فصل 62

فصل 62

«إِنَّهُ الدَّمُ الَّذِي وَرِثْتَهُ، وَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُ تَمَامًا». وَاصَلَ مِيخَائِيلَ حَدِيثَهُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ: «كُلُّ مَا أَرَدْتُهُ هُوَ حِمَايَتُكَ… وَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّنِي قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ الآنَ، وَوَثِقْتُ بِأَنَّهُ لَنْ يَمَسَّكَ مَكْرُوهٌ مَا دُمْتَ إِلَى جَانِبِي».
ثُمَّ صَمَتَ لِلَحْظَةٍ، قَبْلَ أَنْ يُرْدِفَ بِنَبْرَةٍ مُحَاسِبَةٍ لِنَفْسِهِ: «لَقَدْ كُنْتُ مُتَغَطْرِسًا».
نَظَرَ لِي وُون إِلَى مِيخَائِيلَ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ، وَخَيَّمَ عَلَى المَكَانِ صَمْتٌ ثَقِيلٌ. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ السُّكُوتِ التَّامِّ، فَتَحَ لِي وُون فَمَهُ لِيَتَكَلَّمَ، لَكِنْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، سَمِعَ صَوْتَ طَرْقٍ مُسْتَعْجِلٍ. نَهَضَ لِي وُون مُسْرِعًا وَتَوَجَّهَ نَحْوَ البَابِ، وَمِنْ خِلَالِ الفَتْحَةِ الضَّيِّقَةِ، أَبْصَرَ وَجْهَ لِيف.
«هَلْ هُنَاكَ مَا تُخْبِرُنِي بِهِ؟ هَلِ اسْتَيْقَظَ السَّيِّدُ؟».
أَجَابَهُ لِي وُون بِصَوْتٍ يَمْلَؤُهُ القَلَقُ: «لَقَدْ أَفَاقَ بِالفِعْلِ، تَفَضَّلْ بِالدُّخُولِ».
وَقَبْلَ أَنْ يُتِمَّ كَلَامَهُ، فَتَحَ لِيف البَابَ بِانْدِفَاعٍ، حَتَّى كَادَ لِي وُون يَرْتَطِمُ بِهِ، لَكِنَّهُ تَرَاجَعَ فِي لَمْحِ البَصَرِ مُتَفَادِيًا الإِصَابَةَ. رَكَضَ لِيف نَحْوَ السَّرِيرِ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ حَوْلَهُ، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِجِوَارِ مِيخَائِيلَ صَارِخًا:
«السَّيِّدُ لُومُونُوسُوف! لَقَدِ اسْتَعَدْتَ وَعْيَكَ! لِحُسْنِ الحَظِّ أَنَّكَ بِخَيْرٍ، كَمْ كُنْتُ قَلِقًا! إِلَهِي، لَكَ الحَمْدُ وَالشُّكْرُ!».
نَظَرَ مِيخَائِيلَ إِلَى لِيف، الَّذِي كَانَ يَتْلُو دُعَاءَهُ بِحَرَارَةٍ، بِمَلَامِحَ بَارِدَةٍ وَقَالَ: «كَفَى يَا لِيف، إِنَّكَ مُزْعِجٌ جَدًّا، وَصَوْتُكَ يُؤْلِمُنِي أَكْثَرَ مِنْ جُرُوحِ الرَّصَاصِ».
كَانَتْ نَبْرَتُهُ الخَشِنَةُ مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنْ تِلْكَ النَّبْرَةِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي كَانَ يُخَاطِبُ بِهَا لِي وُون. وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، بَدَا لِـ لِي وُون أَنَّهُ يَرَى الوَجْهَ الحَقِيقِيَّ لِوَالِدِهِ الَّذِي يُلَقَّبُ بِالأَسَدِ. وَأَمَامَ نَظَرَاتِ لِي وُون الصَّامِتَةِ، عَادَ مِيخَائِيلَ إِلَى مَلَامِحِهِ الهَادِئَةِ المَأْلُوفَةِ بِسُهُولَةٍ بَالِغَةٍ.
وَفَجْأَةً، خَطَرَ فِي ذِهْنِ لِي وُون تَسَاؤُلٌ: (هَلْ كَانَتْ أُمِّي تَعْرِفُ هَذَا الوَجْهَ مِنْهُ أَيْضًا؟).
سَأَلَ مِيخَائِيلَ: «مَا هُوَ الوَضْعُ الحَالِيُّ الآنَ؟ مَنْ يَتَوَلَّى القِيَادَةَ؟ فْلَادِيمِير؟».
«نَعَمْ، فِي الوَقْتِ الرَّاهِنِ، وَلَكِن…»
صَمَتَ لِيف فَجْأَةً وَنَظَرَ إِلَى لِي وُون، ثُمَّ تَابَعَ مُوَجِّهًا كَلَامَهُ لِلْمَرِيضِ: «لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خِيَارٌ آخَرُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اعْذُرْنِي سَيِّدِي».
«تَابِعْ».
قَالَهَا مِيخَائِيلَ بِبُرُودٍ، ثُمَّ أَضَافَ: «هَلْ عَرَفْتُمْ مَنِ المُذْنِبُ الَّذِي يَقِفُ خَلْفَ الكَوَالِيسِ؟».
«آه، نَعَمْ».
أَجَابَ لِيف بِوَجْهٍ قَاتِمٍ وَكَأَنَّهُ تَذَكَّرَ الأَمْرَ لِلَّتِّوِ: «لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ المَخْطَطُ مِنْ تَدْبِيرِ جَمَاعَةِ سِيرْجِيف».
لَمَعَتْ عَيْنَا مِيخَائِيلَ بِبُرُودٍ قَاسٍ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، تَجَمَّدَتْ مَلَامِحُ وَجْهِ لِي وُون.
«أَتَقْصِدُ أَنَّ لُومُونُوسُوف قَدْ تَعَرَّضَ لِإِطْلَاقِ نَارٍ؟».
بَعْدَ أَنْ طَرَحَ قَيْصَرْ سُؤَالَهُ بِنَبْرَةٍ حَادَّةٍ، أَجَابَهُ يُورِيتْش بِارْتِبَاكٍ وَذُعْرٍ: «هَذَا صَحِيحٌ، يُقَالُ إِنَّهُ تَعَرَّضَ لِهُجُومٍ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ. وَتُشِيرُ الأَنْبَاءُ إِلَى أَنَّ حَيَاتَهُ لَيْسَتْ فِي خَطَرٍ، وَلَكِن…».
قَطَّبَ قَيْصَرْ حَاجِبَيْهِ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ. (مَنْ عَسَاهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟).
تَمَلَّكَهُ شُعُورٌ سَيِّئٌ؛ ففِي الظِّلِّ الظُّرُوفِ الرَّاهِنَةِ الَّتِي يَتَّسِعُ فِيهَا نِطَاقُ المُواجَهَةِ مَعَ لُومُونُوسُوف، هُنَاكَ احْتِمَالٌ كَبِيرٌ أَنْ تُوَجَّهَ أَصَابِعُ الِاتِّهَامِ إِلَى سِيرْجِيف كَمُذْنِبٍ رَئِيسِيٍّ. كَانَ مِنَ الوَاضِحِ أَنَّ مِيخَائِيلَ لَيْسَ الشَّخْصَ الَّذِي يَمِيلُ إِلَى المُبَالَغَةِ، وَلَكِنَّ المُشْكِلَةَ تَكْمُنُ فِي أَنَّهُ حَتَّى قَيْصَرْ لَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّدًا مِمَّا إِذَا كَانَ الفَاعِلُ لَيْسَ مِنْ جَمَاعَةِ سِيرْجِيف بِالفِعْلِ؛ فَحَتَّى دُونَ أَوَامِرَ مُبَاشِرَةٍ مِنْهُ، هُنَاكَ العَدِيدُ مِنَ الأَطْرَافِ الَّتِي تَتَحَرَّكُ بِشَكْلٍ مُسْتَقِلٍّ، وَالأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ لَا يَتَوَرَّعُونَ عَنْ اسْتِفْزَازِ لُومُونُوسُوف.
(مَنْ مِنْهُمْ يَا تُرَى؟)
ضَيَّقَ قَيْصَرْ عَيْنَيْهِ، وَفَتَحَ فَمَهُ لِيَتَكَلَّمَ بَيْنَمَا كَانَ يَسْتَعْرِضُ سَرِيعًا فِي مُخَيِّلَتِهِ وُجُوهَ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا خَلْفَ هَذَا الأَمْرِ كَشَرِيطٍ بَانُورَامِيٍّ.
«مَاذَا حَدَثَ لِابْنِ لُومُونُوسُوف؟».
أَجَابَ يُورِي مُسْرِعًا: «يُقَالُ إِنَّهُ لَا يُفَارِقُ جَانِبَهُ وَيَعْتَنِي بِهِ طَوَالَ الوَقْتِ».
«حَسَنًا».
أَطْبَقَ قَيْصَرْ فَمَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ يُورِي مُنْتَظِرًا كَلِمَاتِهِ التَّالِيَةَ، لَكِنَّ قَيْصَرْ اكْتَفَى بِاسْتِنْشَاقِ دُخَانِ سِيجَارِهِ بِعُمْقٍ دُونَ أَنْ يَتَكَلَّمَ.
(سَأَرْحَلُ وَأَمْضِي فِي طَرِيقِي).
تَرَدَّدَتْ كَلِمَاتُ دِمِيتْرِي فِي عَقْلِ قَيْصَرْ مِنْ جَدِيدٍ، فَبَدَأَتْ بَذْورُ القَلَقِ الَّتِي تَلَوَّتْ كَالأَفَاعِي فِي نَفْسِهِ تَكْبُرُ وَتَتَضَخَّمُ. وَمِنْ خِلَالِ الدُّخَانِ الكَثِيفِ، ارْتَسَمَتْ تَجَاعِيدُ عَمِيقَةٌ عَلَى جَبْهَةِ قَيْصَرْ؛ فَلَيْسَ مِنَ المَنْطِقِ أَنْ يَنْتَهِيَ الأَمْرُ هَكَذَا، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَدِّقَ أَنْ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ كِذْبَةً مُنْذُ البِدَايَةِ. تِلْكَ القُبْلَةُ، تِلْكَ المُلَامَسَةُ، ذَلِكَ اللَّمْسُ… أَعَسَاهَا كَانَتْ كُلُّهَا أَكَاذِيبَ؟ حَتَّى تِلْكَ العَيْنَانِ الَّتِي كَانَتَا تَنْظُرَانِ إِلَيْهِ؟
«انْصَرِفْ».
بَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ، فَوْجِئَ يُورِي بِصَوْتِ قَيْصَرْ، فَانْحَنَى بِرَأْسِهِ سَرِيعًا ثُمَّ غَادَرَ المَكَانَ. أُغْلِقَ البَابُ وَبَقِيَ قَيْصَرْ بِمُفْرَدِهِ، مُسْنِدًا رَأْسَهُ بِيَدِهِ بَيْنَمَا كَانَ يُمْسِكُ بِالسِّيجَارِ فِي اليَدِ الأُخْرَى. أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، لَكِنَّ التَّجَاعِيدَ بَيْنَ حَاجِبَيْهِ لَمْ تَخْتَفِ، وَعَضَّ عَلَى شَفَتِهِ وَهُوَ يُفَكِّرُ: (سَيَعُودُ، لَا أَزَالُ أُؤْمِنُ بِذَلِكَ).
فِي عَتَمَةِ اللَّيْلِ، كَانَ لِي وُون غَارِقًا فِي مَاضِي أَفْكَارِهِ. غَادَرَ لِيف، ذَلِكَ التَّابِعُ المُخْلِصُ الَّذِي اسْتَمَعَ إِلَى مِيخَائِيلَ بِوَجْهِهِ الصَّارِمِ، وَبَقِيَ هُوَ وَمِيخَائِيلَ بِمُفْرَدِهِمَا دَاخِلَ غُرْفَةِ المُسْتَشْفَى. فَتَحَ مِيخَائِيلَ فَمَهُ مُخَاطِبًا لِي وُون الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ المُرَافِقِينَ مُسْتَغْرِقًا فِي التَّفْكِيرِ:
«أَلَمْ تَنَمْ بَعْدُ؟».
أَمَامَ السُّؤَالِ الهَادِئِ، رَفَعَ لِي وُون رَأْسَهُ، لِيَجِدَ مِيخَائِيلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَأَجَابَ: «هُنَاكَ بَعْضُ الأُمُورِ الَّتِي أَشْغَلَتْ بَالِي».
حِينَمَا رَدَّ لِي وُون، نَظَرَ إِلَيْهِ مِيخَائِيلَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَنْ تِلْكَ الَّتِي كَانَ يُعَامِلُ بِهَا لِيف.
«لَا بُدَّ أَنَّكَ مُتْعَبٌ، لِذَلِكَ عُدْ إِلَى المَنْزِلِ. المُسْتَشْفَى مَكَانٌ لِلْمَرْضَى، وَلَيْسَ مَكَانًا لِلْأَصِحَّاءِ».
جَعَلَهُ وَجْهُهُ المُبْتَسِمُ يَنْسَى لِلَحْظَةٍ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ مَافْيَا قَاسٍ لَا يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ وَلَا تَجْرِي فِي عُرُوقِهِ الدُّمُوعُ، وَرُبَّمَا لَمْ تَكُنْ أُمُّهُ تَعْرِفُ هَذَا الجَانِبَ فِيهِ أَيْضًا. أَطْرَقَ مِيخَائِيلَ رَأْسَهُ وَكَأَنَّهُ شَعَرَ بِالحَرَجِ مِنْ نَظَرَاتِ لِي وُون الصَّامِتَةِ ثُمَّ سَأَلَ:
«لِمَاذَا تَنْظُرُ إِلَيَّ هَكَذَا؟».
بَعْدَ أَنْ تَأَمَّلَهُ لِي وُون لِفَتْرَةٍ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ، فَتَحَ فَمَهُ قَائِلًا: «أَنَا… لَا أَسْتَطِيعُ».
(وَإِذَا كَانَ وَالِدِي يَقُولُ الحَقِيقَةَ؟)
«مَا الَّذِي لَا تَسْتَطِيعُهُ؟».
عَاوَدَ مِيخَائِيلَ السُّؤَالَ، فَأَجَابَهُ لِي وُون بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
«فِي هَذِهِ النُّقْطَةِ بِالذَّاتِ، سَتَكُونُ أُمِّي قَدْ رَحَلَتْ، وَأَنَا لَا يُمْكِنُنِي تَحَمُّلُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الحَيَاةِ».
تَلَاشَتِ الِابْتِسَامَةُ مِنْ وَجْهِ مِيخَائِيلَ، فِيمَا وَاصَلَ لِي وُون حَدِيثَهُ بِصَوْتٍ رَصِينٍ:
«لِحَظَاتٍ خِلْتُ فِيهَا أَنَّنِي قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ، لَكِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ أَبَدًا؛ لَقَدْ نَشَأْتُ شَخْصًا طَبِيعِيًّا، وَهَذِهِ البِيئَةُ مُتَطَرِّفَةٌ جَدًّا بِالنِّسْبَةِ لِي».
«أَنَا…»
أَرَادَ مِيخَائِيلَ أَنْ يُقَاطِعَهُ بِعَجَلَةٍ لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ عَنِ الكَلَامِ، وَبَعْدَ بُرْهَةٍ، نَطَقَ بَيْنَمَا شَفَتَاهُ تَرْتَجِفَانِ بِصُعُوبَةٍ:
«أَنَا لَسْتُ هُنَاكَ… سَأَفْعَلُ كُلَّ مَا تَطْلُبُهُ مِنِّي، فَقَطْ ابْقَ إِلَى جَانِبِي، إِنَّنِي بِحَاجَةٍ إِلَيْكَ».
أَمْسَكَ مِيخَائِيلَ بِيَدِ لِي وُون بِسُرْعَةٍ، فَنَظَرَ لِي وُون إِلَى يَدَيْهِ النَّحِيلَتَيْنِ البَارِزَتَيِ العِظَامِ، ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى مِيخَائِيلَ مِنْ جَدِيدٍ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ دِفْءٍ يَسْرِي فِي أَعْمَاقِهِ.
(حَتَّى إِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْعُوَهُ وَالِدِي).
لَكِنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ أَبَاهُ مَهْمَا حَاوَلَ رَفْضَهُ. وَبِصَوْتٍ شَبِيهٍ بِالهَمْسِ، قَالَ لِي وُون:
«أَنَا آسِفٌ… لَا يُمْكِنُنِي اتِّبَاعُكَ، كَمَا لَا يُمْكِنُنِي خِيَانَةُ قَيْصَرْ. لَقَدِ انْتَهَى كُلُّ عَمَلِي فِي رُوسْيَا، وَسَأَرْحَلُ».
فِي النِّهَايَةِ، لَمْ يَسْتَطِعْ لِي وُون اخْتِيَارَ أَيٍّ مِنْهُمَا؛ فَالطَّرِيقُ الوَحِيدُ المِتَبَقِّي أَمَامَهُ هُوَ أَنْ يَتْرُكَ كِلَيْهِمَا وَيَمْضِيَ. لَمْ يَجِدْ مِيخَائِيلَ كَلِمَاتٍ يُضِيفُهَا أَمَامَ هَذَا القَرَارِ الحَاسِمِ الَّذِي اتَّخَذَهُ ابْنُهُ، فَاكْتَفَى بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ مُتَّسِعَتَيْنِ مِنَ الصَّدْمَةِ. خَفَضَ لِي وُون نَظَرَهُ، وَكَانَ مِيخَائِيلَ لَا يَزَالُ مُمْسِكًا بِيَدِهِ، فَشَدَّ لِي وُون عَلَى يَدِهِ قَائِلًا:
«لَقَدْ سُعِدْتُ بِلِقَائِكَ».
لَمْ يَنْطِقْ مِيخَائِيلَ بِشَيْءٍ أَمَامَ تِلْكَ المُصَافَحَةِ الَّتِي قَدَّمَهَا لَهُ ابْنُهُ بِابْتِسَامَةٍ طَيِّبَةٍ، وَتَغَلْغَلَ النَّدَمُ وَالأَلَمُ فِي زَوَايَا عَيْنَيْهِ المُجَعَّدَتَيْنِ. جَذَبَ مِيخَائِيلَ يَدَ لِي وُون وَاحْتَضَنَهُ بِرِفْقٍ، وَأَطْلَقَ تَنَهُّدًا عَمِيقًا وَهُوَ يَضُمُّ ابْنَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
«حَسَنًا، اذْهَبْ».
تَابَعَ مِيخَائِيلَ بِصَوْتٍ يَفِيضُ بِالوَجَعِ: «أَنَا لَنْ أَدَعَكَ تَرْحَلُ هَكَذَا، لَكِنْ يَا بُنَيَّ، كُنْ حَذِرًا؛ فَهَذِهِ هِيَ المَرَّةُ الأُولَى وَالأَخِيرَةُ».
أَفْلَتَ مِيخَائِيلَ ذِرَاعَهُ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَضِنُ لِي وُون وَنَظَرَ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً، وَكَانَ ذَلِكَ وَجْهَ الأَسَدِ الَّذِي نَادِرًا مَا رَآهُ لِي وُون.
«فِي اليَوْمِ الَّذِي سَأَعُودُ فِيهِ لِأَجِدَكَ، لَنْ أَدَعَكَ تُرْحَلُ أَبَدًا».
لَمَحَ لِي وُون الدُّمُوعَ فِي عَيْنَيْ وَالِدِهِ، فَوَقَفَ صَامِتًا أَمَامَهُ، ثُمَّ أَمْسَكَ بِاليَدِ الَّتِي كَانَتْ تَقْبِضُ عَلَى كَتِفِهِ. وَبَعْدَ أَنْ تَرَكَهُ فِي صَمْتِهِ، نَهَضَ مِنْ مَقْعَدِهِ. رَاقَبَهُ مِيخَائِيلَ بِسُكُوتٍ وَهُوَ يَعْتَدِلُ فِي وُقُوفِهِ وَيَنْحَنِي لِيُؤَدِّيَ تَحِيَّةَ الوَدَاعِ الأَخِيرَةِ، ثُمَّ أَدَارَ لِي وُون ظَهْرَهُ لَهُ. نَهَضَ الِابْنُ الأَكْبَرُ وَمَشَى، دُونَ تَرَدُّدٍ، وَدُونَ أَنْ يَتَوَقَّفَ أَوْ يَلْتَفِتَ إِلَى الوَرَاءِ.
وَبَعْدَ أَنْ أُغْلِقَ البَابُ، تَبِعَتْ نَظَرَاتُ مِيخَائِيلَ الفَرَاغَ بَعْدَ رَحِيلِ ابْنِهِ دُونَ جَدْوَى.
مَعَ هُبُوطِ الظَّلَامِ، أَخَذَ قَيْصَرْ يَنْظُرُ مِنَ النَّافِذَةِ. كَانَ حِينُ حُلُولِ وَقْتِ مُغَادَرَةِ العَمَلِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْوِي العَوْدَةَ؛ بَلْ اكْتَفَى كَالعَادَةِ بِالتَّحْدِيقِ فِي الغُيُومِ الرَّمَادِيَّةِ الكَئِيبَةِ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ كَثْرَةِ المَشَاكِلِ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ، مِثْلَ الصِّرَاعَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالضُّغُوطِ الخَارِجِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ أَمْرًا وَاحِدًا كَانَ يُقْلِقُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ.
(لِمَاذَا لَا يَتَّصِلُ؟)
نَظَرَ قَيْصَرْ بِتَفَكُّرٍ إِلَى هَاتِفِهِ القَابِعِ فِي صَمْتٍ تَامٍّ بِمَلَامِحَ يَكْسُوهَا القَلَقُ وَالجَلَبَةُ الدَّاخِلِيَّةُ.
وَبَيْنَمَا كَانَ يُقَطِّبُ حَاجِبَيْهِ، نَظَرَ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي دَخَلَ مِنَ البَابِ فَجْأَةً دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ. كَانَ دِمِيتْرِي قَدْ وَصَلَ عَلَى عَجَلٍ، وَقَالَ وَهُوَ يَلِجُ الغُرْفَةَ:
«فِي النِّهَايَةِ… سَيَكُونُ الأَمْرُ هَكَذَا».

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!