ولحقت به بينيلوب فورًا، دون أن تتخلف عنه خطوة واحدة.

— سيدي، لقد تناولتم العشاء بالفعل، أليس كذلك؟ لقد أعددت كل شيء للنوم. ألا ترغبون في الاستلقاء فورًا؟

كان الوقت يقترب بلا هوادة من منتصف الليل. فأجاب كاسيان دون أن يدير رأسه نحوها، وهو يواصل سيره:

— يكفي. اذهبي وارتاحي.

— أمرك، سموّك! ليلة سعيدة، يا صاحب السمو!

أجابت بينيلوب بسرعة، وكأنها لم تكن تنتظر طوال اليوم سوى سماع هذه الكلمات، ثم استدارت فورًا واختفت في عمق الممر. وكان كاسيان قد بدأ بالفعل بصعود الدرج، لكنه توقف لحظة متعجبًا من هذه الطاعة غير المسبوقة. استدار ونظر إلى أثرها.

ما سر تلك المشية الغريبة التي تكاد تكون قفزًا؟

وخز نذير سيئ شيئًا ما تحت أضلعه، لكنه لم يستطع تحديد السبب. أطلق كاسيان صوت تبرم خافتًا وتابع طريقه.

ساد الصمت في القلعة القديمة. ولم يكن ما يخرق سكون الممرات سوى صدى خطواته.

«ليتني أستحم بسرعة وأخلد إلى النوم.»

هكذا كان يفكر وهو يدير مقبض باب غرفة نومه. لكن ما إن تجاوز العتبة وألقى نظرة على الغرفة…

— ما هذا الـ…؟

تسمّر كاسيان في مكانه عند الباب، وفمه مفتوح من شدة الذهول، عاجزًا عن النطق.

الستائر، والأريكة، والسرير، والناموسية الفاخرة، وحتى الجدران… كل شيء كان غارقًا حرفيًا في درجات وردية حلوة إلى حد الإزعاج.

وفي وسط هذا الجنون كله، مباشرة أمام السرير، كان يقف بليس مرتديًا بيجامة زرقاء فاتحة.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!