لَمَعَتْ عَيْنَا «قَيْصَر» بِشَرَارٍ خَاطِفٍ أَمَامَ جَوَابِ «لِي وُون» المُلَفَّعِ بِالتَّوَتُّر، وَفِي لَمْحِ البَصْر، امْتَدَّتْ يَدُهُ القَوِيَّةُ لِتَقْبِضَ بَغْتَةً عَلَى عُنُقِ الشَّابّ، مِمَّا جَعَلَ مَلَامِحَ «لِي وُون» تَنْقَبِضُ أَلَماً لِلَحْظَة. زَفَرَ «قَيْصَر» أَنْفَاسَهُ بِحِدَّةٍ وَهُوَ يَعْتَصِرُ رَقَبَتَهُ بِيَدٍ وَاحِدَة، قَائِلاً بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ صَارِمَة: “إِذاً، قَدِّمْ عُذْراً! قُلْ أَيَّ شَيْءٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يُقْنِعَنِي، وَسَأُصَدِّقُ أَيَّ تُرَّهَاتٍ تَقُولُهَا”. كَانَتْ القَبْضَةُ المُحْكَمَةُ عَلَى عُنُقِهِ صَادِقَةً وَقَاطِعَة، وَمُهَدِّدَةً لِدَرَجَةٍ شَعَرَ مَعَهَا الشَّابُّ بِأَنَّ نَفَسَهُ يَنْقَطِعُ تَدْرِيجِيّاً مَعَ كُلِّ ضَغْطَةٍ يَزِيدُهَا الرَّجُل. كَانَتْ النَّظَرَاتُ المُرْعِبَةُ الَّتِي يُصَوِّبُهَا «قَيْصَر» نَحْوَهُ كَافِيَةً لِلتَّنَبُّؤِ بِمَا هُوَ أَسْوَأ، لَكِنْ رَغْمَ كُلِّ هَذَا الوَعِيدِ وَالشُّعُورِ بِالخَطَر، لَمْ يَكُنْ لَدَى «لِي وُون» مَا يَقُولُه؛ فَالقِصَّةُ كُلُّهَا حَقِيقَة، وَهُوَ بِالفِعْلِ ابْنُ «لُومُونُوسُوف»، وَرَغْمَ أَنَّهُ لَيْسَ الوَرِيثَ الفِعْلِيَّ لِلْمُنَظَّمَة، إِلَّا أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الجِدَالِ لَنْ يُجْدِيَ نَفْعاً الآن. قَالَ الشَّابُّ بِصَوْتٍ مَبْحُوح: “لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ إِخْفَاءَ الأَمْر، كُلُّ مَا فِي الأَمْرِ أَنَّنِي لَمْ أَجِدْ الفُرْصَةَ المُنَاسِبَةَ لِلتَّحَدُّث، هَذَا كُلُّ شَيْء”. لَمْ يَنْطِقْ «قَيْصَر» بِحَرْف، وَكَتَفَى بِالتَّحْدِيقِ فِيهِ بِصَمْتٍ تَحْتَ الضَّوْءِ الخَافِتِ لِمِصْبَاحِ الشَّارِع، قَبْلَ أَنْ تَزْدَادَ قَبْضَتُهُ قَسْوَةً فَجْأَة؛ إِذْ بَدَا وَجْهُهُ مُشَوَّشاً وَكَأَنَّهُ يَزِنُ خِيَارَ خَنْقِهِ حَتَّى المَوْتِ أَوْ تَرْكِهِ لِيَمْضِيَ فِي سَلَام. وَرَغْمَ إِحْسَاسِهِ بِدُنُوِّ أَجَلِه، اكْتَفَى «لِي وُون» بِالنَّظَرِ إِلَى عَيْنَيِ الآخَرِ دُونَ نَبْسِ المَزِيدِ مِنَ الكَلَام، لِيَضْغَطَ «قَيْصَر» بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ بِعُنْف، وَعِنْدَمَا تَقَلَّصَ وَجْهُ الشَّابِّ لَا إِرَادِيّاً مِنَ الوَجَع، عَضَّ الرَّجُلُ شَفَتَهُ ثُمَّ دَفَعَهُ عَنْهُ بَعِيداً. تَرَنَّحَ «لِي وُون» بِقُوَّةٍ بَعْدَ تِلْكَ الدَّفْعَةِ المُفَاجِئَةِ الَّتِي أَفْقَدَتْهُ تَقْدِيرَ تَوَازُنِه، فِيمَا رَاقَبَهُ «قَيْصَر» دُونَ كَلِمَة، قَبْلَ أَنْ تُسْمَعَ نَقَرَاتُ خُطُوَاتِهِ وَهُوَ يَسْتَدِيرُ مُغَادِراً. وَعِنْدَمَا رَفَعَ الشَّابُّ رَأْسَهُ مَاسِحاً عُنُقَهُ المُؤْلِم، كَانَ «قَيْصَر» قَدْ مَضَى بَعِيداً بِالفِعْل.
(طَرَقَاتٌ عَنِيفَةٌ وَصَوْتُ ارْتِدَادِ بَاب!)
التَفَتَ «دِمِيتْرِي»، الَّذِي كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِدِفْءِ النَّارِ أَمَامَ المَوْقِد، فَوْراً عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ انْفِتَاحِ البَابِ الصَّاخِب، لِيَرَى عَبْرَ مَدْخَلِ القَاعَةِ المُشْرَعِ صُورَةَ «قَيْصَر» وَهُوَ يَدْخُلُ بِثَوَرَانٍ عَارِم. هَتَفَ «دِمِيتْرِي»: “قَيْصَر!” وَهَرَعَ نَحْوَهُ بَشُوشاً، لَكِنَّ خُطُوَاتِهِ تَجَمَّدَتْ؛ إِذْ لَمْ يَجْرُؤْ حَتَّى عَلَى الِاقْتِرَابِ مِنْه، فَقَدْ كَانَتْ مَلَامِحُ وَجْهِ الآخَرِ وَهُوَ يَسِيرُ بِخَطٍّ مُسْتَقِيمٍ أَكْثَرَ رُعْباً مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، لِدَرَجَةٍ جَعَلَتْ قَلْبَ «دِمِيتْرِي» نَفْسِهِ يَبْرُدُ صَدْمَةً. رَغْمَ أَنَّهُمَا صَدِيقَا طُفُولَة، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ المَرَّةَ الأُولَى الَّتِي يَسْتَحِيلُ فِيهَا التَّحَدُّثُ مَعَه، وَحَتَّى رَئِيسُ الخَدَمِ الَّذِي رَكَضَ خَلْفَهُ لِتَلْبِيَةِ طَلَبَاتِهِ بَدَا وَجْهُهُ مُتَجَمِّداً كَقِطْعَةِ جَلِيد. نَظَرَ «دِمِيتْرِي» إِلَى رَئِيسِ الخَدَمِ المَذْعُورِ الَّذِي بَدَا وَكَأَنَّهُ عَلَى وَشْكِ البُكَاءِ وَالهَرَبِ بِأَقْصَى سُرْعَة؛ فَلَمْ يَسْبِقْ لِـ «قَيْصَر» أَنْ نَفَثَ هَالَةَ المَوْتِ مِنْ جَسَدِهِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَة، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ عَنْهُ هَذَا التَّعْبِيرَ العَنِيفَ عَنِ العَوَاطِف. تَسَاءَلَ فِي نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ فَرَكَ ذِرَاعَهُ لَا إِرَادِيّاً: “مَا الَّذِي حَدَث؟” ثُمَّ تَوَجَّهَ مُتَأَخِّراً نَحْوَ جَنَاحِ «قَيْصَر».
لَمَحَ مِنْ بَعِيدٍ رَئِيسَ الخَدَمِ وَهُوَ يُغَادِرُ الغُرْفَةَ عَلَى عَجَل، لِيَنْقُرَ لِسَانَهُ بِخِفَّةٍ مُشْفِقاً عَلَى ظَهْرِ الرَّجُلِ الرَّاحِل، مُوقِناً أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ كَانَتْ كَابُوساً مُطْلَقاً لَه. كَانَ البَابُ مَوْرُوباً، إِذْ تَرَكَهُ الخَادِمُ عَمْداً لِعَجْزِهِ عَنْ إِغْلَاقِهِ لِفَرْطِ هَلَعِه، لِيَرْقُبَ «دِمِيتْرِي» حَرَكَاتِ صَدِيقِهِ عَبْرَ الفَجْوَة. لَمْ يَكُنْ «قَيْصَر» يَفْعَلُ شَيْئاً، بَلْ كَانَ وَاقِفاً جِوَارَ النَّافِذَةِ يَشْخَصُ إِلَى الخَارِج، وَعِنْدَمَا رَأَى كَأْسَ الوِيسْكِي فِي يَدِه، دَفَعَ البَابَ وَدَخَلَ قَائِلاً بِنَبْرَةٍ جَادَّةٍ عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ السَّاخِرَة: “مَا الأَمْر؟ لَقَدْ شَحَبَ وَجْهُ رَئِيسِ الخَدَمِ وَوَلَّى هَارِباً”. لَمْ يُجِبْ «قَيْصَر»، بَلْ ظَلَّ يَنْظُرُ عَبْرَ الزُّجَاجِ مَعَ شِبْهِ ابْتِسَامَةٍ غَامِضَة، فَسَأَلَهُ: “مَا الَّذِي يَدُورُ هُنَاك؟” وَبَيْنَمَا كَانَ «دِمِيتْرِي» يَهُمُّ بِاتِّخَاذِ خُطْوَةٍ نَحْوَ المَكْتَب، فَتَحَ «قَيْصَر» فَمَهُ فَجْأَةً بِصَوْتٍ صَارِمٍ كَالصَّقِيع: “مَاذَا عَنْ أَمْرِ التِّنِّين؟” تَوَقَّفَ الآخَرُ أَمَامَ النَّبْرَةِ البَارِدَةِ وَأَجَاب: “لَدَيَّ أَمْرٌ أُبْلِغُكَ بِه، لَكِنَّنِي لَا أَظُنُّ أَنَّ حَالَتَكَ المِزَاجِيَّةَ تَسْمَحُ بِالحَدِيثِ الآن”. لَمْ يَفْقِدْ «دِمِيتْرِي» مُزَاحَهُ لِلَحْظَةٍ فَأَرْدَف: “أَيْنَ ذَلِكَ المُحَامِي الَّذِي تَمْشِي مَعَهُ دَائِماً؟ لَمْ أَرَهُ مَعَك”. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَة، نَظَرَ إِلَيْهِ «قَيْصَر» بِأَعْيُنٍ مَمْلُوءَةٍ بِالنَّوَايَا القَاتِلَةِ الَّتِي جَعَلَتْهُ يَظُنُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِإِمْكَانِ العُيُونِ إِزْهَاقُ الأَرْوَاحِ لَقَتَلَهُ بِسُهُولَة، فَتَرَاجَعَ مَذْعُوراً وَقَال: “حَسَناً، أَنَا رَاحِل”. أَوْمَأَ بِيَدِهِ وَغَادَرَ الغُرْفَةَ سَرِيعاً، وَمَا إِنْ أُغْلِقَ البَابُ خَلْفَه، حَتَّى تَصَلَّبَتْ مَلَامِحُ وَجْهِهِ تَمَاماً، لِيَسْحَبَ هَاتِفَهُ وَيَضْغَطَ عَلَى أَقْرَامِ مَجْمُوعَتِهِ فَوْرًا مُصْدِراً أَمْرَه: “أَجَل، اكْتَشِفُوا الأَمْرَ حَالاً؛ مَا الَّذِي حَدَثَ اليَوْمَ فِي حَفْلِ «لُومُونُوسُوف»؟ مَفْهُوم”. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَة، كَانَتِ الأَنْبَاءُ الَّتِي تَلَقَّاهَا «دِمِيتْرِي» صَادِمَة؛ إِذْ نَقَلَ لَهُ تَابِعُهُ الوَضْعَ بِإِيجَازٍ وَسُرْعَةٍ حَامِلاً مَعْلُومَاتٍ لَمْ تَكُنْ فِي الحُسْبَان. صَاحَ مَذْهُولاً: “مَاذَا؟!” ثُمَّ هَزَّ رَأْسَهُ لَا إِرَادِيّاً، وَبَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ الخَطَّ ظَلَّ مُشَوَّشاً؛ فَقَدْ أَوْرَدَ التَّابِعُ المَاهِرُ أَنَّ «مِيخَائِيل» قَدْ سَمَّى ذَلِكَ المُحَامِي خَلَفاً وَابْناً لَه. لَقَدْ حَصَلُوا مُؤَخَّراً عَلَى مَعْلُومَاتٍ تُفِيدُ بِأَنَّ «لِي وُون» نُقِلَ إِلَى قَصْرِ «لُومُونُوسُوف»، لَكِنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِمْ أَنَّهُ طِفْلُهُ المَفْقُود، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ الخِيَانَةَ بَاتَتْ وَرَقَةً رَابِحَةً جِدّاً لَوْ أُحْسِنَ اسْتِغْلَالُهَا، وَسَتَكُونُ مُفِيدَةً لِلْغَايَة. لَمَعَتْ عَيْنَا «دِمِيتْرِي» نِصْفُ المَفْتُوحَتَيْنِ بِبَرِيقٍ مُرِيبٍ وَمُخِيف.
وَفِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، بَعْدَ لَيْلَةٍ مِنَ النَّوْمِ المُتَقَطِّع، اسْتَيْقَظَ «لِي وُون» لِيَفْرَكَ عَيْنَيْهِ المُنْتَفِخَتَيْنِ وَيَنْهَضَ مِنَ السَّرِيرِ بِصُعُوبَة. كَانَ الفِرَاشُ ذُو المَرْتَبَةِ القَاسِيَةِ مَأْلُوفاً لَدَيْه، لَكِنَّهُ بَدَا غَيْرَ مُرِيحٍ اليَوْم؛ هَلْ اعْتَادَ جَسَدُهُ بِالفِعْلِ عَلَى نُعُومَةِ أَسِرَّةِ القَصْرِ رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَمْكُثْ هُنَاكَ إِلَّا لِأَيَّامٍ قَلِيلَة؟ حَاوَلَ تَحْلِيلَ المَوْقِف، لَكِنَّ الرَّغْبَةَ لَمْ تَكُنْ كَافِيَةً وَسَيْطَرَ عَلَيْهِ الخُمُول. ظَلَّ جَالِساً عَلَى طَرَفِ السَّرِيرِ يَنْظُرُ إِلَى الأُفُقِ بَعِيداً مُفَكِّراً أَنَّ عَلَيْهِ النُّهُوض، لَكِنَّ طَاقَتَهُ خَانَتْه، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلتَّعَبِ الجَسَدِيِّ فَقَط، بَلْ لِأَنَّ طَيْفَ عَيْنَيْ «قَيْصَر» المَمْلُؤَتَيْنِ بِالكَرَاهِيَةِ الوَاضِحَةِ ظَلَّ يَعْتَصِرُ رُوحَهُ طَوَالَ اللَّيْل. تَسَاءَلَ بِنَدَمٍ بَعْدَ تَنْهِيدَةٍ هَرَبَتْ مِنْ شَفَتَيْه: “هَلْ كَانَ مِنَ الأَفْضَلِ لَوْ صُغْتُ عُذْراً؟” رَغْمَ عِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَنْ يُغَيِّرَ الحَقِيقَة. غَسَلَ وَجْهَهُ لَكِنَّ ذِهْنَهُ ظَلَّ مُشَوَّشاً، وَعِنْدَمَا تَأَمَّلَ مَلَامِحَهُ المَبْلُولَةَ فِي المِرْآة، بَدَتْ لَهُ مُهْتَزَّةً وَمُنْكَسِرَة.
(طَرْقٌ خَفِيفٌ عَلَى البَاب!)
التَفَتَ الشَّابُّ عِنْدَ سَمَاعِ الصَّوْت، وَبَعْدَ صَمْتٍ قَصِير، انْفَتَحَ البَابُ لِتُطِلَّ جَدَّتُهُ بِرَأْسِهَا قَائِلَةً: “لَقَدْ وَصَلَ ضَيْف”. سَأَلَهَا بِتَعَجُّب: “مَنْ؟” ثُمَّ نَهَضَ فَوْراً، لَكِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَنَّ تَوَقُّعَاتِهِ الخَفِيَّةَ لَنْ تَتَحَقَّقَ إِلَّا عِنْدَمَا رَأَى الرَّجُلَ الَّذِي دَخَلَ خَلْفَهَا؛ فَقَدْ كَانَ «مِيخَائِيل» وَاقِفاً هُنَاك، يَرْتَدِي مَلَابِسَ أَنِيقَةً كَجَانْتِلْمَانٍ نَبِيلٍ تَمَاماً كَمَا رَآهُ فِي المَرَّةِ الأُولَى. نَظَرَ إِلَيْهِ «لِي وُون» شَاعِراً بِأَنَّ الِابْتِسَامَةَ قَدْ تَلَاشَتْ عَنْ وَجْهِهِ تَمَاماً.
“تَعَالَ إِلَى هُنَا عِنْدَمَا تَكُونُ لَدَيْكَ مَشَاكِل”.
كَمَا قَالَ «مِيخَائِيل»، كَانَ المَتْحَفُ مَكَاناً هَادِئاً بِنَحْوٍ غَرِيب. لَمْ يَقُلْ «لِي وُون» أَيَّ شَيْءٍ لِفَتْرَةٍ مِنَ الوَقْت، بَلْ ظَلَّ يَنْتَقِلُ مِنْ لَوْحَةٍ إِلَى أُخْرَى بِصُحْبَةِ الرَّجُل، حَتَّى تَوَقَّفَا أَمَامَ لَوْحَةِ «رِمْبْرَانْدْت» الشَّهِيرَة (عَوْدَةُ الِابْنِ الضَّال). نَظَرَ العَجُوزُ إِلَى اللَّوْحَةِ وَفَتَحَ فَمَهُ قَائِلاً: “لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ الكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ يَتَأَثَّرُونَ بِهَذَا العَمَل”. رَفَعَ الشَّابُّ نَظَرَهُ نَحْوَ الصُّورَةِ الَّتِي تُجَسِّدُ أَباً يَحْتَضِنُ ابْنَهُ المُنْحَنِيَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ طَلَباً لِلْغُفْرَان، فَوَاصَلَ «مِيخَائِيل» حَدِيثَه: “أَلَا تَظُنُّ أَنَّ التَّبَايُنَ بَيْنَ الإِخْوَةِ الَّذِينَ يَشْخَصُونَ بِقَسْوَةٍ فِي الظَّلَام، وَالأَبِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ الضَّوْءَ مُحْتَضِناً ابْنَهُ بِأَسَف، هُوَ أَمْرٌ لَافِتٌ لِلْغَايَة؟ فِي النِّهَايَة، حَيْثُمَا وُجِدَ النُّورُ وَالظَّلَام، وُجِدَتْ الخَطِيئَةُ وَالمَغْفِرَة”. كَانَتْ كَلِمَاتٍ ذَاتَ مَغْزًى عَمِيق، لَكِنَّ «لِي وُون» ثَبَّتَ نَظَرَهُ عَلَى اللَّوْحَةِ دُونَ رَدّ، فَتَابَعَ المَافْيَا العَجُوز: “تَبْدُو وَكَأَنَّكَ لَا تَزَالُ غَاضِباً جِدّاً”. فَرَدَّ الشَّابُّ بِصَوْتٍ قَاطِعٍ وَمُفَاجِئ: “أَلَيْسَ مِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ أَغْضَبَ عِنْدَمَا تُدِيرُ الأُمُورَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ التَّعَسُّفِيَّة؟” حَنَى «مِيخَائِيل» رَأْسَهُ بِمَرَارَةٍ أَمَامَ نَبْرَةِ ابْنِهِ الحَادَّة، وَرَغْمَ أَنَّ «لِي وُون» شَعَرَ بِوَخْزَةِ أَسَفٍ فِي دَاخِلِه، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَذِر. وَبَعْدَ صَمْتٍ قَصِير، قَالَ العَجُوزُ بِنَبْرَةٍ خَافِتَة: “لَقَدْ كُنْتُ خَائِفاً مِنْ أَنْ تَهْجُرَنِي أَنْتَ أَيْضاً”. تَوَقَّفَ الشَّابُّ عَنِ الحَرَكَةِ عِنْدَ سَمَاعِ هَذَا الصَّوْتِ المَكْسُور، لِيُتَابِعَ الرَّجُلُ بِصَوْتٍ شِبْهِ مُنْطَفِئ: “بِمَا أَنَّكَ تُصِرُّ دَائِماً عَلَى العَوْدَة، شَعَرْتُ أَنَّ النَّظِيرَ الأَخِيرَ لِي سَيَضِيعُ إِذَا لَمْ أَسْتَخْدِمْ هَذِهِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةَ الصَّارِمَة، أَنَا آسِف، لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ نَصْبَ فَخٍّ لَك”. وَعِنْدَ رُؤْيَةِ هَذَا الضَّعْفِ البَادِي عَلَى مَلَامِحِ وَالِدِه، شَعَرَ «لِي وُون» بِالِاضْطِرَاب، مُتَسَائِلاً إِنْ كَانَ العَجُوزُ يَفْعَلُ هَذَا عَمْداً لِعِلْمِهِ أَنَّ مَظْهَرَ المَرَضِ وَالعَجْزِ يُؤَثِّرُ فِيه. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَة، فَتَحَ الأَبُ فَمَهُ مُجَدَّداً قَائِلاً: “عَلَاوَةً عَلَى ذَلِك، لَقَدْ كُنْتَ مَحَطَّ أَنْظَارِ الجَمِيعِ وَمَطْمَعاً لَهُم”. وَعِنْدَمَا رَمَشَ الشَّابُّ بِذُهُولٍ أَمَامَ هَذِهِ العِبَارَةِ الغَيْرِ مُتَوَقَّعَة، وَاصَلَ «مِيخَائِيل» حَدِيثَه…»
طبعا كلكم تعرفو انو الفصول الجاية راح تصير فيها الحادثة الي كلنا نعرفها انا شخصيا ما عندي جرأة أترجم الفصول الصراحة لأني اخاف منهم 😂 لكن بأذن الله ما راح اتأخر عليكم
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!