فصل 48

فصل 48

بصمتٍ ثقيل، لم يجد كوي خيارًا آخر سوى أن يمسح دمعة تسللت إلى عينه، وهو يشعر بوخزة في صدره من شدة الشفقة. لم يكن بوسعه سوى مشاهدة ما يحدث بعجز، وهذا الشعور كان يخدش روحه.

بعد قليل، أقلعت الطائرة عن الأرض واتجهت عبر المحيط. أمّا بليس، فما إن استقر في مقعده حتى أخرج جهازه اللوحي، وبقي طوال الرحلة محدقًا فيه بتركيز متوتر دون أن يرفع عينيه.

❈ ❈ ❈

قصر كونت هيرينغر القديم، الضائع في ضواحي لندن، كان قد بدأ للتو يلبس ثوب الخريف. كل شيء حوله كان ملوّنًا: خضرة الأشجار التي لم تستسلم بعد اختلطت مع احمرار مبكر وألوان داكنة جميلة.

عندما وصل بليس بسيارة أجرة، نظر عبر السياج الحديدي العالي والمخيف قليلًا. خلفه امتدّ حديقة واسعة بلا نهاية. كان يأمل رؤية أحد الخدم، لكن المكان كان خاليًا تمامًا.

“…مخيف بعض الشيء.”

رغم أن الشمس كانت ما تزال عالية، كان هناك شعور غريب بالبرودة واليأس في الهواء. ارتجف بليس قليلًا ونظر حوله. حاول رؤية الداخل بين القضبان، لكن دون جدوى—فراغ فقط.

“همم…”

ابتعد قليلًا عن البوابة، فلاحظ جرسًا قديم الطراز على العمود الجانبي. جمع شجاعته وضغط عليه. دوى صوت حاد ومزعج، ثم عاد الصمت.

انتظر قليلًا… لكن لا أحد جاء.

“هل أضغط مرة ثانية؟”

رفع يده، وفجأة ظهر ظل في عمق الحديقة. اقترب رجل مسن على عربة غولف صغيرة ببطء. سحب بليس يده بسرعة ووقف بشكل مستقيم.

كان الرجل يبدو بوضوح أنه بستاني، ملابسه متسخة بالتراب. توقّف أمام البوابة ونظر إلى بليس بنظرة تقييم باردة وقال:

— ما السبب؟

كان صوته غير ودود، ووجهه متجهم. لكن بليس ابتسم بحماس وقال:

— مرحبًا! أنا… بلير كارلتون، جئت لمقابلة عمل لمدة ساعتين. لدي موعد مع السيدة تايلور.

كاد يخطئ في اسمه الحقيقي من التوتر، لكن الأمر مرّ بسلام. الرجل لم يُظهر أي رد فعل، فقط نظر إليه ببرود ثم ضغط على زر فتح البوابة.

بعد لحظة، بدأت الأبواب الحديدية الثقيلة تفتح ببطء.

— شكرًا جزيلًا.

دخل بليس وهو ينحني بأدب، ثم صعد إلى العربة. البستاني جلس بصمت وبدأ القيادة.

كان المكان داخل القصر غريبًا… باردًا وكئيبًا بشكل غير طبيعي. حتى الحديقة الجميلة بدت كأنها مهجورة منذ زمن طويل.

“أجواء كئيبة جدًا…”

❈ ❈ ❈

حاول بليس الحديث:

— شكرًا لاستقبالي، سيدي…

لكن الرجل رد ببرود:

— لا يهم، لن تبقى هنا طويلًا.

ابتسم بليس ابتسامة متوترة وهو يغلي داخليًا.

“أيها العجوز الوقح…”

لكن لم يقل شيئًا.

ثم بدأ يفكر في “الفيـرومونات” الخاصة به… وكيف يمكن أن يغيّر مزاج الناس بسهولة لو كان يستخدمها.

تذكر شخصًا اسمه “إينجل”، الذي علّمه هذا المفهوم، وكيف جعل الناس يبتسمون فقط بفضل رائحته الخاصة.

لكن سرعان ما قطع هذه الأفكار صوت داخلي صارم:

“لا يمكنك حل المشاكل بهذه الطريقة.”

كان صوت كوي في ذهنه.

تنهد بليس واستسلم.

❈ ❈ ❈

عند وصوله إلى القصر، أدخله البستاني إلى غرفة انتظار ثم غادر.

“أخيرًا وحدي…”

اقترب من المرآة وبدأ يعدّل مظهره. شعره المستعار كان ثابتًا، لكن التسريحة انهارت تمامًا.

“الطقس اللعين!”

أخذ يصلح نفسه بعصبية، ثم استسلم في النهاية.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!