“حسنا، الجميع إلى الحافلة. من لديه مشكلة، فليتكلّم الآن.”
اندفع المدرّب أونغ يستحث أعضاء نادي الجودو على الصعود، و كانت الساعة تشير إلى الخامسة و النصف صباحا؛ لحظة الانطلاق من مدرسة ميخين ويبوون نحو غمار تصفيات اختيار المنتخب الوطني.
بالنسبة لنا، نحن الذين لا نزال نراوح بين مقاعد الدراسة، كان هناك دائماً ذلك الصراع المنهك لتحقيق التوازن بين التحصيل العلمي و مشقة التدريب. و مع ذلك، كانت كفة المدرسة و المدرّب تميل دوماً لمنح الأولوية لبساط الجودو؛ ففي نهاية المطاف، هذا تمثيل للمنتخب الوطني.. مسارٌ مهني واعد يرتسم في الأفق لمن يمتلك العزيمة لبلوغه.
كان نيران قد صقل مهاراته في الجودو منذ نعومة أظفاره، و قد تعاقب على تدريبه الكثيرون، و كان والده هو المعلم الأول في تلك المسيرة.
“برأيك، أي مركز سأحصل عليه اليوم؟” سأل ثارا، و هو يدفعه بخفة مشاكسا.
فتح نيران عينيه المثقلتين و حدق فيه بهدوء تام.
“ستتقدّم بالتأكيد.”
“واثق إلى هذه الدرجة؟”
“نعم.”
“و أنت؟ ماذا تتوقع لنفسك؟”
غرق نيران في صمته.
منذ انقضاء العطلة الصيفية الماضية، بدأ الشغف المتوقد في صدره تجاه الرياضة يخبو تدريجيا؛ فلم يعد التدريب اليومي رغبة جامحة، بل تحول إلى روتين رتيب. و حتى هذه اللحظة، لم يمتلك الشجاعة ليبوح بهذا الخمود لأحد.
لأنه يدرك تماما طبيعة الردود التي ستحاصره.
لماذا تترك؟ اصبر قليلا. استمر في المسير.
حتى هو نفسه.. كان يردّد هذه الكلمات في قرارة نفسه مرارا و تكرارا.
كانت الحقيقة مجردة و مخيفة: التعلّق.. أمر مهيب، مهما كان الاتجاه الذي يسلكه.
✎﹏﹏﹏ ❀ ﹏﹏﹏✎
مضت الرحلة في نحو ساعة من الزمن، و عند الوصول، انجلت ملامح الملعب الوطني الشامخ أمام ناظريهم.
تحولت الصالة الرياضية الضخمة إلى ساحة معركة حقيقية لتصفيات الجودو، حيث يطمح الجميع للفوز بمقعد في معسكر التدريب المكثف خلال العطلة.
أما أصحاب التصنيفات المتقدمة، فلم يكن عليهم خوض غمار الأدوار التمهيدية؛ لذا اكتفى نيران و موست بالمراقبة الصامتة، مع إجراء تمارين الإحماء انتظارا لمواجهاتهما الحاسمة في فترة بعد الظهر.
لم تكن الكيمياء بين نيران و موست في أفضل حالاتها؛ فرغم أنهما يتشاركان التدريب و الصف نفسه، إلا أن تناقض الطباع كان سيد الموقف.
موست شخص اجتماعي بامتياز، يفيض حديثا، و لا تتوقف الفتيات عن التودد إليه. و في حلبة التدريب، يركّز بدقة متناهية، محافظا على تلك الهالة ‘الباردة’ التي يعتز بها.
أما نيران.. فكان نقيضه تماما؛ يتشتت ذهنه بكل ما يحيط به بسهولة. و ليس ذلك لقصور في التركيز، بل لأن عقله يمتلئ بأفكار شتى.. مسارات متقاطعة تعبر رأسه في آن واحد.
“اسمع جيدا يا نيران،” قال المدرّب، و هو يربت على كتفه بصلابة.
“حافظ على هدوئك. لا تندفع بتسرّع. تنفّس بعمق، و راقب تحركات خصمك.”
أطلت فترة بعد الظهر—لحظة المواجهة الحقيقية فوق البساط.
كان خصمه لاعبا من مدرسة أخرى يدعى: جايس. تعود معرفتهما إلى عهد الطفولة، منذ اللحظات الأولى التي بدآ فيها ممارسة فنون الجودو.
و لكن، لم تجمعهما مواجهة مباشرة منذ سنوات طوال.
جايس مقاتل موهوب و منضبط، لا يقل شأنا عن مستوى موست. في اللقاء السابق، كان الفوز حليف نيران بسبب هفوة تقنية ارتكبها جايس. أما هذه المرة.. فالمعركة لن تضع أوزارها بسهولة.
وقفا وجها لوجه، و انحنيا بوقار.
و مع إشارة البدء، رفعا حواجز الدفاع، يترصد كل منهما الآخر بدقة حذرة. مدّ نيران يده ليقبض على ياقة خصمه، و بادله جايس الحركة ذاتها.
لا أحد يقبل بالتراجع.
لا ثغرات تلوح.
لا نقاط تُسجل.
و فجأة.. عبرت فكرة عابرة مخيلة نيران.
لم تدم سوى لحظة واحدة.
و في تلك اللحظة ذاتها.. أطاح به جايس أرضا بقوة غاشمة.
استلقى نيران دون حراك، مأخوذا بهول السقوط، ثم أطلق زفرة طويلة مثقلة.
“يبدو أنني لن أحافظ على مركزي..”
أعلنت النهاية، و كانت النتيجة جلية: موست وحده من انتزع بطاقة التأهل للمعسكر. أما نيران، فقد شهد تصنيفه تراجعا حادا و قاسيا.
في غابر الأيام، كان هذا الإخفاق كفيلا بسحقه تماما.
كان سيفور غضبا، و يثور، و يذيق نفسه وبال التدريب الشاق عقابا. لكن هذه المرة.. لم يطرأ عليه شيء من ذلك القبيل.
كان ساكنا.. بسكون يثير الاستغراب.
وقف ثارا بجانبه في صمت واجم، و علامات القلق مرتسمة بوضوح على محياه.
“نيران.. هل أنت بخير؟ يمكنك البوح لي بما يجول في خاطرك. في العادة، حين تذوق مرارة الخسارة، تثور و تتوعّد بتكثيف التدريب.. لكنك الآن هادئ بشكل مفرط. و هذا.. يقلقني جدا.”
انتبه نيران من سرحانه وقال: “لا تقلق. هي مجرد أفكار تجول في خاطري.”
“نيران، المدرّب يرغب في محادثتك.”
عقب عودتهم، جلس نيران مع المدرّب على مقربة من بركة اللوتس.
ناوله المدرّب علبة مشروب، و لكنه تركها مغلقة، و كذا فعل المدرّب.
“هل هناك ما تود إخباري به؟” سأل المدرب.
“لا، يا سيدي.”
و في الحقيقة.. لم تكن نفسه قد تهيأت بعد للحديث.
“تعلم أن أبوابي مفتوحة لك في أي وقت، أليس كذلك؟”
“الإخفاق هذه المرة لا يمثل نهاية المطاف. هذه هي الروح الرياضية: يوم لك و يوم عليك. عليك تقبل النتيجة و المضي قدما. بمهارتك الفذة يا نيران، إن ثابرت على التدريب، ستبلغ شأنا بعيدا.”
“…نعم، يا سيدي.”
بدا أن الكلمات لم تجد طريقا لقلبه؛ فاكتفى المدرب بالربت على كتفه و انصرف.
عاد نيران إلى كنف منزله كعادته، و كان يدرك أن والده يترقبه خلف الأبواب.
هذه النتيجة لم تكن مباغتة.. بل كانت قدرا محتوماً يلوح في الأفق.
في كل مرة تُعلن فيها المراتب، كان المدرّب يهاتف والده بناءً على رغبة الأخير الشخصية، ليفيضوا في الحديث عن مسار تدريبه.
في الماضي.. كان ذلك الاهتمام يلهب حماسه. أما الآن.. فقد أضحى يشعر بالمرارة، كأنه مُساقٌ بالإكراه.
لا رغبة له في الاستمرار.. و لا يريد استنزاف وقته سُدى. كان تائها في دروب حيرته.
دخل المنزل ليجد الضوء ساطعا. كان والده يجلس متصدرا الطاولة، و قد عقد ذراعيه بصرامة. و أمامه طبق ‘الوانتون’ المتبل، طعامه المفضل.
و لكن، لم تجد الشهية سبيلا إليه. اجتاز المكان متجها لغرفته، و ما إن أحكم قبضته على المقعد.. حتى اخترق سكون المكان صوت والده من خلفه:
“علمت أن ترتيبك قد انخفض.”
”…”
“لقد تواصلت مع المدرّب أونغ. يتحتم عليه تعديل برنامجك التدريبي و التركيز على نظامك الغذائي بشكل أكبر. اطلب من العمة داينغ أن تعد لك ما يلزم. يمكنك تناول وجباتك عندها في وقت الغداء—”
“سأعتزل الجودو.”
“…”
“أقصد.. سأتركه نهائيا و بلا عودة.”
اعتلت وجه الأب سحابة من التجهم، و رغم أنه لم يبرح مقعده، إلا أن نيران استشعر وهج الغضب الذي تملكه. و منذ تلك البرهة، فقد الحوار كل سبل الهدوء.
”تعتزل؟ و كيف لك ذلك؟ لقد بذلت سنين عمرك في هذا التدريب. لم تفشل إلا مرة واحدة في التصفيات. قليل من الجهد الإضافي و ستستعيد عرشك في القمة. المنافسة القادمة يجب أن تؤول إليك. لا أفهم هذا الاستسلام المفاجئ.”
”هذا هو مكمن العلة يا أبي.. أنت لا تفهم. حين تعزم الروح على الرحيل عن شيء ما.. فإن الغاية تكون قد تجلت بالفعل.”
”…”
”حتّى لو واصلت المسير.. حتّى لو أرغمت نفسي على الاستمرار.. فلن تعود الأمور لسابق عهدها.”
”و ماذا تعني بكلمة ‘سابق عهدها’؟ أليس بمقدورك التركيز على جوهر التدريب فحسب؟ لا تظنّ أنّي غافل عن تشتتك في الآونة الأخيرة. لقد بددت وقتك الثمين مع رفاقك، و هذا هو سبب إخفاقك!”
”…”
أطلق نيران زفرة طويلة أخرى مشحونة بالضيق. فتح باب غرفته، و ألقى بأشياءه في الداخل، و دون أن يلتفت وراءه، اندفع نحو الباب الخارجي و غادر المنزل.
كانت أنفاسه تتلاحق بصعوبة. في البداية سار بخطوات واسعة، ثم ما لبث أن بدأ يركض. كان ينشد الابتعاد عن جدران المنزل قدر المستطاع، و لو بصفة مؤقتة. لم يعد يطيق الجدال العقيم مع والده.
كان يدرك أنهما، مهما أسهبا في الحديث، سيعودان دائما للمربع الأول: مزيد من التدريب، و مزيد من الضغط الخانق.
ألم يكن هذا الحمل ثقيلا بما يكفي؟
لم يتعقبه والده؛ فقد كان يعلم أن نيران لن يبتعد كثيرا في تيهه.
توقّف حينما بلغت خطاه تلك الحديقة العامة التي اعتاد عبورها مع طالب الصف الحادي عشر. لم يكن الليل قد أرخى سدوله تماما؛ و كان هناك بعض العابرين المتفرقين. و من بينهم، لمحت عيناه الشخص ذاته الذي كان يشغل حيزا من تفكيره قبل لحظات.
كان بارنتشيوَا يسترخي على مقعده، مسندا ظهره، و بصره معلق في كبد السماء. رفع نيران رأسه هو الآخر.. و لكن النجوم كانت غائبة في تلك الليلة؛ و لا شك أن هذا المشهد مخيب لآمال عاشق للفلك مثله.
ارتسمت على ثغر نيران ابتسامة خفيفة، و غمره شعور بالخفة لم يكن يتوقعه. قرر الركض نحوه بخفة الروح، و مع اقترابه، سار على أطراف أصابعه ليجعله لا يشعر به؛ و لكن الآخر كان في معزل عن العالم، غارقا في ألحان سماعاته.
محاولة إخافته لن تجدي نفعا.
جلس بجانبه بغتة، فاهتز المقعد تحت وطأة حركته. حينها فقط، انتزع الشاب الطويل إحدى سماعاته، و رمقه بعينين ملأهما الذهول.
”ماذا؟ ألا يحق لي مشاطرتك الجلوس؟” سأل نيران بمداعبة.
”يحق لك.”
”…”
”دعني أجلس إلى جوارك هنا قليلا.”
”أتعلم..؟” بدأ تشيوَا يتحدث.
”…الآن لا أريد أن أعلم شيئا.” قاطعه نيران قبل أن يتم جملته.
تطلع نيران إلى السماء من موقعه ذاك، و لم يلحظ شيئا مميزا. و تساءل في نفسه عن سر تحديق تشيوَا في ذلك الفراغ كل هذا الوقت.
”إلى ماذا تنظر؟ لا أرى أثرا للنجوم.”
”أنتظر رؤية أول نجم يظهر من بين السحب.”
”و كم ستطول وقفتك هذه أمام غيوم بهذه الكثافة؟”
”لا أعلم. كل ما أوقنه أنّه مهما اشتدّت الغيوم، فالنجمة لا تفقد كينونتها. هي باقية هناك، تشع في جوف السماء.”
”أتظن ذلك حقا؟”
”نعم.”
عند هذا الحد انقطع الكلام، و غرقا في صمت مطبق. صمتٌ منح نيران فرصة لاستعادة أنفاسه المنهكة، جسديا و ذهنيا.
أدرك نيران، و هو بجانب تشيوَا، أنه ليس مضطرا لارتداء أقنعة الابتسام أو التظاهر بسلامة حاله. لعلّ ذلك يعود لحداثة عهدهما ببعض.. أو لأنه استشعر أن الآخر لا يحاصره في زاوية ضيقة، بل يسعى لفهمه بعمق.
لهذا السبب، لم يمطره تشيوَا بالأسئلة عما جرى، رغم أن ملامح نيران كانت تنطق بكل شيء. اكتفى بالبقاء بجانبه، مترقبا في سكون، دون ممارسة أي ضغط: إن رغب في الحديث، فالمجال مفسوح.. و إن آثر الصمت، فلا ضير.
أي شخص آخر كان سيلح في السؤال حتى يستخلص الحقيقة.
مرّ وقت ليس بالقصير و هما على تلك الحال، بما يعادل طول ثلاث أو أربع أغانٍ. تحرك نيران ليتمطّى بكسل، فسقطت إحدى السماعتين على الأرض. و في تلك اللحظة، عبرت نسمة باردة بينهما، محملة بأصداء بعيدة من أرجاء الحديقة.
قبل قليل، كان صياح الأطفال يملأ ملعب كرة السلة؛ و الآن خيّم عليه السكون. و بغتة، شق صوت تشيوا جدار الصمت.
”هل تود أن نخوض جولة في كرة السلة؟”
”…ليس تماما.”
”إن رغبت، يمكنني أن أشاركك اللعب.” قالها بوقار وجدية، فالحركة غالبا ما تساهم في تفريغ شحنات التوتر.
لم تكن الفكرة سيئة في نظر نيران؛ فأومأ برأسه موافقا.
”حسنا، و لكن هل تتقن اللعب؟ في العادة، طلاب العلوم لا يحظون ببراعة رياضية، أليس كذلك؟ انتبه، فقد تتجرع الهزيمة. انظر جيدا من هو خصمك الذي تدعوه للنزال.”
ترك له مجالا ليتباهى قليلا، و نفخ نيران صدره بكبرياء. أوقف الآخر الموسيقى، و لف سلك السماعات بعناية حول الجهاز، ثم نهض، كاشفا عن قامته الفارعة.. كأنّه يوظف طوله ليبث الرهبة، رغم رقة منطوقه.
”لم أكن أعتزم حتى أن ألحق بك الهزيمة.”
ضيّق نيران عينيه مرتابا: “أحقا؟”
”نعم. أنا ألعب فقط من أجل استمتاعك.”
اتضح أن بارنتشيوا يملك حسا عاليا مكنه من فهم مزاج نيران المتعكر بمجرد النظر إليه. لم يكن مجرد حدس، بل أدرك تماما أن نيران لا يرغب في العودة للمنزل الآن، رغم أن رائحة الأرض و العشب بدأت تملأ المكان منذرة بقدوم المطر. و مع ذلك، شجعه على البقاء و اللعب قليلا.
”العب بجدية تامة. لا تتهاون معي أبدا. إن فعلت، سيفقد الأمر كل متعة.” قال نيران و هو يخطو نحو الملعب القريب.
بجوار السلة كانت هناك خزانة تضم كرات مخصّصة للعامة. التقط واحدة، و بدأ يداعبها بالارتطام بالأرض، يراقبها و هي ترتد صعودا و هبوطا. ترك تشيوا حقيبته على المقعد، و حينها فقط لاحظ نيران أنّه خرج متأهبا.. و أنه ينتعل حذاء رياضيا.
”هل خرجت للتمرّن؟”
”مجرد تمشية عابرة.”
”حسنا.. هل أنت مستعد؟”
”مستعد.”
”هيا بنا.”
أمسك الكرة و رسم ابتسامة متحدّية على وجهه دون أن يتحرك.
اقترب الشاب الطويل بخطى واثقة كأنّه يهم بانتزاع الكرة، بوضعية تنم عن دراية بفنون اللعب.
راوغ نيران بالكرة، متفاديا ذراع بارنتشيوا الممتدة. دار حول نفسه بحثا عن ثغرة للتسديد، لكن الآخر استبق حركته. و مرة أخرى، وجد الطريق مسدودا أمامه، إذ تحرك الطويل معه بمرونة، باسطا ذراعيه ليمنعه من التقدم.. كأنه حصار يشبه العناق.
”ألم تزعم أنك لا تسعى للفوز؟ هذا يبدو مناقضا لقولك تماما…”
اشتعلت روح التحدي في أعماق نيران. و رغم شعوره بأن تلك الذراعين تطوّقانه، لمح منفذا. اندفع جانبا، ثم استدار ليواجهه من جديد. ضحك نيران و قد توردت وجنتاه من الحماس، و عادت عيناه اللتان كانتا غائمتين و مثقلتين بالضيق لتلمعا من جديد.
و في عيني بارنتشيوا.. كانت تلك اللمعة بمثابة أول نجمة يلمحها بعد أن حجبت الغيوم كل ضياء.
”لقد غفلت يا تشيوا! الآن!”
لمح نيران فرصة ذهبية لتسجيل أولى نقاطه. اغتنم لحظة شرود الآخر، و راوغ ببراعة، ثم دار و أطلق الكرة لتستقر في الشباك بسلاسة مذهلة.
”نعم!” صرخ نيران بانتصار.
“لقد فشلت في الدفاع،” قال تشيوا و هو يرفع يديه علامة للاستسلام.
ضيّق نيران عينيه؛ فهناك أمر لا يبدو منطقيا. دنا منه قليلا، و أمعن النظر في وجهه عبر نظارته ذات الإطار المستطيل. كان بارنتشيوا لا يزال متوترا.. بل زاد توتره عما قبل.
”لقد سمحت لي بالفوز، أليس كذلك؟”
“لا.”
“إذا، لنلعب جولة أخرى. و هذه المرة، لا تتساهل معي.”
“لم أكن متساهلا. لقد هُزمت حقا.”
“ألا تصدقني؟ تعال، و أثبت لي أنني مخطئ مجددا.”
بدا نيران في تلك اللحظة كطفل يتملكه العناد؛ نادرا ما كشف عن هذا الجانب من شخصيته، و كان يخشى في قرارة نفسه أنه لو تمادى في هذا التصرف، فسيفر الجميع من حوله.
”..هل تعلم لماذا تلمع النجوم في وسط السماء، يا في نيران؟”
“قصة أخرى؟.. حسنا، لا علم لي. هاتِ ما عندك.”
“لأن—”
زَااا!
و قبل أن يكمل كلماته، انهمر المطر الذي كان يتربص بهما دفعة واحدة. كانت القطرات ثقيلة و تلسع الجلد ببرودتها. ارتجف نيران، و أعاد الكرة لمكانها بسرعة، ثم قبض على معصم الشاب الطويل، و ركض به ليأخذا حقيبته، ثم قاده للاحتماء تحت مظلة متجر قريب.
لكن حينما استقرا تحت المظلة.. كان البلل قد نال منهما تماما.
سرى البرد في جسد نيران، و ربما تشيوا أيضا. تبادلا النظرات في صمت و هدوء، و قد تملكهما ارتباك لطيف.. و فجأة، بدا الموقف في عينيهما مضحكا لسبب يجهلانه، فانفجرا بالضحك معا.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!