فصل 35

فصل 35

كان قيصر طوال الوقت ينظر عبر النافذة، غارقًا في أفكاره. أمّا وون، فظلّ يحدّق في ملامحه الجانبية.
هذا الوجه… آثم.
وجهٌ ملائكي، ومع ذلك يطلق النار على الناس بلا تردّد.

رغم إدراكه لذلك، لم يستطع أن يشيح بنظره عنه. ظلّ يحدّق فيه هكذا… حتى شرد ذهنه.

حين وصلوا إلى المدينة المقصودة، كانت الشمس توشك على المغيب. رغم أن الوقت لم يتجاوز آخر النهار، إلا أن الضوء بدأ ينسحب استعدادًا للغروب.
ما إن توقّفت السيارة، حتى تحرّك وون بسرعة. وبعد جهدٍ لإقناع السائق—الذي تشبّث به طلبًا لتوقيع—ودفع الأجرة، تمكّن أخيرًا من النظر حوله.

فهم فورًا ما قصده السائق.

لم يكن هناك سوى بيوتٍ قديمة، لا تتجاوز العشرين، بالكاد تُضاء بأولى الأنوار. المسافات بينها واسعة، والقرية شاسعة لدرجة أنّ الصراخ من بيتٍ مجاور قد لا يُسمع.
على مقربة، بدا البحر مظلمًا يتمايل بهدوء، وخلف القرية ارتفع تلّ صغير مكسوّ بالصقيع.

في تلك اللحظة، مرّ بعض الصيادين العائدين، يحملون دلاء السمك. رمقوا وون وقيصر بنظراتٍ متفحّصة. ابتسم وون بتوتر، لكنهم مرّوا دون كلمة.

جزيرة صغيرة… معظم سكانها صيادون. الغرباء نادرون، ومن لا يبدو كصياد، يثير الشك.

أشاح وون نظره عنهم، ثم التفت إلى قيصر:
«أين سنقيم؟»

أشار قيصر إلى جهةٍ ما. لافتة صغيرة تومض على طرف القرية. بدا المكان الوحيد الذي يصلح كنُزل.

نظر وون إلى المبنى، ثم إلى قيصر.
بمعطفه الفروي الفاخر من رأسه حتى قدميه… بدا كأنه كائنٌ غريب في هذا المكان البسيط.

عبس فورًا.
هل جئنا للعمل… أم للسياحة؟

فتح الباب ودخل، فرأى رجلًا يقف خلفه مباشرة. كان ذا ملامح لطيفة، قريبًا من طوله، يحمل حقائب كثيرة. تنحّى وون جانبًا، فدخل الرجل أولًا، بعد أن حيّاه بإيماءة.

ظهر بهو النُزل—صغير، لكنه نظيف.
الجدران مزيّنة بصور الصيادين وإنجازاتهم، وأدوات الصيد تملأ المكان. السجاد قديم، لكن نظيف، والمدفأة مشتعلة، تبعث دفئًا مريحًا. وفي زاوية، رُتّبت معدات صيد للبيع أو الإيجار.

تأمّل وون المكان بإعجابٍ صامت.

«هل يمكنني حجز غرفة؟»

قال الرجل بصوتٍ هادئ. كان يقف عند الاستقبال، يدوّن بياناته. التفت إلى وون وابتسم، بعينين ضيّقتين لطيفتين.

اقترب وون، وبينما كان ينتظر، رنّ جرس صغير، فخرج صاحب النُزل حاملاً سجلًّا سميكًا.

«هل ستقيم وحدك؟»

«نعم.»

نظر صاحب النُزل إلى الحقائب الكثيرة بدهشة:
«حمولة ثقيلة… ما كل هذا؟»

ابتسم الرجل وقال وهو يكتب:
«الصيد هوايتي. لديّ أدوات كثيرة. البعض يراه مضيعة للوقت… لكنه إدمان. إذا وقعت في حبّه، لن تستطيع تركه.»

ضحك صاحب النُزل:
«صحيح… حتى لو طلّقت زوجتك، لن تترك الصيد.»

ضحك الاثنان معًا.

في تلك اللحظة، خرجت زوجة صاحب النُزل، فرأت وون ينتظر، فابتسمت بحرارة:
«أهلاً بك، آسفة على الانتظار.»

ردّ وون بابتسامة خفيفة.

سلّم الرجل—واسمه ليونيد—مفتاحه، وغادر. التفتت المرأة إلى وون:
«هل تريد غرفة؟»

«غرفتين منفصلتين، من فضلك.»

قالها وون، ثم ألقى نظرة خلفه.

ما إن رأت المرأة قيصر، حتى اتّسعت عيناها إعجابًا.
«آه… أنتما معًا؟»

تردّد وون قليلًا:
«…نعم.»

تنهدت المرأة، ثم قالت بحرج:
«للأسف… لم يتبقَّ سوى غرفة واحدة.»

تجمّد وون:
«ماذا؟»

ابتسمت بخجل:
«كانت لدينا غرفتان… لكن واحدة حُجزت للتو. الغرفة المتبقية لشخصين.»

تنهد وون بامتعاض.
أن يشاركه الغرفة… مع هذا الرجل؟

«هل يوجد نُزل آخر قريب؟»

هزّت رأسها:
«لا، هذا المكان الوحيد.»

أطلق وون زفرة طويلة. أفكار كثيرة تدفّقت في ذهنه.

فجأة، قال قيصر من خلفه:
«لا يهم… يمكننا مشاركة الغرفة.»

استدار وون بسرعة، فرأى تلك الابتسامة الغريبة على وجهه.

«هل أبدو مخيفًا؟»

لمعت عينا وون بحدّة، ثم التفت إلى المرأة:
«سآخذها.»

«قرار جيد.»

قالت وهي تسلّمه المفتاح.

تقدّم صاحب النُزل:
«ليونيد، سأرشدك إلى غرفتك.»

حمل بعض الحقائب وسار، بينما تبعه ليونيد.

كان قيصر يراقب الرجل بصمت. خطواتهم بالكاد تُسمع على السجاد الناعم.

قال وون وهو يدوّن في السجل:
«يبدو أن كل من هنا يعرف بعضه.»

أومأت المرأة:
«نعم، الجميع يعرف الجميع.»

سألها وون بحذر:
«هل تعرفين شخصًا يُدعى فاسيلي شيشكين؟»

نظرت إلى الورقة، ثم قالت فورًا:
«الاسم مختلف… ربما أخطأت العنوان.»

ثم أضافت:
«أنا لست من أهل القرية، جئت منذ ثلاث أو أربع سنوات. لكن… ذلك المنزل؟ لا يزوره أحد أبدًا.»

لمعت عينا وون فجأة.

في تلك اللحظة، انفتح باب المصعد، ودخل ليونيد. ضغط صاحب النُزل زر الإغلاق… ثم التفت ببطء.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!