فصل 69

فصل 69

«لَا، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَانَ ذَلِكَ طَلَباً مِنْ سِيرْغِيف. كَانَ رَجُلَ الْمُعَارَضَةِ، لَا الْوَرِيثَ.
الْآنَ وَأَنَا أُفَكِّرُ فِي الْأَمْرِ، لَقَدْ فَعَلَ شَيْئاً سَخِيفاً لِلْغَايَةِ هَذِهِ الْمَرَّةَ أَيْضاً».
مَعَ الْكَلِمَاتِ الْأَخِيرَةِ، شَعَرَ لِي وُون بِالتَّوَتُّرِ. مَعَ الْقَلِيلِ مِنَ الْحَظِّ، قَدْ لَا يَكُونُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. كَانَ يَدُورُ فِي ذِهْنِهِ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقِيّاً. لَا يُمْكِنُ أَبَداً…!
«أَلَيْسَ مِنَ اللَّطِيفِ التَّفْكِيرُ فِي قَتْلِ الْخَلَفِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمُنَظَّمَةِ؟ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَافْيَا، رَغْمَ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ تَتَغَيَّرُ، فَإِنَّ طَرِيقَةَ تَفْكِيرِهِمْ لَمْ تَتَغَيَّرْ. أَوْه، مَعْذِرَةً».
أَضَافَ لِيُونِيد بِسُرْعَةٍ اعْتِذَاراً وَابْتَسَمَ. لَكِنَّ لِي وُون لَمْ يَضْحَكْ. بَقِيَتْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ تَدُورُ فِي عَقْلِهِ: “هَلْ مَاتَ الْوَرِيثُ؟”.
كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ صَوْتَهُ يَرْتَجِفُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعِ السَّيْطَرَةَ عَلَيْهِ. وَأَمَامَ لِي وُون الَّذِي كَادَ يَسْأَلُ بِالْكَادِ، أَجَابَ لِيُونِيد بِلَا مُبَالَاةٍ:
«يَبْدُو أَنَّ هُنَاكَ فَوْضَى دَاخِلَ الْمُنَظَّمَةِ. فِي الْوَاقِعِ، جَانِبُ لُومُونُوسُوف قَالَ أَيْضاً إِنَّ خَلَفَ سِيرْغِيف هُوَ مَنْ قَامَ بِالِاخْتِطَافِ، وَكَانَتْ هُنَاكَ أَجْوَاءُ حَرْبٍ لِفَتْرَةٍ مِنَ الْوَقْتِ.
كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ نَلْتَقِيَ مُجَدَّداً يَوْماً مَا، لَكِنْ لِلْأَسَفِ لَمْ يَحْدُثْ ذَلِكَ». ابْتَسَمَ لِيُونِيد بِاخْتِصَارٍ وَأَضَافَ:
«سَوَاءٌ ذَهَبْتَ إِلَى الْحَرْبِ أَمْ لَا، فَهَذِهِ لَحْظَةُ اخْتِيَارٍ بِالنِّسْبَةِ لَكَ».
لَمْ يَقُلْ لِي وُون شَيْئاً. فَقَطْ أَبْقَى فَمَهُ مُغْلَقاً. نَظَرَ لِيُونِيد، الَّذِي أَضَافَ مَشَاعِرَ شَخْصِيَّةً، إِلَى لِي وُون: «سَيَكُونُ هَذَا شَيْئاً جَيِّداً لِـلُومُونُوسُوف».
لَمْ يَقُلْ لِي وُون شَيْئاً. حَدَّقَ بِلَا مُبَالَاةٍ وَفَقَدَ تَرْكِيزَهُ. نَظَرَ إِلَيْهِ لِيُونِيد بِرَدَّةِ فِعْلٍ غَرِيبَةٍ. بَقِيَ لِي وُون جَالِساً بِتَعَابِيرَ خَالِيَةٍ كَمَا لَوْ كَانَ قَدْ جُنَّ، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ حَتَّى. شَعَرَ لِيُونِيد بِالْحِيرَةِ وَحَكَّ رَأْسَهُ. مَا هَذَا التَّصَرُّفُ بِحَقِّ الْجَحِيمِ؟
«إِذَنْ سَأُخْبِرُ لُومُونُوسُوف أَنَّ وَعْيَكَ قَدْ عَادَ».
وَعِنْدَمَا اسْتَدَارَ طَبِيعِيّاً لِيُغَادِرَ الْغُرْفَةَ، أَمْسَكَ لِي وُون ذِرَاعَهُ فَجْأَةً. نَظَرَ إِلَيْهِ لِيُونِيد، مُتَفَاجِئاً بِهَذَا التَّصَرُّفِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ. كَانَتْ قُوَّةً هَائِلَةً تَخْتَلِفُ تَمَاماً عَنْ جَسَدِهِ الْمُنْهَكِ وَمَظْهَرِ الرَّجُلِ الْمَرِيضِ. رَمَشَ لِيُونِيد وَفَتَحَ فَمَهُ بِكُلِّ لُطْفٍ:
«نَعَمْ، مَاذَا هُنَاكَ؟ هَلْ تَحْتَاجُ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ؟».
طَرَحَ السُّؤَالَ مُظْهِراً طَبِيعَتَهُ الْوُدِّيَّةَ بِالْكَامِلِ، لَكِنَّ لِي وُون لَمْ يُجِبْ بِسُهُولَةٍ. ابْتَلَعَ رِيقَهُ الْجَافَّ بَعْدَ أَنْ اهْتَزَّتْ عَيْنَاهُ بَعْضَ الْمَرَّاتِ بِأَعْيُنٍ مُتَّسِعَةٍ مِنَ الْمُفَاجَأَةِ. وَمَعَ صَوْتِ ابْتِلَاعِ الرِّيقِ، اهْتَزَّتْ يِاقَةُ عُنُقِهِ بِعُنْفٍ.
«هَلْ… هَلْ هَذَا صَحِيحٌ؟».
بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ وَمُرْتَجِفٍ، فَتَحَ لِي وُون فَمَهُ: «قَيْصَرُ… الْقَيْصَرُ… مَاتَ؟ هَلْ هَذَا حَقّاً؟».
أَوْمَأَ لِيُونِيد بِرَأْسِهِ بِإِحْرَاجٍ أَمَامَ أَسْئِلَةِ لِي وُون الْمُتَكَرِّرَةِ.
«نَعَمْ، لَقَدْ نُشِرَ فِي الصُّحُفِ لِعِدَّةِ أَيَّامٍ أَنَّهُ تَمَّ التَّعَرُّفُ عَلَى الْجُثَّةِ مِنْ قِبَلِ نَاغُو سِيرْغِيف. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، لَقَدْ أُقِيمَتْ جَنَازَتُهُ بِالْأَمْسِ».
اخْتَفَتِ الدِّمَاءُ تَمَاماً مِنْ وَجْهِ لِي وُون. وَوَاصَلَ لِيُونِيد حَدِيثَهُ، مُرْتَبِكاً مِنْ رَدَّةِ الْفِعْلِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعَةِ:
«عَلَى أَيِّ حَالٍ، لَقَدْ انْتَهَى الْأَمْرُ، لِذَلِكَ لَا دَاعِيَ لِلْقَلَقِ بِشَأْنِهِ بَعْدَ الْآنَ. مِنْ جَانِبِ سِيرْغِيف، يَبْدُو أَنَّهُ سَيَكُونُ هُنَاكَ صِرَاعٌ عَلَى السُّلْطَةِ بَيْنَ الْمَسْؤُولِينَ التَّنْفِيذِيِّينَ لِفَتْرَةٍ مِنَ الْوَقْتِ. السُّلْطَةُ تَنْتَهِي دَائِماً بِأَنْ تَكُونَ مَعْرَكَةَ كِلَابٍ قَذِرَةً».
هَزَّ لِيُونِيد كَتِفَيْهِ وَاسْتَدَارَ مُغَادِراً مَعَ لَوْحَةٍ خَفِيفَةٍ مِنْ يَدِهِ. لَمْ يُمْسِكْ بِهِ لِي وُون هَذِهِ الْمَرَّةَ. تَرَدَّدَ صَوْتُ إِغْلَاقِ الْبَابِ بِهُدُوءٍ فِي أُذُنَيْهِ. وَسُرْعَانَ مَا سَادَ الصَّمْتُ وَتُرِكَ لِي وُون بِمُفْرَدِهِ.
مَاتَ.
مَعَ كَلِمَاتِ لِيُونِيد، تَجَدَّدَتْ ضَحِكَاتُ دِمِيتْرِي فِي ذِهْنِهِ.
كَيْفَ هِيَ رَائِحَةُ دَمِ حَبِيبِكَ؟
صَوْتُ قَيْصَرُ، بَيْنَمَا كَانَ يَحْتَضِنُهُ وَيَهْمِسُ، بَدَا وَكَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أُذُنِهِ.
لَقَدْ تَأَخَّرَ قَلِيلاً. سَيَنْتَهِي قَرِيباً. الْمَشْهَدُ الْأَخِيرُ الَّذِي رَأَتْهُ عَيْنَاهُ بِالْكَامِلِ.
سَأَعُودُ.
كَانَتْ تِلْكَ الْمَرَّةَ الْأَخِيرَةَ. أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى الْأَبَدِ، لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِ تَصْدِيقُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. نَفَى لِي وُون بِرَأْسِهِ دُونَ وُعِيٍّ. لَكِنَّ الشَّيْءَ الْوَحِيدَ الَّذِي اسْتَمَرَّ فِي الْوُرُودِ إِلَى ذِهْنِهِ كَانَ الْمَظْهَرُ الْأَخِيرُ لِقَيْصَرُ.
…أَوْه؟
فَجْأَةً، وَضَعَ لِي وُون يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ. لَقَدْ سَقَطَتْ دُمُوعٌ غَيْرُ مُتَوَقَّعَةٍ. وَبَيْنَمَا كَانَ يُحَدِّقُ فِي أَصَابِعِهِ الْمُبْتَلَّةِ، أَظْلَمَتْ عَيْنَاهُ مِنْ جَدِيدٍ.
فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
فَكَّرَ لِي وُون:
كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أُمْسِكَ بِهِ.
بَعْدَ مُعَانَاةٍ مِنَ الْحُمَّى الْعَالِيَةِ لِعِدَّةِ أَيَّامٍ، تَعَافَى لِي وُون بِالْكَامِلِ. نَبَتَتِ الدُّمُوعُ مِنْ مَآقِي عَيْنَي مِيخَائِيل الَّذِي غَضَّنَ وَجْهَهُ أَمَامَ كَلِمَاتِ الطَّبِيبِ بِأَنَّهُ سَعِيدٌ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَتَحَوَّلْ إِلَى الْتِهَابٍ رِئَوِيٍّ. شَكَرَ لِي وُون الطَّبِيبَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئاً. كَانَ يُفَكِّرُ دَائِماً فِي شَيْءٍ مَا. كَانَ بِالْكَادِ يَتَحَدَّثُ، لَكِنَّهُ عَمِلَ بِلَا كَلَلٍ، يَقْرَأُ الصُّحُفَ وَيَتَصَفَّحُ الْإِنْتِرْنِتَ فِي وَقْتِ فَرَاغِهِ.
كُلَّمَا تَحَسَّنَتْ حَالَتُهُ، كُلَّمَا زَادَ الْوَقْتُ الَّذِي يَقْضِيهِ فِي الْعَمَلِ. كَانَ مِيخَائِيل، الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَتَحَمَّلُ رُؤْيَتَهُ هَكَذَا، يُوَبِّخُهُ، لَكِنَّ لِي وُون قَالَ إِنَّ هَذَا جَيِّدٌ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ.
مَاذَا تَفْعَلُ هَذِهِ الشَّيَاطِينُ؟
فِي النِّهَايَةِ، عِنْدَمَا بَدَأَ يَعْتَكِفُ فِي الْمَكْتَبِ طِوَالَ الْيَوْمِ، بَدَأَ مِيخَائِيل وَحَتَّى أَعْضَاءُ الْمُنَظَّمَةِ يَتَجَوَّلُونَ حَوْلَ الْمَكْتَبِ بِفُضُولٍ.
فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ نَفْسِهِ، نَهَضَ لِي وُون بِمُجَرَّدِ انْتِهَائِهِ مِنَ الْإِفْطَارِ وَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَكْتَبِ. نَظَرَ لِيُونِيد إِلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ سَأَلَ مِيخَائِيل الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ فِي الصَّدَارَةِ:
«مَاذَا يَفْعَلُ بِحَقِّ الْجَحِيمِ؟».
«لَا أَعْلَمُ أَنَا أَيْضاً. صَحِيحٌ، مَاذَا تَفْعَلُ هَذِهِ الشَّيَاطِينُ؟ لَقَدِ انْتَهَى الْبَحْثُ مُنْذُ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، لَكِنَّكَ لَا تَزَالُ تُقِيمُ فِي مَنْزِلِ الزَّبُونِ».
«أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الْإِزْعَاجِ هَذَا؟» سَأَلَ مِيخَائِيل. لَكِنَّ لِيُونِيد ابْتَسَمَ قَلِيلاً وَأَجَابَ:
«أُرِيدُ أَنْ يَتَحَسَّنَ الْمُعَلِّمُ. لَقَدْ أَنْقَذْتَ حَيَاتَهُ، أَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ جَدِيراً بِذَلِكَ؟ لِي وُون بِخَيْرٍ».
«هَلْ هُوَ كَذَلِكَ؟ الطَّبِيبُ كَانَ لَهُ رَأْيٌ آخَرُ».
أَمَامَ وَجْهِ لِيُونِيد الْمُبْتَسِمِ، لَمْ يَقُلْ مِيخَائِيل شَيْئاً. وَابْتَسَمَ لِيُونِيد نَظَراً إِلَى نَظْرَةِ الِاشْمِئْزَازِ التَّائِهَةِ مِنْ مِيخَائِيل.
«لَا تَقْلَقْ. لَنْ أَقُولَ لِـلِي وُون أَبَداً إِنَّكَ أَعْطَيْتَ مَالاً لِلطَّبِيبِ مُخْبِراً إِيَّاهُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُبْقِيَهُ لِمُدَّةِ شَهْرٍ آخَرَ».
خَفَضَ لِيُونِيد صَوْتَهُ كَمَا لَوْ كَانَ يَرْوِي سِرّاً.
«لَقَدْ كَانَ الطَّبِيبُ بَارِعاً فِي التَّمْثِيلِ. يَقُولُونَ إِنَّ عَلَيْهِ الِانْتِظَارَ لِشَهْرٍ آخَرَ، لَكِنَّنِي ظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَقِيقِيّاً».
وَقَفَ لِيُونِيد وَحَيَّا مِيخَائِيل الَّذِي اسْتَمَرَّ فِي الصَّمْتِ: «إِذَنْ سَأَنْصَرِفُ. الْفَطَائِرُ لَذِيذَةٌ حَقّاً».
حَيَّا الْخَادِمَةَ الَّتِي كَانَتْ تَمُرُّ وَغَادَرَ الْمَطْعَمَ بِخُطُوَاتٍ خَفِيفَةٍ. وَعِنْدَمَا وُجِدَ بِمُفْرَدِهِ، نَظَرَ مِيخَائِيل إِلَى الْفَطِيرَةِ بِتَعَابِيرِ عَدَمِ رِضاً، ثُمَّ دَفَعَ الطَّبَقَ بَعِيداً.
ذَكِيٌّ.
بَعْدَ وَقْفَةٍ قَصِيرَةٍ تَبِعَهَا طَرْقٌ خَفِيفٌ، فَتَحَ لِيُونِيد الْبَابَ. كَانَتْ نَافِذَةُ قَاعَةِ الْمَكْتَبِ مَفْتُوحَةً عَلَى مِصْرَاعَيْهَا، مِمَّا سَمَحَ بِدُخُولِ رِيَاحٍ بَارِدَةٍ. كَانَ لِي وُون جَالِساً عَلَى الْأَرْضِ، يَنْظُرُ إِلَى الْوَاثَائِقِ، مُوَاجِهاً الرِّيَاحَ بِجَسَدِهِ بِالْكَامِلِ. نَقَرَ لِيُونِيد بِلِسَانِهِ دَاخِلِيّاً وَاقْتَرَبَ مِنْهُ بِطِيبِ خَاطِرٍ:
«مُنْذُ مَتَى وَأَنْتَ تَشْعُرُ بِتَحَسُّنٍ؟… أَنْتَ مَغْرُورٌ أَمْ مُتَكَبِّرٌ؟». انْحَنَى لِيُونِيد، أَغْلَقَ النَّافِذَةَ الْكَبِيرَةَ وَأَقْفَلَهَا.
«مِنَ الصَّعْبِ إِنْقَاذُهُ، لَكِنْ مِنَ الصَّعْبِ أَيْضاً أَنْ يَمُوتَ».
أَجَابَ لِي وُون بِلَا مُبَالَاةٍ عَلَى التَّعْلِيقِ الْمُضَافِ كَمَزْحَةٍ: «لَا تَقْلَقْ. كُنْتُ أُحَاوِلُ التَّهْوِيَةَ فَقَطْ».
نَظَرَ إِلَيْهِ لِيُونِيد بِتَعَابِيرِ حِيرَةٍ بَيْنَمَا تَحَدَّثَ بِاخْتِصَارٍ وَأَبْرَزَ الْوَثَائِقَ.
«مَاذَا تَفْعَلُ بِحَقِّ الْجَحِيمِ؟ الْجَمِيعُ لَدَيْهِمْ فُضُولٌ». قَالَ لِي وُون بِعَفْوِيَّةٍ:
«إِنَّهُ مُجَرَّدُ مَسْحٍ مَالِيٍّ بَسِيطٍ».
عِنْدَمَا نَظَرَ لِيُونِيد إِلَى الْوَثِيقَةِ، اسْتَدَارَ لِي وُون عَلَى الْفَوْرِ وَنَظَرَ إِلَيْهِ: «لَقَدْ مَضَى وَقْتٌ طَوِيلٌ. هَلْ لَدَيْكَ أَيُّ عَمَلٍ؟».
بَدَا الْأَمْرُ سَاخِراً، لَكِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ مَشَاعِرُ فِي تَعَابِيرِ لِي وُون. أَجَابَ لِيُونِيد مَعَ ابْتِسَامَةٍ:
«إِنَّهَا إِجَازَةٌ. صَحِيحٌ، لُومُونُوسُوف-سَان هُوَ وَلِيُّ نِعْمَةِ ابْنِهِ وَيُوَفِّرُ كُلَّ أَنْوَاعِ سُبُلِ الرَّاحَةِ».
«أَرَى ذَلِكَ».
لَمْ يُجِبْ لِي وُون عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ بِمَقْدُورِ لِيُونِيد رُؤْيَةُ أَنَّ لِي وُون يُخْفِي انْزِعَاجَهُ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ رَدَّةِ الْفِعْلِ فِي قَلْبِهِ، أَزَاحَ قِنَاعَهُ وَسَأَلَ:
«لِمَاذَا تَعْمَلُ بِجِدٍّ هَكَذَا؟ أَخْبِرْنِي، مَنْ يَعْلَمُ فَقَدْ أَكُونُ قَادِراً عَلَى الْمُسَاعَدَةِ؟».
«آه».
نَظَرَ إِلَيْهِ لِي وُون كَمَا لَوْ كَانَ قَدْ تَذَكَّرَ مُتَأَخِّراً: «انْظُرْ، لَقَدْ نَسِيتُ شَيْئاً. اقْتَرِبْ».
شَعَرَ لِيُونِيد بِالْحِيرَةِ عِنْدَمَا رَآهُ يُلَوِّحُ بِأَصَابِعِهِ فَانْحَنَى. وَفِي اللَّحْظَةِ التَّالِيَةِ، اسْتَقَرَّتْ قَبْضَةُ يَدٍ مُغْلَقَةٍ مُبَاشَرَةً فِي وَجْهِ لِيُونِيد. قَالَ لِي وُون لِـلِيُونِيد، الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ حَتَّى الصُّرَاخَ وَطَارَ بَعِيداً، كَمَا لَوْ كَانَ يَشْعُرُ بِالرَّاحَةِ:
«هَذَا هُوَ الدَّيْنُ الْأَخِيرُ».
احْتَجَّ لِيُونِيد، الَّذِي اسْتَفَاقَ مُتَأَخِّراً:
«إِنَّهُ دَيْنٌ، أَلَمْ يُنْقِذْ هَذَا أَيْضاً الْسَيِّدَ لِي وُون؟».
«كَانَ الْأَمْرُ يَسْتَحِقُّ الْعَنَاءَ. لَقَدْ سَدَدْتُ دَيْنِي».
بَعْدَ الْحَدِيثِ بِهُدُوءٍ، بَيْنَمَا كَانَ لِي وُون يَنْظُرُ إِلَى الْوَثِيقَةِ، ارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِ لِيُونِيد تَعَابِيرُ سَخِيفَةٍ. لَكِنْ بَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ مِنْ رُؤْيَتِهِ يَرْجِعُ لِلَّتَرْكِيزِ عَلَى الْأَوْرَاقِ مُجَدَّداً، نَهَضَ لِيُونِيد وَاقْتَرَبَ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ لَا يَمْلِكُ خِيَاراً سِوَى الْمُغَادَرَةِ.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!