خلال العطلة، جرّب نيران الكثير من الأشياء التي لم يسبق له محاولة فعلها من قبل.
على سبيل المثال، تعلّم عزف الجيتار، رُغم أنه كان سيئا جدا فيه؛ فلا إيقاع و لا لحن.
و رُغم ذلك، كان تشيوا يقول دائما: “أنت بارع جدا”.
كان يقولها دون فشل.
و لم يقتصر الأمر على وقت ممارسته للجيتار فحسب، بل شمل غناءه أيضا.
كان الجميع يعلم أنه يغني خارج اللحن تماما لدرجة تبدو و كأنها أغنية أخرى مختلفة، و مع ذلك أصرّ الفتى الآخر على أنه يغني بجمال.
جعل ذلك نيران يرغب في نقره على رأسه بخفة حتى يستوعب الأمر.
(هل يمكنك التوقف عن مجاملتي و لو لثانية واحدة؟)
بشكل عام، كانت تلك العطلات هي الفترة الأكثر متعة و سعادة بالنسبة لنيران.
أما بالنسبة لعلاقته بوالده، فقد ظلت متوترة كالعادة؛ كانا لا يكادان يتحدثان، و بدا و كأنهما يعيشان حياتين منفصلتين داخل المنزل نفسه.
لكن والده استمر في القيام بدوره: يحضر له الطعام و يعطيه مصروف المدرسة.
و قد فعل ذلك باستمرار.
عندما بدأ الفصل الدراسي الجديد، عادت مهمتنا في الذهاب إلى المدرسة.
كان تشيوا و نيران لا يزالان يستقلان الحافلة معا، و ينزلان معا، و يسيران إلى المدرسة معا.
لم يعرف نيران متى أصبح هذا روتينا؛ كل ما كان يعرفه هو أنه إذا لم يفعلا تلك الأشياء معا، يشعر و كأن شيئا ما ينقصه.
بداية الفصل الدراسي الثاني في مدرسة ‘ميكين ويبون’ كانت تعني رسميا انطلاق المسابقات الرياضية الداخلية.
أُرسل جدول مباريات الجودو ضد ‘الألوان’ الأخرى مباشرة إلى الرياضيين من قِبل زملائهم في الفصل.
أومأ نيران برأسه، رُغم أنه لم يكن متأكدا على الإطلاق من قدرته على الفوز.
“نيران يستطيع فعلها. نيران بارع جدا. سنذهب جميعا لتشجيعك”.
“و إذا لم أفز؟”
“عليك أن تفوز!”
آه.. هكذا كانت الأمور تسير.
بسبب كل ما يحدث حوله، بدأ يأخذ الأمر بجدية أكبر دون أن يشعر، و رغب في الفوز.
ربما لأنه أراد أن يعرف الجميع أنه رُغم تراجعه في التصنيف، إلا أن ذلك لا يعني أنه أصبح شخصا ضعيفا يمكن لأي أحد الاستهانة به.
و فجأة، بدأ يشعر بالضغط.
تقسم مدرستنا المسابقات الرياضية إلى أربعة ألوان: الأحمر، و الأزرق، و الأخضر، و الأصفر.
(لوكا:اطالب بإضافة البنفسجي😔سيد الألوان)
يخصص كل لون مساحات للتدريب على الغناء و الرقص، و تحضير الاستعراضات، و تجهيز المدرجات.
كان موقع الفريق الأحمر يقع بالقرب من مبنى البرنامج الدولي (EP)، حيث يدرس طلاب البرنامج ثنائي اللغة فقط.
في تلك المنطقة، كان النسيم المنعش يهب دائما، لذا لم يكن الجو حارا جدا.
و لكن رُغم جمال المكان، لم يجعل ذلك نيران يرغب في البقاء هناك.
الجميع يتوقع من ‘اللون الأخضر’ الفوز، أو الحصول على المركز الأول أو الثاني على أقل تقدير في مسابقات الجودو القادمة.
لم يكن يريد التنافس.. و لم يكن يريد من أحد أن يتوقع منه أي شيء.
“إلى أين أنت ذاهب يا نيران؟” سأل ثيبوك و هو يساعد بعض الأصدقاء في التدرب على الطبول التي ستُستخدم في الحدث الرياضي.
كان ضرب تلك الطبول يتطلب الكثير من القوة و الثبات؛ و إلا فإن الصوت لن يتردد بشكل صحيح.
“سأذهب لشراء شيء ما من الكافتيريا. ابقوا أنتم هنا، سأعود لاحقا”.
“هيه، هل يمكنك شراء بعض الأشياء لنا أيضا؟”
“أجل، أجل. اكتبوا طلباتكم، و لكن لا تنسوا إعطائي المال”.
تسلّم نيران مبلغا من المال و ورقة تحتوي على قائمة الوجبات الخفيفة التي طلبوها.
في الواقع، لم يكن يشعر بالرغبة في الذهاب إلى الكافتيريا؛ كان يريد الهروب إلى نادي الجودو.
قال ذلك فقط لتجنب المشاكل، و لكن في النهاية، كان عليه الذهاب حقا.
كانت الكافتيريا قد تحولت إلى حصن للفريق الأزرق.
طلاب المرحلة الإعدادية يتدربون على الأغاني، و طلاب الثانوية يجرون بروفات على رقصات التشجيع.
نظر نيران حوله بتشتت حتى رأى شخصا يتميز بطوله الواضح تماما.
كان تشيوا يتحدث مع بعض الأصدقاء بتعبير جاد.
ضغط نيران على شفتيه، مترددا ما إذا كان عليه الاقتراب أم لا، و لكنه في النهاية سار نحوه لأنه أراد رؤيته…
بعد أن أصبحا لا يفترقان، شعر نيران أنه إذا مر يوم دون أن يكون تشيوا بجانبه، فستكون هذه مشكلة كبيرة بالتأكيد.
“تشيوا”.
“في نيران”.
“ماذا تفعل؟”
“أتحدث مع أصدقائي عن الحدث الرياضي”.
“آه..”
“..”
ساد الصمت بينهما. لم يعرف نيران إن كان هذا خجلا أم ماذا، و لكن أذني تشيوا احمرّتا مجددا.
تنحنح نيران و نظر بعيدا قبل أن يرفع قائمة الوجبات التي طلبها أصدقاؤه.
“طلب مني أصدقائي بعض الأشياء. هل يمكنك مساعدتي للحظة؟”
“بالتأكيد”.
كان هذا كل شيء. رُغم أن ما تحدثا عنه فوق ‘الدراجة المائية’ قد حدث منذ فترة طويلة، إلا أنه ظل محفورا في ذهنه؛ لم يكن من السهل نسيانه.
تذكر نيران كل شيء: التعبيرات، و الإيماءات، و الأجواء، و كل كلمة قيلت.
كانا ينتهي بهما الأمر دائما بالخجل أمام بعضهما البعض دون معرفة السبب حقا، ثم يعودان للتحدث عن أي شيء و كأن شيئا لم يكن، مكررين الدائرة ذاتها مرارا و تكرارا.
“أين جوميوت؟ لم أره”.
“في النادي. إنه يصنع جهازا جديدا للكشف عن الفضائيين”.
“مجددا؟ ألم يتعلم درسا من المرة السابقة؟ قريبا سيطرده المعلم من المبنى مرة أخرى”.
ضحك نيران و هو يضع الوجبات الخفيفة في السلة.
و عندما جمع كمية كافية، أخذها تشيوا منه ليحملها بنفسه.
ترك نيران له الأمر دون جدال و ذهب إلى جانب آخر ليختار شيئا يرغب في أكله.
“هل تريد شيئا؟ أنا سأدفع”.
“يمكن لـ في أن يختار لي”.
“ماذا لو اخترتُ شيئاً حارا؟”
“.. سآكله”.
“أنا أمزح”.
الشخص الذي لم يكن يمزح هو تشيوا. فإذا اشتراه نيران له، فسيأكله بالتأكيد.. أو ربما يطعمه له نيران، مثل تلك المرة التي ذهبوا فيها لتناول الشواء الكوري معا.
أخذ نيران حلوى هلامية بنكهة الكولا، و وضعها في السلة، و دفع الثمن، ثم خرج من الكافتيريا و هو يحمل الحقيبة التي لم تكن ثقيلة جدا.
“ألن تسمح لي بحملها يا في؟”
“وزنها لا يذكر”.
“و لكنك في البداية طلبت مني مساعدتك”.
توقف نيران و التفت لينظر إلى الفتى الطويل ذو النظارات ذات الإطار المربع.
لماذا كان عليه أن يسأل ذلك؟ أليس من المفترض أن يكون بطلا خارقا؟
لماذا لا يدرك وحده أن نيران لم يكن يريده أن يساعده في حمل الأشياء؟
“لم أطلب منك حمل أي شيء”.
“فقط أردتُك أن تبقى معي”.
“هل هذا غير مسموح؟”
و لماذا لا يكون مسموحا؟ تعبير تشيوا كان يقول ذلك بوضوح.
و لكن بينما كان الفتى الطويل على وشك الرد، طار شيء ما من الملعب مصحوبا بصرخة: “احذروا الكرة!”.
اصطدمت الكرة بكل قوتها بنظارات تشيوا، و كانت القوة كافية لجعلها تسقط على الأرض.
أسقط نيران حقيبة الوجبات و ركض نحوه فورا، متزامنا مع أصوات أقدام كثيرة قادمة من الملعب.
“تشيوا!!”
عبس نيران و مد يده ليزيل النظارات عن وجهه؛ كانت متصدعة من الجانبين، و ارتداؤها قد يؤذي عينيه.
بالإضافة إلى ذلك، بدأ سائل أحمر يتسرب من أنفه جراء قوة الاصطدام قبل قليل.
تأكدت حالة الرعاف (نزيف الأنف).
“سأضغط على أنفك. تنفس من فمك أولا. أمل رأسك للأمام قليلا حتى لا تختنق بالدم. إذا شعرت بالألم، اسحب ملابسي”.
أومأ تشيوا برأسه بدلا من الإجابة.
وضع نيران إبهامه و سبابته ضاغطا على جسر أنفه و ساعده في الجلوس على كرسي قبل أن يقول للطرف المسؤول الذي وقف خلفهما بتعبير يشوبه الذنب:
“أحضر لي منشفة باردة أو واحدة بها ثلج، من فضلك”.
“حاضر!”.
على الأقل، اعتذر الفتى الذي ركل الكرة مرارا و تكرارا و ساعد في وقف نزيف تشيوا.
لهذا السبب لم يفتعل نيران مشهدا كبيرا… رُغم أنك لو سألته عما إذا كان لا يزال منزعجا، لكانت الإجابة نعم.
كيف يمكن لشخص أن يركل الكرة دون أن ينظر؟ يا إلهي.
“توقف النزيف. هل لا يزال يؤلمك؟”
“نعم، يؤلم”.
“أها. لو لم يؤلمك، لما كنت بشرا بعد الآن”.
“هل تستطيع المشي؟”
أومأ تشيوا: “أستطيع، لكني لا أرى جيدا”.
“إذا سآخذك من يدك”.
“هل تريد الذهاب مع أشخاص فريق اللون الأحمر أولا، أم تفضل العودة لمجموعتك؟”
“.. أريد الذهاب معك”.
“جيد،” أومأ نيران برأسه. “هل لديك حقيبة ظهر؟ سأذهب لإحضارها إذا”.
“نعم. إنها حقيبة سوداء؛ بها ميدالية على شكل حرف ‘C’ أزرق معلقة عليها”.
“انتظر هنا إذا”.
“حسنا”.
ركض نيران عائدا إلى الكافتيريا، و لكن برؤية جبل حقائب الظهر، شعر بالإحباط.
لذا ربت على كتف طالب في السنة الخامسة قريبا منه و طلب المساعدة في العثور على حقيبة بارنتشيوا.
تبين أن الفتى في نفس الصف، لذا وجدها بسهولة أكبر مما توقع.
“حقا بها ميدالية..”
كانت عبارة عن حرف ‘C’ أزرق من الأكريليك، مع نجمة صغيرة معلقة بجانبه.. يبدو أنه يمتلكها منذ وقت طويل.
كيف يعقل أنه لم يلاحظها أبدا؟ رُغم أن النظر إليها عن قرب جعلها تبدو مألوفة.
ربما رآها من قبل، و لكنه فقط لم يعرها اهتماما.
و لكنه الآن يعيرها اهتمامه.
و وجدها لطيفة.
كان تشيوا يجلس منتظرا في صمت.
بدون النظارات التي تغطي وجهه، بدا جذابا—بما يكفي لجعل القليل من المارة ينظرون إليه بطرف أعينهم.
ركض نيران حتى أصبح أمامه، و قَرّب وجهه قدر الإمكان لأنه أراد من الشخص ذو الرؤية الضعيفة أن يرى أنه ‘يوزع نظرات غاضبة’ في تلك اللحظة.
“لماذا يظهر في بوجه غاضب؟”
“لن أخبرك”.
“هيا. أمسك بيدي، حسنا؟”
مع قول ذلك، أخذ نيران يد تشيوا و قاده من ملعب كرة القدم إلى منطقة الفريق الأحمر.
لم يحدث شيء يثير القلق في الطريق: لم يركل أحد كرة أخرى نحوهما، و لم تقع أي حوادث غير متوقعة.
و لكن ما حدث هو أن تشيوا، فجأة، لم يكتفِ بترك نيران يمسك بيده، بل بدأ يتشابك أصابعهما ببطء، واحدا تلو الآخر، حتى انضمت يداهما تماما.
علاوة على ذلك، بدأ إبهامه المشاكس يداعب ظهر يد نيران.
كان تلامسا جعل كل شيء داخل صدره يضطرب كما لم يحدث من قبل.
أطلق نيران تنهيدة، و توقف، و التفت لينظر إليه.
“لماذا تلمس يد شخص آخر هكذا؟”
“هل استأذنت أولا؟”
تحدث نيران بنبرة صارمة. و سأل تشيوا بصوت ناعم:
“.. هل يمكنني طلب الإذن؟”
متجمد في محيطه، و كأنّ الزمن قد توقف عنده. هل يدرك هذا الشخص حقا أين يتوارى ذاك الخجل الذي كان يملؤه؟
لماذا لا يبقى الآن سوى هذا الـ بارنتشيوا—الذي يبدو أكثر دهاءً، و تعقيدا، و الذي لم يعد يخجل أمام نيران.. بينما نيران هو من ينتهي به الأمر خجلا بدلا منه؟
“إذا لم يعطني في نيران الإذن، فلن أرغب في إمساك يده بعد الآن”.
من أين يأتي بهذه الأنواع من العبارات؟ لقد ارتفع مستواه فجأة، دون أن يعطي نيران وقتا للاستعداد.
“إذا سأبقى ساكنا،” قال تشيوا بصوت منخفض جدا، مخفضا رأسه و كأنه ارتكب مخالفة جسيمة جدا.
الأمر فقط.. أنه أصبح لطيفا مجددا.
“لم أقل إنني لن أعطيك الإذن، أيضا”.
“كنت أسأل فقط”.
و رُغم أنه كان يشعر بالخجل أكثر في كل يوم بسبب الطريقة التي يتقرب بها تشيوا منه، إلا أنه لم يقل أبدا إنه لا يريد قبول ذلك.
كما سبق و قال: لقد كان خجلا فقط.
“إذا استمررنا في إمساك الأيدي كما فعلنا قبل قليل، و المسح على ظهر اليد كما فعلت.. فهذا أيضا يشعرني بشعور جيد. لذا.. هل تريد الاستمرار في إمساك يدي؟”
“أريد”.
أجاب بسرعة كبيرة. أين ذهب الفتى كئيب المظهر منذ لحظة؟
لهذا عادا لإمساك الأيدي كما في السابق، يتشابكان بأصابعهما و يداعبان ظهر يديهما، حتى احترق وجه نيران تماما.
بحلول الوقت الذي وصلا فيه إلى وجهتهما، كان متعبا و كأنه تدرب على الجودو لساعات.
“هيه، لماذا لا يرتدي نونغ تشيوا النظارات؟” سأل هيمارات، مضيقا عينيه و هو يلاحظ شيئا غريبا: غياب النظارات و حقيقة أنهما يمسكان أيدي بعضهما.
“ركل أحدهم الكرة و أصاب وجهه. انكسرت النظارات،” أجاب نيران.
“ما هو مقاس نظرك؟” سأل ثارا.
أجاب تشيوا: “ما يقرب من الألف”.
“واو.. العيش و أنت ترى كل شيء مشوشا لا بد و أنه أمر معقد للغاية،” قال ثيبوك بنبرة متعاطفة.
قاد نيران تشيوا ليجلس على كرسي و سلم حقيبة الوجبات لصديقه.
“تفضل”.
“شكرا. و الآن ماذا؟ عليك أن تأخذ نونغ تشيوا إلى منزله، أليس كذلك؟ أو هل ستجعل أحدا من عائلته يأتي ليأخذه؟” سأل هيمارات مجددا.
فكر نيران أنه سيكون فكرة جيدة جدا أن يأتي شخص من عائلة الآخر من أجله؛ بهذه الطريقة لن يضطر للمعاناة مع وسائل النقل العام، التي عادة ما تكون مزدحمة جدا في فترة بعد الظهر، و عدم القدرة على الرؤية جيدا كان عقبة كبيرة.
“هل يجب أن يأتي في تشيوين ليأخذك؟”
جلس تشيوا ساكنا للحظة قبل أن يجيب:
“الجميع في المنزل مشغولون اليوم. هل يمكن لـ في نيران أن يأخذني، من فضلك؟”
“.. ممم، أعتقد ذلك. و لكن عندما تركب الحافلة، تمسك جيدا. أخشى أن تضيع”.
“فهمت”.
نظر الأصدقاء الثلاثة إلى بعضهم البعض، يتواصلون بأعينهم فقط: أجل، أجل، هذان الاثنان بدآ بالفعل في خلق عالمهما الخاص، العالم الذي لا يوجد فيه سواهما.
من الأفضل عدم التدخل. إذا قال بارنتشيوا إنه لا يوجد أحد قادم لأخذه، فهذا يعني ذلك تماما: لا توجد نوايا خفية، ليس الأمر و كأنه أراد تحديدا أن يأخذه نيران فقط. لقد كانت ضرورة!.
“هيه، نيران، يمكنك الجلوس و البقاء مع تشيوا. لا تحتاج للمساعدة في أي شيء،” قال ثارا و هو يغمس فرشاته في دلو الطلاء و يمررها على ملصق.
أومأ هيمارات: “أجل، علاوة على ذلك، أنت لا تساعد كثيرا على أي حال”.
انتفض نيران من التعليق: “هذا يبدو و كأنك تهينني”.
“لا، أنا جاد. الأمر فقط هو أن لديك امتيازات لكونك رياضيا. لا أحد في الفريق يجرؤ على قول أي شيء لك، و لا لنا. حتى كبار الطلاب لم يكن عليهم الحضور للمساعدة، و لكننا كسالى عندما يتعلق الأمر بالدراسة؛ المجيء إلى هنا للمرح أفضل بكثير”.
“حسنا، حسنا، سأبقى مع تشيوا إذا. هل أنتم سعداء؟”
“سعداء جداً،” رفع ثيبوك إبهامه.
تنهد نيران و جلس ببساطة بجانب تشيوا، ينظر تارة لجهة، و تارة للأخرى.. ثم إلى جانب وجه الآخر.
(إذا استمررت في النظر إليه هكذا.. هل سيلاحظ تشيوا؟)
فكر بشيء من التسلية قبل أن يجرؤ على اختبار ذلك.
بعد مراقبته لفترة، بدأ يشعر بقليل من الخجل و كان على وشك التوقف، و لكن الصغير—الذي يصغره بعام واحد فقط—سأل أولا:
“هل ينظر في نيران إلى تشيوا؟”
هل أشار إلى نفسه باسمه هكذا؟ ألم يكن يستخدم ‘أنا’؟ إذا لم تخنه الذاكرة..
“أردت فقط أن أرى ما إذا كنت ستلاحظ”.
“لاحظت منذ البداية.. أردتُ أن أرى كم ستستمر في النظر، لذا حاولت البقاء ساكنا. لم أكن أظن أنك ستنظر لفترة طويلة. عندما بدأ الأمر يطول جدا، شعرت بالرغبة في السؤال عما إذا كنت تعرف، و لكني حاولت ألا أفعل. كنت أخشى ألا ترغب في سماع ذلك”.
أطلق نيران ضحكة منخفضة: “هل قلتُ لك يوما إنني لا أريد سماع ذلك؟”.
“كنت قلقا فقط”.
“و لماذا فكرت في ذلك؟”
“لأن أحدهم أخبرني أن الأمر غريب”.
“من أخبرك؟”
“عدة أشخاص”.
“و من هم هؤلاء ‘العدة أشخاص’؟”
“.. لا أعرف”.
“أها. إذا كنت لا تعرف، فلا داعي للاهتمام بهم. و حتى لو كنت تعرف من هم، لست مضطرا لإجبار نفسك على التغيير بسبب ما يقولونه. أن تكون على طبيعتك هو الأفضل”.
“هل تعرف شيئا يا في؟”
“لا أعرف”.
“يا في، أنت مثل عنقود من النجوم الوليدة في سحابة ماجلان الصغرى، تابعة لمجرة درب التبانة، و التي تبعد عنا حوالي مائتي ألف سنة ضوئية”.
أمال نيران رأسه بذهول، و ضحك بصوت خافت: “و ما هذا؟”.
“إنه شيء لطيف”.
نوع جديد من المديح، شيء لم يسمعه من قبل، و لكنه جعل وجهه يدفأ لدرجة أنه اضطر للنظر بعيدا عن وجه القائل.
أها.. هذا يكفي. سيموت من الخجل.
“هل يمكنكما العودة بمفردكما حقا؟ ألا تريدان منا أن نوصلكما؟” سأل ثيبوك بقلق.
أومأ نيران. العناية بـ تشيوا هكذا لم تكن مشكلة؛ لم تكن عبئا.
“لا بأس. اذهبوا للمنزل و ادرسوا”.
قلب هيمارات عينيه: “مستحيل. من الواضح منذ البداية أن نونغ تشيوا أراد أن يكون بمفرده معك. منزل غني كالجحيم و رُغم ذلك لا أحد يأتي لأخذه.. يصعب تصديق ذلك”.
“منزل ثيبوك غني أيضا و رُغم ذلك يأتي في الحافلة،” تدخل ثارا.
“أجل، غني، و لكن ليس بغنى تشيوا،” رد هيمارات مضيقا عينيه. “هذا الفتى خطير، بالتأكيد. يقترب منك متنكرا في زي فتى غريب الأطوار، لهذا يبدو كشخص جيد”.
“حسنا، حسنا، كفى جدالا،” قال نيران. “تشيوا يأخذ الحافلة دائما، حتى قبل أن يقابلني. لا تفترِ عليه، أنت تملك شخصية سيئة”.
“بالتأكيد، بالتأكيد، أنا الرجل السيئ. أنا لست صديقا جيدا في عينيك أبدا… وااااه”.
“هل تتظاهر بالألم أيها الأحمق؟ توقف، سأتقيأ،” رسم ثارا وجها مشمئزا.
انتهى بهم الأمر جميعا بالضحك حتى آلمتهم بطونهم.
“حسنا، كلٌّ يذهب في طريقه”.
ودع نيران أصدقاءه و قاد تشيوا من يده إلى موقف الحافلة، واقفا في زاوية بها عدد أقل من الناس.
“من المؤكد أنه لن توجد مقاعد. ماذا سنفعل؟”
“يمكنني الوقوف”.
“هل أنت متأكد؟”
أومأ تشيوا، و لكن بمجرد الدخول إلى الحافلة، تبين أن الوقوف أكثر تعقيدا مما كان متوقعا.
لم يعانِ نيران من ضعف النظر أبدا، لذا لم يفهم الصعوبة تماما.
و برؤية القلق الطفيف على وجه تشيوا، فهم أن عليه فعل شيء ما.
“هكذا أفضل”.
كان تشيوا طويلا جدا؛ فإذا ذهب نيران في الأمام للمراقبة، فسيكون الأمر غير مريح.
لذا تبادلا الأماكن: وقف نيران في الأمام و تشيوا في الخلف، متمسكا بكتفيه.
“هل هذا أفضل؟”
“نعم”.
“إذا كنت تفضل طريقة أخرى، أخبرني”.
“هذا جيد”.
شعر نيران و كأنه يحفر قبره بنفسه.
بحلول الوقت الذي أدرك فيه الأمر، كان الأمر و كأنما يتم احتضانه من الخلف، رُغم أن تشيوا لم يكن يفعل شيئا سوى التمسك به.
فقط عندما تضغط الحافلة على المكابح، يلامس طرف أنف نيران شعر تشيوا؛ و عند ملاحظة ذلك، يبتعد فورا.
حدث ذلك مرتين، و حتى وصولهما لوجهتهما، خفق قلبه بسرعة أكثر من مرة.
“الطريق أصبح مألوفا لي بالفعل. لنمشِ و نحن نمسك أيدي بعضنا، حسنا؟”
“حسنا يا في”.
دخلا زقاقا آخر. رُغم أنهما يعيشان في نفس الحي، إلا أن نيران لم يكن يعرف بالضبط أين يقع منزل تشيوا؛ كان يعرف فقط أن عليهما المرور بمنزله هو أولا.
كانت تلك الظهيرة هي المرة الأولى التي يصل فيها إلى باب منزل تشيوا.
“هل ما قاله هيمارات صحيح؟”
“ماذا تقصد..؟”
“أنه يمكنك جعل عائلتك توصلك إلى المدرسة، و لكنك تختار المجيء بالحافلة”.
“نعم، هذا صحيح”.
“لماذا؟ سيكون الأمر مريحا أكثر لو أوصلوك”.
“رأيتُ أنه ليس بعيدا جدا، و الحافلة أكثر ملاءمة. أخي تشيوين لن يضطر للقيادة بالسيارة ذهابا و إيابا. في الصباح يوجد ازدحام مروري؛ لو أوصلوني، سيتعين علينا الاستيقاظ مبكرا جدا”.
“فهمت.. يا لك من فتى جيد يا تشيوا”.
“نعم، أنا فتاك الجيد يا في”.
سمع نيران ذلك و تظاهر بأنه لم يسمع، حتى لا يرد و يجعل الموقف أسوأ.
استمرا في التوغل في الزقاق.
عادة، لم يكن نيران يأتي من هذا الطريق لأنه لم يوجد سبب.
كانت هناك حديقة على الجانب الآخر، و متاجر أيضا؛ معظم المباني كانت منازل كبيرة.
لأول مرة، أدرك أنها جميعا كانت ضخمة.
“لقد وصلنا”.
“هنا؟”
نظر نيران للأعلى إلى الجدران العالية المحيطة بالمنزل؛ لم يكن بالإمكان رؤية سوى الطابقين الثاني و الثالث، مع بعض الأشجار التي تطل بخجل من الأعلى.
“شكرا جزيلا لك على إيصالي يا في نيران”.
“واو، أنت حقا من عائلة ثرية”.
“ليس لهذا الحد يا في”.
“بلا، أنت كذلك”.
“تستطيع الدخول بمفردك، أليس كذلك؟ لا أحتاج لمرافقتك للداخل”.
“.. هل تريد الدخول؟”
هز نيران رأسه بسرعة. رُغم أنه يحب البقاء مع تشيوا، إلا أن دخول منزله الآن.. لم يكن مستعدا.
علاوة على ذلك، فإنهما بالتأكيد سيطعمونه حتى ينفجر، مثل تلك المرة التي ذهبوا فيها إلى البحر.
“من الأفضل ألا أفعل. أراك يوم الاثنين”.
“.. أراك لاحقا يا في”.
بقي نيران يراقب حتى دخل تشيوا المنزل، و عندها فقط استرخى. ثم استدار ليعود إلى منزله.
في تلك اللحظة، اهتز هاتفه. التقطه نيران، و برؤية الاسم الذي يظهر على الشاشة، تسمرت قدماه على الفور.
“أمي…”
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!