ظلّت الأجواء بين الأب و الابن مثقلة بالتوتر. نادرا ما تبادلا الحديث، و كلّما فعلا، انتهى الأمر بشجار لا محالة. و لهذا، صار وجود نيران في المنزل محاطا بصمت خانق.
كان يغادر كل صباحٍ إلى المدرسة باكرا، و يعود متأخرا قليلا عن المعتاد، فقط ليقلّص أي احتكاك ممكن.
و رغم أنّهما لم يعودا يتحدثان عن مسألة ترك الجودو، فإن نيران واصل حضور التدريبات وفق الجدول الذي حدده المدرب. كان من الصعب أن يصف ما يشعر به آنذاك: كان يريد أن يترك… و في الوقت نفسه، لم يكن قادرا على التخلّي عنه كليا.
كان ذلك ارتباكا خانقا.
“هل أنت بخير، يا أخي؟” سأله أحدهم.
“و لمَ لا أكون بخير؟”
في تلك اللحظة، كان نيران ممددا داخل نادي الموسيقى، جالسا أو مستلقيا كما لو أنّه لا يرغب في فعل أي شيء آخر في الحياة.
تبادل هيمارات و ثيبوك النظرات؛ لم يعرف أيّ منهما كيف يساعد صديقه.
حين يضع المرء كل جهده في شيء ما، ثم تأتي النتيجة على خلاف ما توقّع… فإن خيبة الأمل قد تكون مخيفة. قد تدفع الإنسان إلى قرارات متباينة: إحباط، انسحاب… أو استسلام كامل.
و لم يكن مستبعدا أن ينتهي الأمر بنيران إلى ترك الجودو إلى الأبد.
“ها أنت هنا مجددا… لمَ لا تنضم إلى نادي الموسيقى نهائيا فحسب؟”
تنهد ثارا بعمق. وقف واضعا يديه على خصره، يحدّق في الرياضي الذي تراجع ترتيبه مؤخرا.
“هل ستعود إلى التدريب أم ستأخذ استراحة؟ المدرب أرسلني لأسأل.”
“أريد أن أرتاح.”
“…إذا سأرتاح أنا أيضا.”
جعلت كلمات ثارا نيران يلتفت فورا. نظر إلى صديقه، لا يزال مرتديا زي الجودو، جالسا على الأرض و ساقاه متقاطعتان. زفر بانزعاج واضح.
“لماذا سترتاح فقط لأنني سأفعل؟ اذهب و تدرّب.”
“أنا لا أرتاح بسببك. أنا أيضا أريد أن أرتاح.”
“لا يمكنك. ألا تعلم أن الإفراط في الراحة يؤثر على الأداء؟ لم يتبقّ لك سوى بضع درجات لتدخل المنتخب الوطني. أنت على وشك الوصول، يا ثارا. هناك منافسة قادمة، عليك أن تحسمها الآن.”
“هذه مشكلتي.”
“أتريد أن تتشاجر معي الآن؟”
بدأ صبر نيران ينفد. لم يكن يريد أن يؤثر مزاجه على الآخرين، لكن ثارا لم يبدو أنه يفهم ذلك.
“نعم، لنتشاجر إذا. لعل ذلك يوقظك. أنت…” ضغط على أسنانه.
“لا تخبرنا بشيء أبدا. تقول فقط إنك تريد أن تترك، لكنك لا تشرح لماذا. لا بد من وجود سبب.”
“…”
“هل يمكنكما التوقف؟ لماذا تتشاجران؟”
تدخل ثيبوك قبل أن يتفاقم الوضع. لم يتبقّ لنيران أي نقاط سلوك ليخسرها، و لم يذهب بعد إلى معسكر التطوع. لم يكن بوسعه تحمّل مشكلة أخرى.
“نيران هو من بدأ.” اشتكى ثارا. “إنه لا يُطاق.”
“إن كنت لا أُطاق، فلماذا جئت تبحث عني لتتدرب معي؟”
“أنت—”
“آه! كفى، اللعنة!” قاطعهم هيمارات. “كلاكما! اذهبا و اشتريا بعض المثلجات و اهدآ.”
سحب هيمارات نيران و ثارا خارج النادي، الذي كان قد امتلأ بالفضوليين يتساءلون إن كان الاثنان سيتحولان إلى عراك فعلي. تبعهما ثيبوك محاولا تهدئة الوضع.
لو استمر الجدال بهذا الصخب و تطور إلى ضرب، فلن يطول الأمر قبل أن يصل إلى مسامع الأستاذ سوشارت. هذه المرة، سيفقدون من نقاط السلوك ما يجعلهم في العجز… و سيقضون أيامهم في خدمة المجتمع حتى يفنوا.
تجنب نيران و ثارا النظر إلى بعضهما. اشترى هيمارات مثلجات حامضة حلوة من المتجر، نزع أغلفتها، و كاد يدسّها في فميهما قسرا.
“هدأتما الآن؟ أم أحتاج أن أسكب الماء على رأسيكما أيضا؟”
علّق ثيبوك بسخرية:
“هذان قد هدآ بالفعل. الأكثر سخونة الآن هو أنت، يا هيمارات.”
ضحك هيمارات بخفوت، ثم نظر مجددا إلى الاثنين اللذين كادا يتشاجران قبل لحظات.
بدا نيران أكثر هدوءا. و ثارا كذلك. و كان الغريب أنّ من قال قبل دقائق إنه يريد الراحة، هو من كسر الصمت.
“آسف.”
“نعم… و أنا أيضا.” ردّ ثارا.
رفع نيران مثلجته، التي أكل نصفها، و طرقها بخفة بمثلجة صديقه. شعر ببعض الحرج لكونه المبادر، لكن ما الضرر في ذلك؟
الاعتذار أولا لا يعني خسارة شيء… أحيانا، عدم الاعتذار هو الخسارة الحقيقية.
“تتشاجران كالأطفال.” علّق ثيبوك عاقدا ذراعيه.
“و ماذا في ذلك؟” رد نيران. “ألسنا ما زلنا أطفالا؟”
“حقا؟” رفع هيمارات حاجبه. “أظن أن هناك من يردد دائما: أنا رجل بالغ بالفعل.”
نظر مباشرة إلى نيران. أشار نيران إلى نفسه باستغراب، فأومأ الآخرون معا.
“أنت.”
ارتسمت على وجه المتهم ملامح براءة تامة.
تدريجيا، عادت الأجواء إلى طبيعتها. تبادل ثارا و نيران النظرات، و تنهدَا في الوقت نفسه، مما أثار ضحك المجموعة.
“سأذهب لأتحدث مع المدرب بنفسي. شكرا لقلقك.”
“و كيف لا أقلق؟” أجاب ثارا. “أنت صديقي.”
“لقد اعتذرت بالفعل، حسنا؟ و لا تتوقف عن التدريب بسببي. تدرب وفق ما تراه مناسبا.”
لم يكن نيران يريد لأحد أن يضحّي من أجله. أن يتوقف ثارا عن التدريب فقط ليبقى معه… كان ذلك أكثر مما يحتمل. لم يكن في حال سيئة إلى درجة أن يدور الجميع حوله.
“ما أقرره شأن يخصني.” أصرّ ثارا.
و لو استمرا، لتحول الأمر إلى شجار مجددا. لذا التزم نيران الصمت، و ترك لهيمارات و ثيبوك تغيير الموضوع.
“متى سيعلنون نتائج العرض الذي أرسلته؟” سأل هيمارات.
انتقل الحديث إلى ثيبوك، الشاب الأشهر في نادي الموسيقى.
“منتصف أكتوبر.”
“كل هذا الوقت؟” تذمر ثارا.
“أظن أنهم تلقّوا الكثير. يحتاجون إلى وقت للاختيار.”
“إذا…” أضاف نيران مبتسما، “إن فزت… هل ستصبح مغنيا فورا؟ هل أطلب توقيعك من الآن؟ ماذا لو أصبحت مشهورا و لم يعد لديك وقت لأصدقائك؟”
“إن لم أركم مجددا، فربما يكون ذلك للأفضل.” ردّ ثيبوك بوقاحة صريحة.
“ماذا قلت؟!”
صفعه هيمارات على كتفه بانزعاج، فتأوه ثيبوك. انفجر ثارا و نيران ضاحكين.
في تلك اللحظة، انحرفت نظرات يقظة نحو جهة أخرى… حيث وقف شاب طويل على مسافة.
نعم.
الشخص ذاته الذي لعب معه نيران كرة السلة في ذلك اليوم. ذاك الذي تظاهر بالخسارة دون أن تتغير ملامحه… و كأن نيران لم يلاحظ.
إضافة إلى ذلك، فقد ابتلّا تحت المطر قرابة ساعة، يتشاركان الموسيقى حتى أوشكت بطارية المشغّل على النفاد.
“يا نيران.”
“ماذا؟”
“في الآونة الأخيرة، أصبحت قريبا من تشيوا الصغير، أليس كذلك؟ هل هناك شيء يجب أن نعرفه؟”
تبع هيمارات اتجاه نظره حتى لمح الفتى الأصغر. موضوع مثالي لبدء حديث جديد. أدرك نيران أنه حدّق طويلا، فصرف نظره بسرعة… ليجد عيون أصدقائه الثلاثة تراقبه بفضول.
عبس.
“نعرف ماذا؟ أنا طبيعي.”
“ربما أنت.” قال هيمارات، “لكن غير الطبيعي هو تشيوا الصغير.”
“و لماذا تقول ذلك؟” مال نيران برأسه، حائرا حقا. و بدا ثيبوك و ثارا مهتمين أيضا.
قال هيمارات ببساطة تامة:
“أظن أنّ ذلك الفتى معجب بك.”
صمت نيران لحظة قبل أن يجيب:
“هناك كثيرون معجبون بي.”
“حقا؟” وضع هيمارات يديه على خصره. “قبل أيام قلت إنّه لا يمكن لأحد أن يُعجب بشخص مثلك لأنك لست وسيما و لا لطيفا. و الآن ماذا؟ هل غيّرت رأيك؟”
“أقصد أنهم يقدّرونني.” أوضح. “كنموذج يُحتذى به… كنجم رياضي…”
لكن، في الواقع، ربما لم يعد ذلك صحيحا الآن.
هبط ترتيبه كثيرا بحيث لم يعد مؤهلا حتى للحلم بالمنتخب الوطني… و لا حتى كبديل.
و حين ذكر نيران ذلك، صرف الثلاثة الآخرون أنظارهم في شيءٍ من الحرج. كان الأمر طبيعيا. فدائما ما يوجد من يفرط في الكلام. و مؤخرا، صار لاعب الجودو نيران حديث الجميع، بين أصدقائه… و بين من لا يطيقونه… مثل أوي.
“هذا كل شيء. ثم إنّ الفتى يسكن في حيي. ليس غريبا أن ننسجم أكثر.”
“هل تعلم أن أعضاء نادي الفلك غريبو الأطوار جدا؟” علّق هيمارات. “و تشيوا الصغير… صامت كالحجر. بلا أي مهارات اجتماعية.”
“لا تقل هراء.” ردّ نيران. “تشيوا يتحدث كثيرا.”
يحب أن يسأل ‘هل تعلم…؟’ كثيرا، حتى بدأت أعتاد على ذلك.
“…”
“و لا تعبث مع تشيوا.” أضاف. “إن كان العالم يضم ثرثارين مثلك يا هيمارات، فهو يحتاج أيضا إلى أشخاص هادئين مثل تشيوا ليبقى متوازنا.”
“هذا بدا كإهانة.”
“لأنه كذلك. أنت تتحدث أكثر من اللازم.”
“إذا توقف عن الشجار مع ثارا و تعال تشاجر معي.”
“في أي وقت.”
هكذا كانوا دائما: مزاح و سخافات لا تنتهي، و مشاحنات يومية. و حتى إن تحولت إلى شجارٍ حقيقي، كانوا يتصالحون بسهولة مضحكة. ابتسم نيران ابتسامة خفيفة، ثم قال بصوت منخفض:
“حين أكون مستعدا… سأخبركم.”
“هذا كل ما نحتاج لسماعه.”
“نعم.”
و هكذا انتهى الأمر.
مع حلول المساء، دخل نيران صالة التدريب ليتحدث مع المدرب. ربت ثارا على كتفه قبل أن يغادر ليساعد الآخرين. ظل نيران يراقب الطلاب الجدد الذين وصلوا لتوّهم.
“حين يحدث لك شيء، يكون أصدقاؤك دائما خلفك.” قال المدرب.
“أنا آسف.”
“هل أنت مستعد لتخبرني بما يزعجك؟”
نهض المدرب أونغ من مقعده، و جلس على الأريكة، مشيرا إليه أن يفعل المثل. أطاع نيران، محدقا في يديه وسط صمت ثقيل.
لم يكن مستعدا بعد لقول الحقيقة. شعر أنّها إن خرجت من فمه، فستبدو سخيفة في آذان الآخرين.
“هل يمكنني أن أطلب استراحة من التدريب لفترة؟”
و في النهاية… لم يقل السبب الحقيقي أيضا.
“أفهم أن تراجع الترتيب قد يكون محبطا.” قال المدرب، “لكن عليك أن تدرك أن خيبة الأمل مرحلة فحسب. يجب أن تتجاوزها و تواصل. النتائج الجيدة تنتظرك دائما في نهاية الطريق. لا أريدك أن تظن أن هذه الهزيمة نهاية مسيرتك.”
كان المدرب أونغ يبذل كل ما بوسعه للاحتفاظ بموهبة مثل نيران. فلولا موهبته، لما بلغ هذا الحد. الرياضة دائما مزيج من انتصارات و هزائم… و لم يرد له أن يستسلم بسبب سقطة واحدة.
“أفهم… أفهم كل ما تقوله يا مدرب. لكن… هل يمكنني أن أرتاح؟”
عاد إلى النقطة نفسها.
تنهد المدرب. التفكير في الأمر جعله يدرك أن الضغط الزائد لا يأتي بنتائج جيدة دائما.
“حسنا. سأسمح لك بالراحة.”
“…”
“لكنني أريدك أن تتدرّب وفق هذا الجدول.”
و كأنه توقّع النتيجة، كان قد أعد خطة تدريب جديدة مسبقا. أخذها نيران، و لاحظ أنها أخف بكثير من السابقة… مجرد تدريب يحفظ للجسد ذاكرته.
“أظن أنّ قلبك الآن يريد أن يترك الجودو.” تابع المدرب. “لكن بعد كل هذا الوقت، سيكون من المؤسف أن تتخلى عنه تماما. لا يزال هناك عدة أشهر حتى التصفيات القادمة…”
“…”
“حين يحين ذلك اليوم، سأطرح عليك السؤال مجددا: هل تريد الاستمرار؟”
“حسنا.”
و انتهى الحديث.
خرج نيران من المكتب، و الجدول بين أصابعه. راقب من يتدرّبون بحماس، أصدقاءه يستمتعون بالنزال… العرق، الابتسامات… كل ذلك أكد ما يشعر به.
كان يريد الراحة حقا.
“كيف سار الأمر؟ ماذا قال المدرب؟” سأل ثارا و هو يقترب.
أراه نيران الجدول الجديد. ألقى عليه نظرة سريعة ثم أومأ.
“إذا… هل ستترك؟”
هز نيران رأسه.
“ليس بعد. أريد فقط أن أرتاح.”
“حسنا. استرح إذا.”
“شكرا لتفهمك.”
“أنا لا أفهم.” اعترف ثارا. “لكن لو حاولت أن أجبرك على الشرح، فلن تقول شيئا على أي حال.”
ضحك نيران بخفوت.
“سأبدأ بهذا الجدول اليوم. سأغادر مبكرا قليلا.”
لا… لم يكن الأمر مجرد مغادرة مبكرة.
ما كان يريده حقا… هو أن يذهب ليبحث عن بارنتشيوَا.
لماذا؟ حتى هو لم يكن يعلم. كل ما شعر به، أنه يريد الجلوس بجانبه، و الاستماع إليه و هو يقول “هل تعلم…؟” ثم يواصل حديثه عن النجوم و الفضاء بلا توقف.
حتى لو لم يفهم شيئا… لم يكن الأمر سيئا.
بل لم يكن سيئا على الإطلاق.
و لأنه أنهى تدريبه أبكر من المعتاد، شعر أن لديه وقتا فائضا لا يعرف كيف يستغله. سار ببطء نحو مبنى العلوم، و رفع رأسه ينظر إلى عدد الطوابق الذي بدا بلا نهاية… بإحباط واضح.
لم يفهم يوما لماذا كان ذلك المبنى مرتفعا إلى هذا الحد. و الأسوأ من ذلك… أن المصعد كان ممنوعا على الطلاب.
تنهد نيران في ضيق. ليس كبار السن وحدهم من يتعبون من صعود الدرج… حتى من يتدرّب يوميا مثله يُرهق.
لكن إن أراد الوصول إلى بارنتشيوَا، فلا بد أن يتجاوز هذا الاختبار.
الطابق الأول كان سهلا. في الثاني بدأ التعب. و عند الثالث… اضطر للتوقف ليلتقط أنفاسه.
حينها، سمع أصواتا خافتة قادمة من زاوية الممر. أطلّ بحذر، فرأى مجموعة من أعضاء مجلس الطلاب. تعرّف عليهم فورا. لا بد أنهم خرجوا لتوّهم من اجتماع.
“سمعت عن نيران؟ كيف تراجع ترتيبه في المنتخب؟”
“نعم، خسر أمام ذلك الذي يُدعى جيت، أليس كذلك؟”
“و يقولون إنه توقف عن التدريب أيضا. ناهيك عن حادثة رميه لأحدهم أرضا… هل جميع الرياضيين عنيفون هكذا؟”
“لا تقل ذلك. لا يزال موست المفضل لدى الجميع.”
“صحيح، هاهاها.”
“…”
لم يكن غريبا أن يتحدث الناس عنه. ليس داخل النادي فحسب، بل في المدرسة كلها. حين تمثّل مؤسستك… فإنك تحمل سمعتها، شئت أم أبيت.
زفر نيران ببطء. تردد بين أن يصعد أو يعود. إن تابع، فسيضطر للظهور أمامهم… و حينها، سيتحول الحديث إلى شيء أسوأ.
لم يرد ذلك.
قرر النزول… لكنه اصطدم بشخص.
مال برأسه.
“تشيوا…!”
فجأة، أمسكه أحدهم من معصمه، و سحبه بقوة نحو الطابق الأسفل، قبل أن يلتف أعضاء المجلس. دخلا إلى مختبر علوم فارغ.
رفع نيران نظره.
كان بارنتشيوَا… منزعجا.
أول مرة يرى نيران هذا التعبير على وجهه. عادة، كان وجهه خاليا من الانفعالات. لكن نيران كان يعرف السبب جيدا.
أشار تشيوا بإصبعه، و ربت مرتين بخفة على كتفه العريض.
“ما الأمر؟ لماذا سحبتني هكذا؟ أم بسبب ما قاله أولئك؟ لا داعي لأن تستمع إليهم. على أي حال… كل ما قالوه صحيح.”
استدار الفتى ذو النظارة المربعة، و بوجه جاد قال:
“هل أنت متفرغ يوم السبت، يا فِي؟”
“…ماذا؟”
“هل تود أن تذهب معي إلى القبة الفلكية؟”
“…”
ساد الصمت بينهما. لم يُسمع سوى أصوات بعيدة و خطوات في الممر. ضيّق نيران عينيه، يحدّق فيه محاولا فهم ما وراء تلك النظرة الجادة.
ما هذا؟
“لماذا؟ تحاول مواساتي؟ أخبرتك أنني بخير.”
“إنها جميلة جدا.”
“…”
“أعني القبة الفلكية. إن لم تذهب… قد تندم.”
“…”
لا يعلم لماذا، لكن كلمة ‘تندم’ جعلته يشعر أنّ من سيحزن إن رفض… ليس هو.
بل الفتى الواقف أمامه.
“إذا الخلاصة… يجب أن أذهب؟”
“…أنا فقط أدعوك. إن لم ترد، فلن أقول شيئا.”
“و إن لم يذهب نيران… هل سيبكي تشيوا الصغير؟”
“…”
فجأة صار يتحدث بأدب مبالغ فيه، و كأنه يحاول قلب الموقف.
“لن أبكي. أنا فقط أدعوك.”
ضحك نيران حين لاحظ أذنيه… كانتا محمرّتين بشدة، لدرجة أنه كاد يمد إصبعه ليلمسهما، في تناقض واضح مع وجهه الجاد الذي لم يتغير.
“حسنا. سأذهب.”
“…هل تعلم، يا فِي، أنّ عالمنا يملك شيئا يُدعى الجاذبية؟”
عبس نيران، إذ ومضت في ذهنه ذكرى.
“هل تعلم…؟”
لقد سمعها من قبل! في الحافلة!
“…”
آه…
حين يقول تشيوا ‘هل تعلم…؟’
فذلك يعني أنّ هذا المهووس بالفلك على وشك أن يبدأ حديثا لا ينتهي.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!