فصل 2: أريد أن أعطي بقدر ما أحصل منك

فصل 2: أريد أن أعطي بقدر ما أحصل منك

‘مترنح’..

هكذا يمكنني وصف وصول دوانغ؛ كان مثيرا للمتاعب حقا. كان ثملا تماما، و رأسه يتمايل بينما كان يجرّه كل من جيتانا و براتشاي. كنتُ أعتقد دائما أن طلاب الموسيقى يشربون بكثرة، و لكن بعد رؤية هذا، ربما عليّ إعادة التفكير.

“شكرا يا باي. و شكرا لك أيضا يا جيتانا.”

“هذا ليس عدلا يا رجل. تناديه بـ جيتانا و لا تناديني بـ براتشاي؟”

“هل أنت متأكد أنك تستطيع إيصاله إلى غرفته بمفردك يا تشين؟”

“نحن بنفس الحجم،” قلتُ بكسل.

كنتُ أشعر بنعاس شديد.

كنتُ أنتظر اتصاله ليخبرني أنه وصل للمنزل بأمان، و لكن بدلا من ذلك، تلقيتُ اتصالا من صديقه يخبرني أنه غائب عن الوعي.

و عندما سألتُ أين يحتفظ بمفاتيح سكنه، رفض إخباري.

لا يزال مخادعا، حتى و هو ثمل. يا له من صداع.

“اعتني بصديقي، حسنا؟”

“إذا تجاوز حدوده، فقط اهشم زجاجة فوق رأسه،” قال باي مشيرا إلى رأسه. أومأتُ برأسي. لا داعي للقلق— أنا و هو متعادلان في القوة. في كل مرة نتصارع فيها بالأيدي، نتبادل الفوز و الخسارة.

“قد بأمان. نراك لاحقا.”

“أجل، أجل.”

التفتُّ و بدأتُ في المشي، معانيا قليلا لأن دوانغ كان ثملا لدرجة أنه لا يستطيع الوقوف بمفرده. غداً، سأجري معه حديثا بالتأكيد.

إذا شرب أصدقائي هكذا، فسأوبخهم— فما بالك بشخص ‘أتعارف معه’.

“هييييي، أننننت.”

وضعتُ يدي على وجهه، دافعا إياه لينظر للجهة الأخرى لأنه كان يفوح برائحة الكحول. كان وجهه محمرا، و أذناه أيضا. تمنيتُ ألا يموت من تسمم كحولي أو شيء من هذا القبيل— فحياتي فوضوية بما فيه الكفاية بالفعل.

سندتُ الشخص الثمل طوال الطريق حتى مقدمة الغرفة، و أخبرته أن يريح رأسه بشكل صحيح على كتفي. إذا تعثر و سقط، فسينفلق رأسه بالتأكيد— لا داعي للتفكير في الأمر. كان فتح الباب صراعا حقيقيا لأنه بدا و كأنه على وشك السقوط للخلف عدة مرات. زفرتُ أنفاسي و أنا أدفع دوانغ للأسفل، تاركا إياه نصف جالس و نصف مستلقٍ على الأريكة، قبل أن أجلس أنا أيضا.

بعد وقت قصير، زحف نحو حجري.

“رائحتك طيبة.”

“لا تزال مغازلا و أنت ثمل، هاه؟”

“أنا متقن لكل شيء،” ضحك لنفسه بطريقة مستفزة حقا قبل أن يستقر على إيقاع أنفاس ثابت فوق حجري. هززتُ رأسي بيأس، و مررتُ أصابعي بلطف عبر شعره البني الغامق. قررتُ أن أتركه ينام قليلا ليرتاح قبل أن أوقظه للاستحمام— سيفيق بشكل أفضل هكذا. لم أرد أن ينزلق و ينفلق رأسه في الحمام.

قضيتُ وقتا طويلا جالسا هناك، أستمع إلى ألبوم الجاز كاملا تقريبا و أنا أراقب رموشه الطويلة و هو نائم بعمق. ربما هذا ما يعنيه الناس بكلمة ‘استثناء’.

“…”

إنه استثنائي بالنسبة لي في الكثير من النواحي. دخل حياتي و كأنه يستطيع الرحيل بسهولة— و لكن هذا ليس صحيحا. هو لا يزال هنا. و هو هنا بطريقة تجعلني أشعر أنه لا يعاني من طبيعتي..

طبيعتي أنا.

“دوانغ.”

تمتم بصوت خافت ردا عليّ، كطفل صغير.

ابتسمتُ لنفسي بسخرية، مفكرا أنني لا أمانع لو ظل نائما هكذا للأبد… إنه لطيف نوعا ما.

“أنت (يو/Ter).”

“هيي!”

لكن لا، لا يهم. إنه لطيف عندما يكون صاخبا أيضا.

“هل يمكنني الحصول على واحدة أخرى، أرجووووك؟”

“خذ مؤخرتك إلى الحمام.” وقفتُ، تاركا رأسه الثقيل يرتطم بالأريكة، التي لم تكن حتى لينة. أطلق أنينا مبالغا فيه. لقد اعتدتُ على ذلك— عاداته في جذب الانتباه.

وقف دوانغ بكامل طوله. التقت عيناي بعينيه و كان يبدو و كأنه على وشك البكاء، لا يزال يتأرجح قليلا من أثر الكحول، و لكنه على الأقل بدا أكثر وعيا مما كان عليه قبل نصف ساعة.

بصراحة، أعجبني أننا بنفس الطول.

نفس الطول تماما— لدرجة أننا قمنا بقياس طولنا ذات مرة بجدية أمام طلاب علوم الرياضة لأنهم كانوا يضايقوننا دائما، قائلين إن الأقصر هو ‘الزوجة’. حتى تسميته ‘زوجتي’ تبدو سخيفة.

“أشعر بصداع الثمالة.”

“تستحق ذلك. أيها الأبله.”

“أنت قاس جدا.”

“أسرع و استحم حتى تستطيع النوم أخيرا.”

تنهدتُ، متوجها لإحضار كوب من الماء لأهدئ من روعي. خفض رأسه و مد يده لطلب منشفة. أشرتُ بذقني نحو خزانة الملابس، مخبرا إياه أن يأخذها بنفسه و يمكنه ارتداء ما يريد. ذكرتُ أيضا أن هناك فرشاة أسنان جديدة على الرف بجانب مرآة الحمام، ثم اختفى هو لينعش نفسه.

التقطتُ سماعاتي من نوع ‘مارشال’ لأستمع إلى الموسيقى التي كان عليّ دراستها لامتحان الأسبوع المقبل. لم أكن أفهم النوتة الموسيقية تماما بعد— على الأقل ليس بعمق. كنتُ مستغرقا في عالمي الخاص عندما خرج هو ببيجامته.

نظرتُ إليه و هو يحرك شفتيه بكلمات لم أسمعها لأن ميزة إلغاء الضجيج حجبت كل شيء باستثناء موسيقى الجاز في أذنيّ. في النهاية، كان هو من اقترب و نزع السماعات عني. عادة، كنتُ سأنزعج إذا فعل أي شخص ذلك— و لكن كما قلت، هو استثناء في الكثير من الأشياء.

“دوانغ لا يرتدي ملابس داخلية.”

“سحقا.”

ركلته بعيدا بقدمي. ضحك هو، و بدا مسرورا بنفسه بوضوح، و هو يقف عند طرف السرير و يجفف شعره بالمنشفة. جمعتُ كتب الموسيقى المبعثرة على السرير لأخلي مساحة. كانت هناك وسادتان بالفعل بما أنه سرير ضخم (King-size)— أنا لا أحب السرير الفارغ كثيرا، لذا أحتفظ دائما بوسادتين و وسادتين طويلتين (Bolsters).

“عندما تنتهي من تجفيف شعرك، أطفئ الأنوار.”

“فهمت، فهمت.”

“سأنام على اليسار.”

“كما تشاء. إنها نعمة بالفعل أنك لم تجعلني أنام على الأريكة.”

“من الأفضل أن تكون ممتنا.”

سحبتُ البطانية فوقي، مستنشقا رائحة منعم الأقمشة اللطيفة التي تجعلني أشعر بالنعاس دائما. بعد وقت قصير، أظلمت الغرفة. كنتُ أستطيع رؤيته بشكل خافت من خلال الضوء القادم من الشارع بالخارج، ثم ارتمى على السرير بجانبي. تلامست أذرعنا تحت البطانية— أقرب من أي وقت مضى.

“تشين.”

“أنا أسمعك.”

“فقط لتعلم، دوانغ ليس ثملا.”

الأقرب على الإطلاق. أقرب من أي شخص آخر.

“أنا معجب بك، كما تعلم.”

“…”

و يبدو أننا نقترب أكثر فأكثر.

“لا زلتُ معجباً بك— تماما مثل اليوم الأول الذي أدركتُ فيه ذلك.”

همهمتُ ردا عليه، لم أقلها بالمقابل، و لكن في أعماقي، كنتُ أعلم أنه يفهم صمتي. مددتُ يدي، ممسكا بإصبعيه الوسطى و السبابة بمرونة، و عيناي مغمضتان، قلتُ له بصوت أخفت من لمسة أصابع عابرة فوق لوحة مفاتيح:

“تصبح على خير.”

و أجاب هو بتشبيك كل أصابعه مع أصابعي.

هو، الذي يعد استثناءً لكل شيء.

و الذي ربما سيظل استثناءً بطرق لا أستطيع حتى البدء في توقعها.

✎﹏﹏﹏ ❀ ﹏﹏﹏✎

راقبتُ دوانغ و هو يدير مفاتيح السيارة، متمتما بلحن الأغنية التي عزفت للتو في السيارة، قبل أن ينغز كتفي و يسأل بعينين واسعتين… لم أرد لأن ذهني كان لا يزال عالقا فيما حدث هذا الصباح.

“تشين.”

وسادة طويلة واحدة لم تكن كافية لتبقيه في جانبه، أو ربما انزعجتُ أنا و ركلتها بعيدا. في النهاية، استيقظتُ لأجد دوانغ متكوما عند معدتي، و ذراعاه ملفوفتان بإحكام حول خصري— بينما كنتُ أنا أحتضنه بمرونة بالمقابل.

هذا جنون.

“تشيييين.”

خرجتُ من شرودي و نظرتُ إليه، و قد تحول الآن إلى طفل في الثالثة، يشير بحماس نحو محل ‘شاي الفقاعات’ (Bubble tea). قلبتُ عينيّ— كان يتصرف و كأنه نسي تماما لماذا أتينا إلى ‘سيام’ (Siam) في المقام الأول.

“سنتأخر.”

“نتأخر عن ماذا؟ ألم نأتِ هنا لتشتري الملابس؟”

“أنت هنا لتحصل على وشم يا دوانغ.”

“هاه؟”

ضحكتُ بخفة، مراقبا وجهه و هو يشحب كدجاجة مسلوقة.

“تشين، دوانغ لن يفعل ذلك.”

“أنت أخبرتني أن أذكرك— حتى أنني كتبتُ ذلك في ملاحظاتي.”

“كن جادا.”

“هيا، لنذهب إلى (ليدو/Lido).”

“تشيييين.” تذمر، متشبثا بكتفي كطفل. التقت عيناي بعينيه— كان يبدو و كأنه على وشك البكاء. لماذا يتراجع الآن بحق الجحيم؟ خاصة و أنه يوم الوشم و قد دفع العربون بالفعل.

نسايٌ للغاية.

“تذكرتُ الآن— آه، كنتُ ثملا. رسمتُ التصميم بنفسي، ثم تجرأ أحد الزملاء الأكبر سنا و تحداني أن أرسمه كوشم.”

“تظاهر بالقوة، ثم تحمل المسؤولية.”

“آه، إنه مجرد مبلغ بسيط.”

“لا يزال مالا. تحرك.”

أمسكتُ بمعصمه و سحبته معي. كان يحتاج للتوقف عن التلكؤ. بحلول الوقت الذي وصلنا فيه إلى السلالم المؤدية للدور الثاني من ‘ليدو’، كان رأسي قد بدأ يؤلمني من كل تذمره— عن خوفه من الإبر، و شعوره بالإغماء، و سؤاله عما إذا كان المستشفى بعيدا، و لماذا كان عليه المجيء من ‘ثاب كايو’ (Thap Kaew) فقط من أجل هذا.

“هيا يا دوانغ.”

ارتجفت شفتاه. تمنيتُ لو كان بإمكان الآخرين رؤيته هكذا— مرتديا القميص الأسود ذو الرسومات الذي اشتريته من إنجلترا العام الماضي، و جينزا أبله، و حذاءً رياضيا لم يكلف نفسه عناء ارتدائه بشكل صحيح. كان كل شيء على ما يرام تقريبا— باستثناء وجهه اللعين.

“أنت هنا بالفعل، مما تخاف؟”

“هل يمكنني الإمساك بك؟”

“توقف عن كونك مزعجا.”

“هيا يا تشين، إنها حالة طوارئ— أنا لا أفكر بأي شيء قذر، أقسممم.”

“لا تكن جبانا. إنه مجرد تصميم صغير— سأجلس معك.”

“أنت (يو/Ter)…”

“لا تناديني بـ (يو).”

“إذا… هل يمكنني الإمساك بيدك؟”

أردتُ حقا ضربه— دائما ما يثرثر و كأنني بائع في السوق.

تنهدتُ و أومأتُ برأسي قليلا بما أننا كنا نقف بالفعل أمام محل الوشم.

“لكن دوانغ أكد على تصميمين.”

“هذه مشكلتك.”

“سأخبره أن يرسم واحدا فقط، و لكن… سحقا، أنا محبط قليلا. إنهما جميلان جدا.”

تمتم، مبتسما بضعف و هو يخرج هاتفه الـ iPhone ليريني التصميمين.

أحدهما كان غابة صنوبر مع شمس. و الآخر كان البحر مع قمر.

“أنا أريهما لك فقط— أنا لستُ دجاجة (جبان)…”

“سأحصل على واحد أيضا.”

لم تلتقِ عيناي بعينيه و أنا أقول ذلك— ربما لأن قلبي تخطى نبضة لقراري الخاص و لابتسامته العريضة.

“دوانغ لم يجبرك.”

“أنت لا تستطيع إجباري.”

“هل تفكر في شيء يخصني؟” بدأ الشخص الذي بجانبي يصبح مبتهجا. نظرتُ إلى يده الدافئة المستقرة على فخذي. إنها عادته— عندما يتحدث مع شخص ما، يحب وضع يده هناك، أحيانا يمسح، أو ينقر، أو يضغط. عندما رآني أُحدق، سحب يده، فأخبرته بهدوء أن الأمر لا بأس به.

و أجل. أعاد يده، و لكن في مكان أعلى هذه المرة.

“لقد أصبحت جريئا.”

“هه، آسف.”

“هيي، هل أنت من حجز لموعد الواحدة و النصف؟”

“نعم.”

“نفس التصميم الذي أرسلته لي على (لاين)، صح؟”

أومأ الشخص المسؤول بحماس قبل أن يتوجه للإشارة إلى أشياء على شاشة الـ Mac الخاصة بفنان الوشم. ربما كانوا يناقشون التصميم. ثم أشار لي للمجيء و النظر.

“هذا يبدو جيدا، صح؟ أعتقد أنه سيكون جميلا على الكاحل.”

“كنتُ أفكر في الكاحل الداخلي أيضا.”

“تصميم من لمن الآن؟”

“اختر أنت أولا. أي شيء يناسبني.”

تلاقت أعيننا لفترة قبل أن أخبر الفنان أنني سآخذ التصميم الأيسر، و لمحتُ ابتسامة صغيرة ترتسم على وجه الشخص الذي رسمه.

“من سيبدأ أولا؟ اقفز على السرير، استند إلى الحائط، و ضع قدمك هنا. سأذهب لتجهيز الإبر و الحبر.”

بمجرد أن غادر الفنان منطقة الوشم، سقط وجهه فورا. هزَّ يده الدافئة بيدي مرارا قبل أن يبدأ في التذمر مجددا.

“تشين، تشين، سأفقد الوعي بالتأكيد.”

“لا ينبغي أن يؤلم كثيرا— كالسقوط من على دراجة.”

“و أين لا يؤلم السقوط من على دراجة؟!”

“قرأتُ في مكان ما أن الكاحل لا يؤلم.”

“حقا؟”

“أجل. ألم تقم بأي بحث؟”

“آسسسف.”

“هل تريد أن أبدأ أنا إذا كنت خائفا لهذا الحد؟”

“مستحيل. أريد المحاولة أولا. إذا آلم كثيرا، لن تضطر أنت لفعله.”

بمجرد انتهائه من الكلام، جلس على سرير الوشم. جلستُ بجانبه، ممدودا يدي قبل أن ألتفت للقاء عينيه. عندما عاد فنان الوشم بالمعدات، انكمش هو كجرو حزين.

“يدك.”

“هاه؟ ماذا؟”

“هل تريد الإمساك بها؟”

أنا شخص صريح. و أعرف ذلك عن نفسي. أنا لا أبتسم بسهولة، و لكن ليس من الصعب جعلي أبتسم أيضا.

“تشين.”

أنا أحتفظ بعالم خاص لا أسمح للناس بدخوله بسهولة. و لكن هل يعلم هو؟ إنه بداخله بالفعل.

تماما كما بدأتُ في ترك الستائر مفتوحة في غرفتي، سامحا لضوء الشمس الدافئ بالدخول— حتى أدركتُ أن عينيّ في الحقيقة بنية داكنة، و أن بشرتي شاحبة لدرجة تظهر عروقي، و أنه خارج هذا العالم، يوجد هو.

“شكرا لك.”

إنه كشمس أخرى.

كالوشم الذي يبدو و كأنني تركته يختاره— و لكنني لم أفعل.

لقد اخترتُ القمر لأن الشمس لم تكن تناسبه.

“بكل سرور.”

هو الشمس. بالنسبة لي… هو الشمس.

“سحقا، كأنه قطع في ساقي بمشرط.”

“هل هو سيء لهذه الدرجة حقا يا تشين؟” وسع جيت عينيه و هو يسأل الشاب الشاحب الذي كان يأكل ‘كونجي’ (عصيدة أرز) بلحم الخنزير المفروم و البيض المملح بهدوء.

“ليس لهذه الدرجة.”

“أنت ضعيف فقط.”

ركل دوانغ صديقه تحت الطاولة. يقولون إن قدرة تحمل الألم تختلف من شخص لآخر، و لكن مع ذلك، عندما قام الفنان بتمرير الإبرة لإضافة اللون، ضغط تشين على يده لا شعوريا.

لطيف، هاه؟

“فيما تبتسم؟”

“لا شيء، (خا).”

كل ما يفعله لطيف جدا.

“أنت مزعج للغاية، دائما ما تتحدث بـ (كا) و (خا). يا لك من مغازل.”

“أنا أتحدث هكذا مع تشين فقط، حسنا؟ اتركني و شأني.”

“لم تكن تتحدث هكذا مع حبيبتك السابقة، أليس كذلك؟”

“لم يكن لديّ حبيب قط، أيها الأبله.”

“كاذب، ستذهب للجحيم يا دوانغ،” قال جيت و هو يركز على عصيدته، غير مدرك تماما أنه ألقى عبئا عاطفيا هائلا على شخص آخر. ابتلع دوانغ ريقه بصعوبة و منح ابتسامة جافة للشاب الشاحب الذي كان يراقبه بهدوء.

أرأيت؟ تماما مثل القطة— دائما ما يحدق.

“حقا لم يكن لديّ حبيب قط. أخبرتك بالفعل.”

“حقا؟”

“حقا، حقا.”

“أنت ساحر تماما.”

“لا تثق بـ دوانغ كثيرا يا تشين. قد يوصلك إلى سكنك ثم يتسلل إلى غرفة شخص آخر بعد ذلك.”

أيها الوغد! رفع دوانغ يده ليضرب صديقه مثير المشاكل الجالس بجانبه. هذا الرجل كان بارعا جدا في إثارة الفتن— من الأفضل ألا يخطئ، و إلا سيحرص دوانغ على الانتقام منه.

“إذا ضربت جيت، فهذا يعني أنك مذنب.”

“لماذا تدافع عنه؟”

“بلا بلا بلا!”

“فقط انتهيا من الأكل. لدينا فصل دراسي مبكر غدا.”

“لكن فصلك يبدأ في العاشرة و النصف.”

“أنت من لديه فصل في الثامنة و النصف.”

“أنت تتذكر جدول حصصي؟”

بدا الشخص الذي يتم الاعتناء به بريئا. لم يعتقد أبدا أن تشين سيتذكر شيئا كهذا. القول بأنه حب من طرف واحد لم يكن مبالغة، لأنه في الحقيقة، كان يحب تشين من طرف واحد. كل هذا ‘التعرف على بعضنا البعض’؟ لا يمكنك الاعتماد عليه حقا.

لقد حاول. و لكن أحيانا، كان لا يزال يقصر… راغبا في العطاء أكثر.

“أنا أتذكر.”

و أحيانا، يبدو تشين قادرا على قراءة أفكاره.

“إذا كنت تستطيع تذكر جدولي، فأنا أستطيع تذكر جدولك.”

“…”

في النهاية، أدرك أن هذا لم يكن سباقا نحو خط النهاية حيث ينتظر الشخص الآخر كجائزة… لم يكن الأمر كذلك على الإطلاق. بدلا من ذلك، كان ركضا، كانت رحلة، كانت دفعا لكل شيء معا.

البدء، المضي قدما، ربما السقوط، ربما النهوض مجددا، و لكن من خلال كل ذلك— “أريد أن أعطي بقدر ما أحصل منك.”
حدث كل شيء في نفس الوقت.

كل من الحب و الكره. أجل، هذا هو هو و موسيقى الجاز. في البداية، كان ينوي التخصص في الأداء الموسيقي، و لكن في النهاية، اختار الجاز. و اضطراره لجر نفسه من السرير لدراسة نظرية الجاز في وسط هذه الحرارة الحارقة جعل الأمر أكثر إثارة للاستياء.

“تشين.”

“ماذا؟”

“هل رأيت ذلك؟ حبيبتك الصغيرة.”

“سحقا، لماذا تسميه هكذا؟ يجعله يبدو مبتذلا جدا.”

“حسنا، هو دائما ما يتصرف بلطافة حولك. صديقي يتجاهله فقط مثل راهبة تطرد الإغراءات. في كل مرة يغازلك فيها، تتجاهله. في كل مرة يمازحك، تتجاهله.”

أخذ تشين الهاتف من صديقه و رأى أنه ألبوم صور على صفحة الفيسبوك الخاصة بالجامعة، نُشر قبل دقائق قليلة.

[دوانغ لن يقلك اليوم. أنا أساعد صديقة في جلسة تصوير.]

لا بد أن يكون هذا. فكر تشين في نفسه و هو يتصفح الصور.

“واو، هناك تواصل بصري و كل شيء.”

“كان يتبع التعليمات فقط. لماذا تثير المشاكل؟”

“تشين لا يهتم على أي حال.”

“أنا أهتم.”

رد تشين جعل صديقه يتوقف عن الضحك… بصراحة، لم يفهم لماذا يستمر الناس في قول إن تشين لا يهتم بـ دوانغ. هو يهتم— أكثر من أي شخص آخر. بالطبع هو يفعل، لقد مر نصف عام و دوانغ بجانبه. لم يكن بلا قلب.

“و لكنه مجرد عمل.”

“لا تخبرني أنك تغار حقا. واو، صديقي لديه مشاعر.”

“أنا بشر.”

قال الشخص الذي يرتدي زي الطالب غير المنضبط تماما لأنه متكاسل جدا عن إحضار حزام مناسب أو حذاء جلدي، و قلب عينيه. لمجرد أنه لم يقل إلا ما هو ضروري و أظهر ما يستطيع، فهذا لا يعني أنه بلا قلب أو بارد.

ففي النهاية، أمور القلب تستغرق وقتا و هو لا يزال يريد قضاء المزيد من الوقت مع دوانغ. خطوة بخطوة… المضي قدما ببطء.

“لو عرف دوانغ هذا، سيكون سعيدا جدا.”

“أيًا كان.”

“و مع ذلك، هذا لطيف. مهما مر من الوقت، لا يزال دوانغ يحبك. لا يستسلم أبدا.”

نظر تشين إلى جهاز العرض في مقدمة الغرفة بينما كان البروفيسور يشير إلى آلات جاز قديمة كان قد رآها من قبل أثناء الدراسة لامتحانات دخول الجامعة. كيف يصف ذلك؟ لقد رأى دوانغ من قبل لأن أماكن دروسهما الخصوصية كانت قريبة من بعضها البعض، و لكن في ذلك الوقت، لم يلاحظه دوانغ. هو لم يفكر كثيرا في الأمر أيضا.

تذكره لأنهما كانا بنفس الطول تقريبا. كان يرتدي ملابس جيدة. كان طيبا.

“ليس الأمر و كأنني لا أحبه.”

و كان دائما يرافق صديقاته إلى محطة القطار بعد الحصص المتأخرة، رغم أنه يستقل الحافلة للعودة للمنزل. هذا ما جعل تشين يتذكره— لأنه فعل ذلك باستمرار. ذلك النوع من اللطف. اللطف الذي يجعل تشين لا يزال راغبا في قضاء الوقت معه و ليثبت لنفسه… أن الأمر سيستمر.

“أنا أحبه أيضا.”

“هيييي، دوانغ آسف.”

“مم، لا بأس.”

“لم أنسَ، حقا!”

“أعرف. لقد كنت تراسلني كل عشر دقائق.” رفعتُ هاتفي أمامه بينما كان يهرع نحوي تحت مبنى الكلية، و هو يتصبب عرقا. كان يلهث، و يداه على فخذيه. مددتُ يدي و ربتُّ على رأسه بخفة مرتين قبل أن أتذمر.

“الكثير من العرق.”

“ذهبتُ إلى الكثير من الأماكن. لديّ مهام لأقوم بها.”

“لنذهب لنأكل.”

“و لكن أصدقائي قادمون أيضا، هل لابأس بهذا؟”

“أيًا كان.”

كان لديه الكثير من الأصدقاء، مقارنة بي. لن أصفه بالضبط بأنه اجتماعي— أحيانا يكون جاهلا جدا لدرجة تشعر فيها أنه لا يعرف كيف يقول لا. مهما طلب منه أي شخص، يفعله. مهما احتاج أي شخص، يكتفي بالابتسام و الموافقة. أخبرتكم، هو طيب.

“تشين!”

و هذا اللطف— هو الجزء المخيف.

“ما الأمر؟”

“تبدو رائعا اليوم، و أنت تشمر أكمامك هكذا.”

“اخرج من سيارتي.”

منحتُ جيت ابتسامة باهتة بينما كان يميل من النافذة الخلفية ليمازحني. مع مرور الوقت، أصبح أفضل صديق لـ دوانغ صديقي بطبيعة الحال أيضا. مددتُ يدي لأفتح الباب الأمامي، لكن جيت هز رأسه بسرعة.

“هيي، هناك صديقة أخرى لـ دوانغ. ربما لم تقابلها بعد. اسمها يم (Yim).”

“مرحبا، أنت تشين، صح؟”

أغلقتُ الباب و ارتميتُ في المقعد الخلفي بجوار جيت، و أومأتُ برأسي محييا إياها بالمقابل. عندها لاحظتُ شخصا يراقبني من خلال مرآة الرؤية الخلفية. كانت المرة الأولى التي أجلس فيها هنا في الخلف، و كان هناك ثقل هادئ يستقر في صدري. تجمدتُ للحظة، محاولا معالجة مشاعري الخاصة. الفتاة الجالسة بجوار دوانغ هي نفسها التي التقطت صورا ترويجية معه لقميص الجامعة في وقت سابق اليوم. رأيتها تضع يدها على فخذ دوانغ أثناء الحديث عن فيلمها المفضل بينما كان يقود.

أدرتُ وجهي بعيدا، محولا نظري إلى جانب الطريق، تاركا قائمة أغانينا المشتركة تعزف بنعومة في السيارة. و أدركتُ— على هذا الطريق الذي نسير فيه، أنا لا أملك أي شيء. في تلك اللحظة عرفتُ أنني لا أستطيع منع نفسي من حبه. لا أستطيع التحكم في من يحبه أو لا يحبه. و لا أستطيع منع الآخرين—

“هل شاهدت فيلم (A Star Is Born) من قبل يا دوانغ؟”

“فاتني عندما كان في السينما.”

—من حب دوانغ أيضا.

“أوه.”

“حسنا، في الواقع، لقد شاهدته. على DVD. مع تشين… تشين يدرس الموسيقى، و قد أعجبه الفيلم، لذا أردتُ استعارته و— أجل، ظللتُ أتذمر حتى سمح لي تشين بمشاهدته معه. صح؟”

و لكن اليوم، تعلمتُ شيئا آخر— ليس عليّ القلق بشأن أي شيء في العلاقة التي بيننا.

“هاه؟ دوانغ، أنت تتحدث بأدب شديد مع صديقتك؟”

“أوه، لا. ليست صديقة.”

لأنه سيكون موجودا دائما— ليس قريبا جدا، و ليس بعيدا جدا عني.

“تشين هو الشخص الذي أواعده.”

مذكرا إياي، مرارا و تكرارا، أن هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يكن عليّ الشك فيه أبدا.

“واو، لم تكن لديّ أدنى فكرة.”

“ههه، أنا من لحق بـ تشين.”

كان الشيء الوحيد الذي لم أضطر للسؤال عنه أبدا— لأن الإجابة كانت واضحة دائما.

“هيي، هل يصلك هواء المكيف؟”

“أجل.”

“حسنا، سنأكل في المكان الذي تحبه.”

“بصراحة، أي مكان جيد. يمكنكم الاختيار.”

تلاقت أعيننا مجددا من خلال نفس المرآة. ابتسم عندما رأى أن مزاجي قد تحسن، و لم أتفاجأ بأنه يستطيع قراءتي جيدا— لأنه حقا كان ينتبه لي طوال الوقت.

“جيت يريد أكل أرز الدجاج.”

“أنا موافق! لنذهب إلى (تومثونغ/Tumthong).”

“أرز الدجاج إذا. لا تراجع الآن.”

سايرتُ الأمر فقط. كما قلت، يمكنني أكل أي شيء. هو دائما من يدللني، و قبل أن أدرك، كانت السيارة قد توقفت بالفعل بجانب المحل. كان علينا عبور طريق مزدحم للوصول إلى مكان أرز الدجاج الشهير.

“لقد افتقدتك.”

جاء بتلك الرائحة الدافئة، رائحة خشب الصنوبر. لديّ ذكريات روائح مختلفة للجميع— ربما لأنني نشأت حول العطور بسبب عمل عائلتي. و لكن العطر الذي يرتديه الممزوج برائحته الطبيعية يجعلني دائما أفكر في غابة صنوبر.

تلامست أكتافنا من شدة قربنا. التفتُّ لأراه يبتسم ابتسامة عريضة، و قد تجعدت عيناه عند الزوايا.

“ماذا تريدني أن أقول؟”

“أي شيء حلو.” أجاب و هو يمسح الطريق بحثا عن فرصة للعبور. عندما خلت الطريق، خطوتُ للأمام أولا، ساحبا الفتاة الوحيدة معنا بلطف لنعبر معا.

“أنا أيضا افتقدتك.”

“…”

“هل هذا حلو بما يكفي؟”

“سمعتُ ذلك! لماذا أنتما لطيفان هكذا؟”

مازحتنا يم بابتسامة بدت مرة و حلوة قليلا. على الأقل، هذا ما فسرته. شكرتني بهدوء لمساعدتها على العبور قبل أن تتبع جيت لطلب أرز الدجاج. برؤية ذلك، مررتُ بجانب الطاولة لأمسك الأكواب و أغرف بعض الثلج.

“هيي، كدتُ أموت هناك.”

“لماذا لم تمت؟”

“لأنني لا زلتُ أريد العيش لأسمعك تقول أشياء لطيفة كهذه.”

“مبتذل.” قطبتُ حاجبي، متسائلا من أين يأتي بهذه الجمل.

“ظننتُ أنك ستغضب و تجعلني أجلس في الأمام.”

“لستُ تافها لهذه الدرجة.”

“هذا لأنني أهتم.”

“أعرف. أنا أهتم أيضا.”

“لماذا أنت لطيف جدا اليوم؟ هل تحاول جعلي أقع في حبك؟” أخذ الكوب من يدي، متمتما بنعومة. شعرتُ بالمسافة بيننا تتقلص بينما خطا خلفي— بشكل متعمد جدا، أود أن أضيف. عندما لم أوبخه لوضع ذقنه على كتفي، ظل هناك فقط. ثم، ضغط أنفه على قميصي المجعد و كأنه في ذهول.

“رائحتك طيبة جدا يا تشين.”

التفتُّ لألمح وجهه، و لم يتراجع— رغم أنني لو اقتربتُ أكثر قليلا، لتلامست أنوفنا.

“الصور مع يم بدت لطيفة.”

“أرأيت؟”

“ماذا؟”

“تبدو غيورا. مع مشاعر و كل شيء.”

“مشاعر، في مؤخرتك. أبعد وجهك. لقد استهلكت حصتك لليوم.” وكزته بقوة بمرفقي في معدته، و أنا أوازن كوبين من الثلج بينما أضيق عينيّ في وجهه و هو لا يزال يحاول الاقتراب أكثر.

“يا خالة! هناك أشخاص يتغازلون في محلك!”

و اليوم كان يوما جيدا آخر— يوما جيدا لأنه كان لا يزال هنا بجانبي.

“جيت! أيها الصغير اللعين!”

و كان هذا كافيا.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!