«لَقَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ الكَثِيرَ، وَيَقُولُونَ إِنَّكَ مُحَامٍ بَارِعٌ حَقًّا، لَكِنْ حِينَمَا رَأَيْتُكَ بِنَفْسِي، وَجَدْتُكَ شَابًّا أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تُشِيعُهُ الشَّائِعَاتُ».
ارْتَسَمَتْ مَسْحَةٌ مِنَ المَرَارَةِ عَلَى وَجْهِ مِيخَائِيلَ وَهُوَ يَقُولُ: «لِذَلِكَ… أَلَا تُرِيدُ السَّيْرَ مَعِي فِي طَرِيقِي؟».
«لَا، لَا رَغْبَةَ لِي فِي ذَلِكَ».
وَمَا إِنْ جَاءَهُ الرَّفْضُ، حَتَّى انْطَلَقَتْ ضِحْكَةُ مِيخَائِيلَ العَالِيَةُ كَمَا هُوَ مُتَوَقَّعٌ، لَكِنَّ تِلْكَ الضِّحْكَةَ حَمَلَتْ فِي طَيَّاتِهَا شَيْئًا مِنَ الوَحْدَةِ، مِمَّا جَعَلَ مَعَالِمَ الحَيْرَةِ تَرْتَسِمُ فَوْرًا عَلَى وَجْهِ لِي وُون. وَبِابْتِسَامَةٍ لَمْ تُفَارِقْ شَفَتَيْهِ، تَابَعَ مِيخَائِيلَ حَدِيثَهُ قَائِلًا:
«تَمَامًا كَأُمِّكَ، رَفْضٌ حَاسِمٌ خَالٍ مِنَ المَجَامَلَةِ، لَمْ يَكُنْ يُعْجِبُهَا أَيُّ شَيْءٍ».
بَدَتْ تَعَابِيرُ مِيخَائِيلَ غَامِضَةً وَكَأَنَّهُ يَنْبُشُ فِي دَفَاتِرِ ذِكْرَيَاتِهِ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ: «أَلَمْ تَشْهَدْ نَفْسُكَ مَا حَدَثَ لِأُمِّكَ؟ حِينَمَا اعْتَرَفْتُ لَهَا بِحُبِّي لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، ضَاقَتْ بِي ذَرْعًا، حَتَّى إِنَّنِي اسْتَعَنْتُ بِـ “أَرِيَا” لِتُقْنِعَهَا بِقَبُولِ مَشَاعِرِي».
لَكِنْ حَتَّى آلَامُ تِلْكَ الحِقْبَةِ تَحَوَّلَتْ الآنَ إِلَى مُجَرَّدِ ذِكْرَى، وَنَظَرَ مِيخَائِيلَ إِلَى لِي وُون بِنَظْرَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالأَسَى وَهُوَ يُرْدِفُ:
«كَمْ كَانَ سَيَكُونُ رَائِعًا لَوْ أَنَّنِي شَهِدْتُ نُمُوَّكَ كَذَلِكَ مَعَ “سُويُون”».
حِينَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ مِيخَائِيلَ أَيُّ نَدَمٍ، بَلْ فَقَدْ كَانَتْ أَمَارَاتُ التَّوْبَةِ وَالِانْكِسَارِ هِيَ الطَّاغِيَةَ. وَأَمَامَ هَذِهِ النَّظْرَةِ، أَدْرَكَ لِي وُون الحَقِيقَةَ؛ لَقَدْ تَرَكَ وَالِدَهُ يَعُودُ لِيَعِيشَ المَوْقِفَ المَأْسَاوِيَّ ذَاتَهُ مِنْ جَدِيدٍ.
«لِأَجْلِ هَذَا…»
فَتَحَ لِي وُون فَمَهُ ثُمَّ أَطْبَقَهُ دُونَ أَنْ يُكْمِلَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ مِيخَائِيلَ بِمَلَامِحَ مَشْدُوهَةٍ، مِمَّا جَعَلَ لِي وُون يَنْفِي الأَمْرَ بِهُزُوءِ رَأْسِهِ سَرِيعًا وَهُوَ يَقُولُ:
«لَا شَيْءَ، لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ».
نَظَرَ مِيخَائِيلَ إِلَى لِي وُون بَابْتِسَامَةٍ مَرِيرَةٍ، ثُمَّ هَزَّ كَتِفَيْهِ مَرَّتَيْنِ قَائِلًا: «عَلَى أَيِّ حَالٍ، فَكِّرْ فِي الأَمْرِ مَلِيًّا».
وَأَثْنَاءَ خُرُوجِهِمَا مَعًا مِنَ المَتْحَفِ، جَدَّدَ مِيخَائِيلَ عَرْضَهُ قَائِلًا:
«سَيَأْتِي يَوْمٌ تَكُونُ فِيهِ بِحَاجَةٍ إِلَى القُوَّةِ، وَحِينَهَا سَأَمُدُّكَ بِقُوَّتِي».
فَأَجَابَهُ لِي وُون رَافِضًا هَذِهِ المَرَّةَ أَيْضًا: «لَا رَغْبَةَ لِي فِي ذَلِكَ».
«أَلَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ قَادِرًا عَلَى سَحْقِ الآخَرِينَ؟».
«لِكَيْ تَحْمِيَ نَفْسَكَ، يَجِبُ أَنْ تَمْتَلِكَ القُدْرَةَ عَلَى سَحْقِ مَنْ يُعَادِيكَ».
لَمَحَ لِي وُون فِي مَلَامِحِ مِيخَائِيلَ البَارِدَةِ، الَّتِي تَجَلَّتْ لِلَحْظَةٍ، هَيْبَةَ القَيَاصِرَةِ وَجَبَرُوتَ رِجَالِهِ؛ فَقَدْ كَانَ رَجُلًا تَعَوَّدَ العَيْشَ بَيْنَ الدِّمَاءِ. وَبِكُلِّ هُدُوءٍ، أَجَابَ لِي وُون عَلَى ذَلِكَ الوَهْمِ الَّذِي كَانَ يَسْتَنْشِقُ رَائِحَةَ المَوْتِ:
«أَنَا لَا أَرْغَبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ القُوَّةِ أَبَدًا».
«حَسَنًا».
ضَيَّقَ مِيخَائِيلَ عَيْنَيْهِ وَتَابَعَ:
«تَقَلُّبَاتُ هَذَا العَالَمِ لَا يُمْكِنُ التَّنَبُّؤُ بِهَا يَا بُنَيَّ».
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي قَطَّبَ فِيهَا لِي وُون حَاجِبَيْهِ لِأَثَرِ كَلِمَتِهِ الأَخِيرَةِ، مَرَّ رَجُلٌ قَصِيرُ القَامَةِ يَرْتَدِي قُبَّعَةً بَارِيه جَانِبَ طَرَفِ رُؤْيَتِهِ. كَانَ رَجُلًا بِمَظْهَرٍ عَادِيٍّ جِدًّا يُمْكِنُ أَنْ تَجِدَهُ فِي أَيِّ مَكَانٍ، لَكِنْ لِسَبَبٍ غَرِيبٍ، جَذَبَ انْتِبَاهَ لِي وُون، فَسَمَّرَ نَظَرَهُ عَلَيْهِ دُونَ وَعْيٍ. كَانَ الرَّجُلُ يَقْتَرِبُ بِخُطُوَاتٍ مُتَّزِنَةٍ، لَا هِيَ بِالبَطِيئَةِ وَلَا بِالسَّرِيعَةِ، لَكِنَّهَا بَدَتْ مَحْسُوبَةً بِدِقَّةٍ مُرِيبَةٍ.
(هَلْ أَصْبَحْتُ مُفْرِطَ الحَسَاسِيَّةِ؟)
وَبَيْنَمَا كَانَ لِي وُون غَارِقًا فِي تَفْكِيرِهِ، وَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ فَجْأَةً فِي جَيْبِهِ. وَفِي لَمْحِ البَصَرِ، شَعَرَ لِي وُون وَكَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَدُورُ بِالحَرَكَةِ البَطِيئَةِ؛ إِذْ أَخْرَجَ الرَّجُلُ يَدَهُ مِنَ المِعْطَفِ، فَلَمَعَ مَعْدِنٌ كَانَ مُخَبَّأً فِي الدَّاخِلِ تَحْتَ الضَّوْءِ ببرِيقٍ بَارِدٍ. وَمَعَ تَنَهُّدٍ قَصِيرٍ، هَمَسَ الرَّجُلُ:
«مُتْ يَا لُومُونُوسُوف».
وَفِي النَّفْسِ الوَقْتِ، صَوَّبَ سِلَاحَهُ نَحْو لِي وُون. دَخَلَتْ فُوَّهَةُ المَعْدِنِ البَارِدَةِ مَدَى رُؤْيَةِ لِي وُون المَذْهُولِ، بَيْنَمَا صَرَخَ مِيخَائِيلَ بِشَيْءٍ مَا وَمَدَّ يَدَهُ بِسُرْعَةٍ. وَبَعْدَ ثَانِيَةٍ، دَوَى فِي الآذَانِ صَوْتُ انْفِجَارٍ هَائِلٍ كَأَنَّهُ الرَّعْدُ.
(طَاطْ—)
مَزَّقَ الصَّوْتُ المُرْعِبُ طَبْلَتَيِ الأُذُنِ. وَقَفَ لِي وُون فِي مَكَانِهِ بِعَيْنَيْنِ جَاحِظَتَيْنِ، وَشَعَرَ بِشَكْلٍ غَرِيبٍ وَكَأَنَّ العَالَمَ قَدْ تَوَقَّفَ عَنِ الدَّوَرَانِ؛ الرَّمَادُ فِي السَّمَاءِ يَهْوِي نَحْوَهُ، وَالأَرْضُ تَرْتَفِعُ وَتَنْخَفِضُ مَعًا، وَالهَوَاءُ مِنْ حَوْلِهِ يَنْدَفِعُ بِعُنْفٍ لِيَضْغَطَ عَلَى رِئَتَيْهِ.
عِنْدَمَا أَفَاقَ نِسْبِيًّا مِنْ صَدْمَةِ الِارْتِطَامِ، كَانَ المُهَاجِمُ قَدْ تَلَاشَى بِالفِعْلِ. نَظَرَ لِي وُون حَوْلَهُ بِذُعْرٍ وَارْتِبَاكٍ، وَمَهْمَا تَفَحَّصَ جَسَدَهُ، لَمْ يَجِدْ أَيَّ أَثَرٍ لِإِصَابَةٍ. (مَا الَّذِي حَدَثَ إِذَنْ؟!) لَمْ يَتَأَخَّرِ الجَوَابُ طَوِيلًا؛ ففِي اللَّحْظَةِ الَّتِي أَبْصَرَ فِيهَا العَجُوزَ ذَا الشَّعْرِ الأَشْيَبِ مُمَدَّدًا عِنْدَ قَدَمَيْهِ، صَرَخَ لِي وُون دُونَ أَنْ يَشْعُرَ.
«آه…»
خَرَجَ صَوْتُهُ حَادًّا ومَخْنُوقًا مِنْ أَعْمَاقِ حَنْجَرَتِهِ. كَانَ مُشَتَّتًا تَمَامًا بِشَأْنِ كَيْفِيَّةِ مُنَادَاتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ أَيُّ فِكْرَةٍ عَمَّا يَجِبُ أَنْ يَدْعُوهُ بِهِ. وَبَيْنَمَا تَجَمَّدَ لِي وُون فِي مَكَانِهِ مِنْ شِدَّةِ الِارْتِبَاكِ، مَدَّ مِيخَائِيلَ يَدَهُ نَحْوَهُ قَائِلًا:
«هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟ هَلْ أُصِبْتَ فِي مَكَانٍ مَا؟».
هَزَّ لِي وُون رَأْسَهُ مُسْرِعًا نَفْيًا أَمَامَ ذَلِكَ الصَّوْتِ الهَادِئِ كَالعَادَةِ: «أَنَا بِخَيْرٍ، لَا تَتَحَدَّثْ أَرْجُوكَ، سَأَتَّصِلُ بِالإِسْعَافِ فَوْرًا».
ابْتَسَمَ مِيخَائِيلَ بِلُطْفٍ لِـ لِي وُون الَّذِي كَانَ يَتَحَدَّثُ بِلَهْفَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالخَجَلِ.
«مَا دُمْتَ بِخَيْرٍ، فَهَذَا يَكْفِي».
وَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَاتِهِ، إِذْ لَمْ يَقُلْ مِيخَائِيلَ شَيْئًا بَعْدَهَا. وَبَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ، لَمَحَ لِي وُون بُقَعَ الدِّمَاءِ عَلَى جَسَدِ الرَّجُلِ؛ فِي البِدَايَةِ كَانَتْ نُقْطَةً صَغِيرَةً، لَكِنَّهَا سُرْعَانَ مَا انْتَشَرَتْ كَأَوْرَاقِ زَهْرَةٍ تَتَفَتَّحُ. وَبَيْنَمَا كَانَ لِي وُون يَتَرَدَّدُ ذَاهِلًا، وَاصَلَ النَّزِيفُ تَدَفُّقَهُ لِيَصْنَعَ بِرْكَةً صَغِيرَةً تَحْتَ جَسَدِ مِيخَائِيلَ. وَأَمَامَ هَذَا المَشْهَدِ، صَرَخَ لِي وُون بِرُعْبٍ:
«أَيُّهَا النَّاسُ، لِيَتَّصِلْ أَحَدُكُمْ بِالإِسْعَافِ… هَذِهِ حَالَةٌ طَارِئَةٌ! اسْتَدْعُوا الإِسْعَافَ فَوْرًا!».
نَظَرَ إِلَيْهِ المَارَّةُ بِتَعَجُّبٍ أَمَامَ صَرَخَاتِهِ الحَثِيثَةِ، فَمَا كَانَ مِنْ لِي وُون إِلَّا أَنْ أَمْسَكَ بِمِيخَائِيلَ وَصَرَخَ دُونَ وَعْيٍ:
«إِنَّنِي أَقْصِدُ وَالِدِي! انْقِذُوا وَالِدِي!».
بَدَا الرَّجُلُ الجَالِسُ وَهُوَ يُدَنْدِنُ بِسَمَّاعَاتِ الأُذُنِ وَكَأَنَّهُ لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ يَقْضِي وَقْتَ شَايٍ هَادِئٍ فِي الظَّهِيرَةِ. كَانَ يَرْتَدِي نَظَّارَاتٍ شَمْسِيَّةً دَاكِنَةً، وَيَجْلِسُ بِجِوَارِ نَافِذَةِ المَقْهَى يَقْرَأُ الصَّحِيفَةَ بِسَكِينَةٍ، وَأَمَامَهُ فِنْجَانٌ مِنَ القَهْوَةِ الإِسْبِرِيسُو، بَيْنَمَا يَتَرَنَّمُ بِشَفَتَيْهِ بِكَلِمَاتِ أُغْنِيَةٍ شَعْبِيَّةٍ رَائِجَةٍ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي أَزَاحَ فِيهَا نَظَرَهُ عَنِ الجَرِيدَةِ وَمَدَّ يَدَهُ نَحْوَ فِنْجَانِ القَهْوَةِ…
دَوَى صَوْتُ إِطْلَاقِ النَّارِ الخَافِتِ مِنْ بَعِيدٍ، فَلَمَعَتْ ابْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ عَلَى شَفَتَيْ دِمِيتْرِي.
«أَصَابَ الهَدَفَ».
تَشَكَّلَتْ فُقَّاعَةٌ صَغِيرَةٌ دَاخِلَ كِيسِ المَحْلُولِ المُعَلَّقِ، وَبَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَلِئًا، انْخَفَضَ السَّائِلُ فِيهِ لِيَصِلَ إِلَى الثُّلُثِ. نَظَرَ لِي وُون إِلَى وَجْهِ مِيخَائِيلَ الشَّاحِبِ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بِبِنْتِ شَفَةٍ. لَمْ يَكُنْ يَتَذَكَّرُ كَيْفَ وَصَلَ إِلَى المُسْتَشْفَى؛ فَقَدْ تَمَلَّكَ الرُّعْبُ مِنْ عَقْلِهِ وَعَجَزَ عَنِ التَّفْكِيرِ فِي أَيِّ شَيْءٍ. وَحَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَانَ حَالُهُ كَمَا هُوَ، فَلَمْ يَكُنْ لِي وُون يَفْعَلُ شَيْئًا سِوَى التَّحْدِيقِ فِي جَسَدِ الرَّجُلِ المُمَدَّدِ أَمَامَهُ بِوَجْهِهِ الخَالِي مِنَ الحَيَاةِ.
وَبَيْنَمَا كَانَ يُرَاقِبُ غُرْفَةَ المُسْتَشْفَى السَّاكِنَةَ، سُمِعَ فَجْأَةً صَوْتُ طَرْقٍ مُتَسَارِعٍ وعَنِيفٍ عَلَى البَابِ، ثُمَّ انْدَفَعَ رَجُلٌ مَأْلُوفٌ إِلَى الدَّاخِلِ.
«السَّيِّدُ لُومُونُوسُوف!».
كَانَ هَذَا الرَّجُلُ المَذْعُورُ هُوَ “لِيف”، المَاضِي وَاليَدُ اليمْنَى لِمِيخَائِيلَ. وَحِينَمَا نَهَضَ لِي وُون مِنْ مَقْعَدِهِ، رَكَضَ لِيف نَحْوَ السَّرِيرِ مُبَاشَرَةً وَكَأَنَّهُ لَا يَرَى لِي وُون أَمَامَهُ. وَبَعْدَ أَنْ تَفَحَّصَ لِيف مَا حَوْلَهُ لِيَطْمَئِنَّ عَلَى حَالَةِ مِيخَائِيلَ، وَجَّهَ سِهَامَ غَضَبِهِ نَحْوَ لِي وُون هَذِهِ المَرَّةِ صَارِخًا:
«كَيْفَ بِحَقِّ الجَحِيمِ حَدَثَ هَذَا؟!».
فَأَجَابَهُ لِي وُون بِمَلَامِحَ يَكْسُوهَا الأَسَى:
«لَقَدْ خَرَجْنَا مِنَ المَتْحَفِ مَعًا، وَفَجْأَةً هَجَمَ رَجُلٌ لَمْ نَرَهُ مِنْ قَبْلُ بِمُنْتَهَى السُّرْعَةِ…».
«كَيْفَ يَجْرُؤُ أَيُّ نَذْلٍ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ!».
وَعِنْدَمَا أَدْرَكَ لِيف أَنَّ زَعِيمَهُ قَدْ أُصِيبَ وَهُوَ يَحْمِي لِي وُون بَجَسَدِهِ، بَدَا وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ الفَتْكَ بِـ لِي وُون أَوَّلًا. أَمَّا لِي وُون، فَقَدْ لَزِمَ الصَّمْتَ مُطْرِقًا رَأْسَهُ مِنْ شِدَّةِ الحَرَجِ، وَفِي نِهَايَةِ مَطَافِ نَظَرَاتِهِ المُنْكَسِرَةِ، كَانَ يَقْبَعُ وَالِدُهُ. نَظَرَ إِلَيْهِ لِي وُون، وَتَمَلَّكَتْهُ حَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ وَصِرَاعٌ دَاخِلِيٌّ.
وَمَا إِنْ شَاعَ خَبَرُ إِصَابَةِ مِيخَائِيلَ، حَتَّى امْتَلَأَ المُسْتَشْفَى بِأَعْدَادٍ غَفِيرَةٍ مِنْ رِجَالِ عِصَابَةِ “لُومُونُوسُوف”؛ ففِي دَاخِلِ غُرْفَةِ المُسْتَشْفَى وَخَارِجِهَا، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَوْطِئُ قَدَمٍ إِلَّا وَيَقِفُ فِيهِ أَحَدُهُمْ. وَتَحَسُّبًا لِأَيِّ هُجُومٍ آخَرَ، بَقِيَ رِجَالُ العِصَابَةِ مُسْتَيْقِظِينَ طَوَالَ اللَّيْلِ لِحِرَاسَةِ جَنَاحِ مِيخَائِيلَ.
تَجَاوَزَتِ السَّاعَةُ مُنْتَصَفَ اللَّيْلِ حِينَمَا اسْتَعَادَ مِيخَائِيلَ وَعْيَهُ. وَسَأَلَهُ لِي وُون، الَّذِي كَانَ يَحْرُسُ غُرْفَتَهُ بِلَا انْقِطَاعٍ، فَوْرَ أَنْ فَتَحَ العَجُوزُ عَيْنَيْهِ:
«هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟».
رَمَشَ مِيخَائِيلَ بِبُطْءٍ، وَظَلَّ صَامِتًا بِمَلَامِحَ يَهْصِرُهَا التَّعَبُ، فَبَادَرَهُ لِي وُون قَائِلًا بِعَجَلَةٍ:
«أَنْتَ فِي المُسْتَشْفَى الآنَ. لَقَدْ تَعَرَّضْتَ لِإِطْلَاقِ نَارٍ وَنَقَلُوكَ إِلَى هُنَا فَوْرًا».
وَبَيْنَمَا كَانَ يَشْرَحُ لَهُ، شَعَرَ لِي وُون بِخَجَلٍ مُفَاجِئٍ؛ فَمِيخَائِيلَ قَدْ أُصِيبَ بِسَبَبِهِ، وَرُبَّمَا سَيُحَاوِلُ هَذَا الرَّجُلُ الآنَ اسْتِغْلَالَ هَذَا الأَمْرِ كَذَرِيعَةٍ لِلِاحْتِفَاظِ بِهِ بِجَانِبِهِ.
ظَهَرَتْ هَذِهِ الأَفْكَارُ الَّتِي دَارَتْ فِي خَلَدِهِ دُونَ قَصْدٍ عَلَى تَعَابِيرِ وَجْهِهِ، فَابْتَسَمَ مِيخَائِيلَ لَهُ بِمَرَارَةٍ. وَلِكَيْ يَكْسِرَ لِي وُون هَذَا الِارْتِبَاكَ، سَارَعَ إِلَى تَغْيِيرِ المَوْضُوعِ قَائِلًا:
«لَقَدْ سَمِعْتُ ضَجِيجًا عَالِيًا فِي الخَارِجِ».
ظَنَّ أَنَّهُ كَانَ يَفْقِدُ وَعْيَهُ تَمَامًا، لَكِنَّهُ بَدَا وَكَأَنَّهُ سَمِعَ الأَمْرَ. فَأَجَابَهُ لِي وُون بِالحَقِيقَةِ:
«أَعْضَاءُ المُنَظَّمَةِ يَحْرُسُونَ المَكَانَ، وَرُبَّمَا هَذَا هُوَ سَبَبُ الجَلَبَةِ».
وَمَعَ نِهَايَةِ كَلَامِهِ، نَقَرَ مِيخَائِيلَ بِلِسَانِهِ مُتَأَفِّفًا، وَمَا إِنْ صَمَتَ لِي وُون، حَتَّى فَتَحَ مِيخَائِيلَ فَمَهُ قَائِلًا:
«تَبًّا… عُقُولُ رِجَالِ هَذِهِ الأَيَّامِ صَغِيرَةٌ جَدًّا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟».
فَقَدَّمَ لِي وُون عُذْرًا لَهُمْ بَدَلًا مِنَ الرَّدِّ عَلَى كَلِمَاتِهِ الَّتِي أَضَافَهَا وَكَأَنَّهُ يَتَشَارَكُ مَعَهُ جِرَاحَهُ:
«الجَمِيعُ هُنَا مُسْتَمِيتُونَ لِحِمَايَةِ مَا حَوْلَهُمْ، حَتَّى إِنَّ الدُّخُولَ وَالخُرُوجَ صَارِمٌ جَدًّا حِينَمَا يَأْتِي الطَّاقَمُ الطِّبِّيُّ لِلزِّيَارَةِ…».
قَطَعَ لِي وُون حَدِيثَهُ وَأَطْبَقَ فَمَهُ فُجْأَةً. (لِمَاذَا يَتَحَدَّثُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ؟). نَظَرَ مِيخَائِيلَ إِلَى لِي وُون الَّذِي عَادَ إِلَى صَمْتِهِ، ثُمَّ نَطَقَ بِهُدُوءٍ:
«أَنَا لَمْ أَرْتَكِبْ خَطَأً يَا بُنَيَّ».
تَوَقَّفَتْ نَظَرَاتُ لِي وُون عِنْدَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ المُفَاجِئَةِ، فِيمَا وَاصَلَ مِيخَائِيلَ التَّحْدِيقَ إِلَيْهِ وَمُتَابَعَةَ حَدِيثِهِ…
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!