«آه!»
صَرَخَ لِي وُون لِأَثَرِ الفِعْلِ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَهُمُّ قَيْصَرَ، الَّذِي دَفَعَ عُضْوَهُ بِعُمْقٍ. آهٍ، مَرَّتْ تَنَهُّدَةُ رِضَاً بِجَانِبِ أُذُنِ لِي وُون.
«نَعَمْ، لَا يَهُمُّ كَمْ مِنْ المَرَّاتِ نَفْعَلُ ذَلِكَ، فَأَنَا لَا أَمَلُّ مِنْهُ أَبَدَاً».
وَمِثْلَمَا يُثْبِتُ هَذَا الكَلَامَ، ضَغَطَ قَيْصَرُ جَسَدَهُ فَوْقَهُ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ فَرَاغَاً وَاحِدَاً، وَحَرَّكَ عُضْوَهُ فَقَطْ لِيُدَاعِبَ القَاعَ. قَطَّبَ لِي وُون جَبِينَهُ بِجِدِّيَّةٍ وَوَقَعَ فِي مَأْزِقٍ. لَمْ يَكُنْ يَنَامُ مَعَ رِجَالٍ آخَرِينَ، لِذَلِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ مَعْرِفَةَ مَا إِذَا كَانَتْ عَلَاقَتُهُ بِقَيْصَرَ جَيِّدَةً بِشَكْلٍ خَاصٍّ أَمْ أَنَّهُ كَانَ مَجْنُوناً بِلَا عَقْلٍ. وَبِالتَّأْكِيدِ، لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ أَيُّ نِيَّةٍ لِتَجْرِبَةِ ذَلِكَ عَمْدَاً وَإِضَاعَةِ حَيَاتِهِ بِلَا مَعْنًى. وَبَدَلَاً مِنْ ذَلِكَ، تَحَدَّثَ لِي وُون بِصَوْتٍ خَفِيضٍ:
«مِنَ الرَّائِعِ أَنَّكَ تُحِبُّ المُمَارَسَةَ إِلَى هَذَا الحَدِّ».
“لِمَاذَا لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ مَعِي؟” ابْتَلَعَ تِلْكَ الكَلِمَاتِ أَثَرَ الشُّعُورِ بِعَضِّ شَحْمَةِ أُذُنِهِ. حَرَّكَ قَيْصَرُ أُذُنَيْهِ دُونَ أَلَمٍ وَخَفَضَ نَفْسَهُ بِبُطْءٍ. إِنَّ شُعُورَ مُدَاعَبَةِ الثَّقْبِ بِالعُضْوِ فَقَطْ كَانَ يَقُودُ المَرْءَ إِلَى الجُنُونِ حَقَّاً. وَفِي النِّهَايَةِ، أَغْمَضَ لِي وُون عَيْنَيْهِ وَأَنَّ، قَابِضَاً وَبَاسِطَاً مُؤَخَّرَتَهُ طَوْعَاً وَفْقَاً لِحَرَكَاتِهِ.
«وَاو»، تَنَهَّدَ قَيْصَرُ فِي أُذُنِهِ. وَاسْتَمَرَّتِ القُبَلُ عَلَى مُؤَخَّرِ الرَّقَبَةِ وَعَلَى الكَتِفِ. وَفِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، كَانَ الجُزْءُ السُّفْلِيُّ لَا يَزَالُ يَتَحَرَّكُ بِالسُّرْعَةِ نَفْسِهَا. كَانَ لِي وُون مُتَلَهِّفَاً، لِذَلِكَ خَفَضَ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِرِدْفَيْ قَيْصَرَ وَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ. فَدَوَّتْ ضِحْكَةُ قَيْصَرَ المَكْتُومَةُ فِي أُذُنَيْهِ.
«آه!»
وَفَجْأَةً، اصْطَدَمَ قَيْصَرُ بِهِ بِعُنْفٍ. سَمِعَ صَوْتَ ارْتِطَامِ الجَسَدَيْنِ، وَحَبَسَ لِي وُون أَنْفَاسَهُ. وَضَعَ قَيْصَرُ ذِرَاعَهُ تَحْتَ إِبْطِ لِي وُون، وَغَمَرَهُ بِقُوَّةٍ ثُمَّ بَدَأَ بِتَحْرِيكِ خَصْرِهِ بِجِدِّيَّةٍ. كَانَ صَوْتُ الِاحْتِكَاكِ يُسْمَعُ بِوُضُوحٍ نَتِيجَةً لِلْحَرَكَةِ العَنِيفَةِ. هَزَّ لِي وُون خَصْرَهُ طَوْعَاً وَصَرَخَ. كَانَ بِمَقْدُورِهِ الشُّعُورُ بِأَنَّهُ ابْتَلَّ فِي الأَسْفَلِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. حَكَّ لِي وُون عُضْوَهُ فِي الفِرَاشِ وَعَضَّ عَلَى شَفَتَيْهِ مَعَ كُلِّ إِدْخَالٍ وَإِخْرَاجٍ. أَطْلَقَ قَيْصَرُ أَنِينَاً عَمِيقَاً وَقَذَفَ مُجَدَّدَاً. وَبَيْنَمَا كَانَ يَقْذِفُ، وَاصَلَ التَّحَرُّكَ دَاخِلَ لِي وُون وَخَارِجَهُ. وَتَدَفَّقَ السَّائِلُ المَنَوِيُّ الَّذِي تَقَاطَرَ خَارِجَ الثَّقْبِ لِيَمْتَزِجَ بِالسَّائِلِ المَقْذُوفِ حَدِيثَاً، صَانِعَاً رَغْوَةً بَيْضَاءَ.
هَذِهِ المَرَّةَ، أَمْسَكَ قَيْصَرُ بِسَاقِ لِي وُون المُنْهَكِ وَرَفَعَهَا مِنْ خَلْفِهِ. وَبَيْنَمَا كَانَا مُسْتَلْقِيَيْنِ عَلَى الجَانِبِ، تَبَادَلَا النَّظَرَ. كَانَ وَجْهُ قَيْصَرَ، الَّذِي يَبْتَسِمُ لَهُ، يَبْدُو كَمَا لَوْ كَانَ إِلَهَ المَوْتِ. رَفَعَ قَيْصَرُ سَاقَي لِي وُون بِلَا مُبَالَاةٍ، وَوَضَعَهُمَا حَوْلَ خَصْرِهِ ثُمَّ دَفَعَهُمَا لِلأَسْفَلِ مُجَدَّدَاً. فَرِكَ السَّائِلَ المَنَوِيَّ المُتَدَفِّقَ، وَمَعَ صَوْتِ احْتِكَاكٍ رَطْبٍ، دَخَلَ العُضْوُ الَّذِي لَا يَزَالُ مُنْتَصِبَاً إِلَى بَطْنِ لِي وُون. وَهَذِهِ المَرَّةَ، عِنْدَمَا كَانَ لِي وُون عَلَى وَشَكِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَدَعَهُ يَسْتَرِيحُ لِفَتْرَةٍ، قَاطَعَهُ قَيْصَرُ بِقُبْلَةٍ أُخْرَى، وَبَدَأَ فِي التَّحَرُّكِ.
لِتَبْدَأَ المُمَارَسَةُ مُجَدَّدَاً مِنَ البِدَايَةِ.
* * * … هَلْ أَنَا عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ الآنَ؟
رَمَشَ لِي وُون بِعَيْنَيْهِ بِبَلَاهَةٍ. لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ حَتَّى مَا إِذَا كَانَ يَتَنَفَّسُ أَمْ لَا. كَانَ جَسَدُ لِي وُون بِالأَكْمَلِ، بِمَا فِي ذَلِكَ بَطْنُهُ، مَغْمُورَاً لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ بِسَائِلِ قَيْصَرَ، وَمُحْتَجَزَاً فِي السَّرِيرِ لِيَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ رُبَّمَا لِشَهْرٍ.
كَانَتِ المُمَارَسَةُ مَعَ قَيْصَرَ عَنِيفَةً دَائِمَاً، لَكِنَّهَا كَانَتْ كَذَلِكَ بِشَكْلٍ خَاصٍّ هَذِهِ المَرَّةَ. وَبِالطَّبْعِ، كَانَ لِي وُون يَعْلَمُ السَّبَبَ؛ فَبِاخْتِصَارٍ، كَانَ قَيْصَرُ غَاضِبَاً لأَنَّ لِي وُون لَمْ يُجِبْ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ عَلَى عَرْضِ زَوَاجِهِ.
الزَّوَاجُ مُجَرَّدُ إِزْعَاجٍ.
إِنَّ الزَّوَاجَ بَيْنَ الأَشْخَاصِ مِنْ الجِنْسِ نَفْسِهِ بَاتَ قَانُونِيَّاً الآنَ فِي العِدِيدِ مِنَ البُلْدَانِ. وَإِذَا رَغِبَ فِي ذَلِكَ، يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ يُرِيدُ فِيهِ الزَّوَاجَ.
وَلَكِنْ لِمَاذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الزَّوَاجُ؟ حَتَّى أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ عَمْدَاً إِلَى دَوْلَةٍ أُخْرَى.
كَانَ قَيْصَرُ جَذَّابَاً جَدَّاً، لَكِنَّ لِي وُون كَانَ رَاضِيَاً عَنْ حَيَاتِهِ الحَالِيَّةِ. لَا يُوجَدُ أَيُّ شَيْءٍ سَيِّءٍ فِي العَيْشِ هَكَذَا. فَلَيْسَ كُلُّ الثُّنَائِيَّاتِ يَتَزَوَّجُونَ حَتَّى وَإِنْ كَانُوا تَقْلِيدِيِّينَ. عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، كَانَ لَدَى كِلَيْهِمَا الكَثِيرُ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي يَقُومَانِ بِهَا.
وَفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، كَانَ العَيْشُ مَعَ رَجُلِ مَافْيَا لَا تَعْلَمُ مَتَى سَيَنْفَجِرُ غَضَبُهُ أَمْرَاً مُخِيفَاً لِلْغَايَةِ. لَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ أَيُّ نِيَّةٍ فِي إِغْضَابِهِ عَبْرَ قَوْلِ ذَلِكَ بِصَوْتٍ عَالٍ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَنَفَّسُ بِعُمْقٍ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ، هَمَسَ قَيْصَرُ، الَّذِي كَانَ يَغْمُرُهُ مِنْ خَلْفِهِ، فِي أُذُنِهِ:
«هَلِ اسْتَيْقَظْتَ؟»
إِذَا تَحَدَّثْتُ، أَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيُهَاجِمُنِي مُجَدَّدَاً، لِذَلِكَ لَزِمَ لِي وُون الصَّمْتَ. فَرَكَ قَيْصَرُ بِبُطْءٍ السَّائِلَ الَّذِي سَكَبَهُ عَلَى جَسَدِ لِي وُون قَبْلَ قَلِيلٍ، كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ بَامَانٍ؛ كَمَا لَوْ أَنَّ وَحْشَاً يُعَلِّمُ حُدُودَ مِمْلَكَتِهِ.
«هَذَا المَكَانُ دَائِمَاً فَارِغٌ، يَا لِي وُون».
بِصَوْتٍ خَفِيضٍ، كَانَ قَيْصَرُ يَمُصُّ شَحْمَةَ أُذُنِهِ بِرِفْقٍ: «فِي يَوْمٍ مَا سَتَمْلَؤُهُ».
ارْتَعَدَ لِي وُون، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَجِبْ. هَذِهِ المَرَّةَ، رَغْمَ أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ نِيَّتِهِ بِأَكْثَرَ وُضُوحٍ، إِلَّا أَنَّ رَدَّةَ فِعْلِ لِي وُون كَانَتْ نَفْسَهَا. أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ عَمْدَاً وَتَظَاهَرَ بِالنَّوْمِ مُجَدَّدَاً، لَكِنَّ قَيْصَرَ، الَّذِي لَمْ يَقُلْ شَيْئَاً لِلَحْظَةٍ، تَدَاخَلَ فَجْأَةً مِنْ خَلْفِهِ.
«إِذَنْ!»
مَذْهُولَاً، حَبَسَ أَنْفَاسَهُ دُونَ قَصْدٍ وَتَصَنَّمَ، لَكِنَّ قَيْصَرَ تَحَدَّثَ بِعَفْوِيَّةٍ: «هِيْ، لَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ، كَمْ مِنْ المَرَّاتِ الأُخْرَى سَتَفْعَلُ هَذَا؟»
لَيْسَ مَرَّةً وَاحِدَةً، بَلْ كَمْ مِنْ المَرَّاتِ؟! وَبَعْدَ تَأَمُّلٍ، اعْتَلَى قَيْصَرُ جَسَدَ لِي وُون وَبَدَأَتِ المُمَارَسَةُ مِنْ جَدِيدٍ. كَمَا لَوْ كَانَ يَنْتَظِرُ قَلَمَ حِبْرٍ لَا يَصِلُ، وَاصَلَ دُونَ تَوَقُّفٍ.
سَأَمُوتُ قَرِيبَاً.
هَكَذَا فَكَّرَ لِي وُون وَهُوَ يَجْلِسُ عِنْدَ الطَّاوِلَةِ بِوَجْهٍ بَاهِتٍ. لَقَدْ مَرَّتْ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ مُنْذُ أَنْ نَهَضَ بِالكادِ مِنَ السَّرِيرِ. لَمْ يُصَدِّقْ لِي وُون أَنَّ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ قَدْ مَرَّتْ، بَلْ ظَنَّ أَنَّ أَرْبَعِينَ يَوْمَاً قَدْ مَضَتْ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَحَقَّقَ مِنَ التَّارِيخِ، لَمْ يَكُنْ لِيُصَدِّقَ ذَلِكَ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ مِنَ الوَاضِحِ أَنَّ التَّارِيخَ المُسَجَّلَ عَلَى الهَاتِفِ الخَلِيِّ وَالتِّلْفَازِ هُوَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ بِالوُضُوحِ.
بِمُجَرَّدِ أَنْ تَقَعَ فِي الشَّرَكِ، لَمْ تَكُنْ هَذِهِ هِيَ المَرَّةَ الأُولَى الَّتِي تَخْتَفِي فِيهَا الأُمُورُ العَذْبَةُ وَالمُرَّةُ وَلَا يَتَبَقَّى سِوَى القِشْرَةِ. لَكِنْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يُفَكِّرُ فِي الشَّيْءِ نَفْسِهِ وَفِي المَكَانِ ذَاتِهِ.
أَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّنِي سَأَمُوتُ قَرِيبَاً.
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ رَائِحَةِ شَرِيحَةِ اللَّحْمِ الشَّهِيَّةِ أَمَامَهُ، لَمْ يَكُنْ لَدَى لِي وُون أَيُّ شَهِيَّةٍ. كَانَ مِنَ الأَفْضَلِ لَوْ أَنَّهُ قَبِلَ جَاذِبِيَّتَهُ القَوِيَّةَ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ لِي وُون، الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ حَتَّى المَوْتُ بِسَبَبِ صَوْتِ قَضْمَةٍ، تَظَاهَرَ بِعَدَمِ المَعْرِفَةِ بِأَنَّ هَذَا هُوَ حَدُّهُ. وَنَتِيجَةً لِذَلِكَ، انْتَهَى الأَمْرُ هَكَذَا.
مَتَى كَانَتِ المَرَّةُ الأَخِيرَةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا الوَضْعُ هَكَذَا؟
رَمَشَ لِي وُون دُونَ جَدْوَى وَحَسَبَ الأَيَّامَ. فِي مُنَاسَبَاتٍ أُخْرَى، تَكُونُ هَذِهِ هِيَ اللَّحْظَةُ الَّتِي أَسْتَرِيحُ فِيهَا فِي غُرْفَتِي أَوْ أَلْتَقِي فِيهَا بِوَالِدِي.
هَذِهِ المَرَّةَ، الدَّوْرَةُ سَرِيعَةٌ جَدَّاً.
فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَلْتَقِي فِيهَا بِقَيْصَرَ، كَانَ يَشْعُرُ وَكَأَنَّهُ خَسِرَ عَشْرَةَ كِيلُوغْرَامَاتٍ. كَانَ ذَا بِنْيَةٍ عَضَلِيَّةٍ مَعَ قَلِيلٍ مِنَ الدُّهُونِ، لَكِنْ بَدَا وَكَأَنَّهُ يَفْقِدُ العَضَلَاتِ لأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ لَدَيْهِ دُهُونٌ لِيَخْسَرَهَا. لَقَدْ كَانَ الأَمْرُ حَقَّاً كَالمَوْتِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. لَمْ يَسْتَطِعْ حَتَّى تَذَوُّقَ الطَّعْمِ الغَنِيِّ لِشَرِيحَةِ اللَّحْمِ الضَّخْمَةِ، بَلْ كَانَ يَخْشَى مِمَّا سَيَحْدُثُ بَعْدَ تَنَاوُلِ هَذَا.
«مَاذَا حَدَثَ؟»
رَفَعَ لِي وُون رَأْسَهُ أَثَرَ الصَّوْتِ المُفَاجِئِ. كَانَ قَيْصَرُ، الَّذِي يَرْتَدِي رِدَاءً فَقَطْ فَوْقَ جَسَدِهِ العَارِي، يَسْكُبُ القَهْوَةَ مُبَاشِرَةً فِي كُوبِ لِي وُون وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ. رُبَّمَا بِسَبَبِ شَعْرِهِ الفَوْضَوِيِّ، بَدَا وَجْهُهُ البَاسِمُ مُخْتَلِفَاً عَنِ المُعْتَادِ. تَوَقَّفَ عَنْ مُحَاوَلَةِ تَمْشِيطِ الشَّعْرِ الَّذِي سَقَطَ مِنْ جَبِينِهِ النَّظِيفِ. لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ رَفْعَ إِصْبَعٍ وَاحِدٍ تَمَامَاً، بَلْ كَانَ يَشْعُرُ وَكَأَنَّهَا مُعْجِزَةٌ أَنَّهُ يَتَنَفَّسُ وَعَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ الآنَ.
لَقَدْ كِدْتُ أَمُوتُ بَعْضَ المَرَّاتِ بِسَبَبِ هَذَا الرَّجُلِ.
وَبَيْنَمَا كَانَ يَسْتَغْرِقُ فِي التَّفْكِيرِ، دَاعَبَ قَيْصَرُ رَأْسَ لِي وُون خَفِيفَاً وَقَبَّلَ وَجْنَتَهُ. وَأَثْنَاءَ جُلُوسِهِ أَمَامَ الطَّاوِلَةِ، رَاقَبَهُ لِي وُون صَامِتَاً وَهُوَ يَسْكُبُ القَهْوَةَ فِي كُوبِهِ.
«مَشْوِيَّةٌ قَلِيلَاً، لأَنَّكَ تُحِبُّهَا نَاضِجَةً بَعْضَ الشَّيْءِ».
إِنَّ الِابْتِسَامَةَ عَلَى وَجْهِهِ وَهُوَ يَقْطَعُ اللَّحْمَ السَّمِيكَ الَّذِي يَقْطُرُ دَمَاً كَانَتْ بِالتَّأْكِيدِ سَتُذَكِّرُهُ بِأَسْوَأِ شَطِيرَةٍ صَنَعَهَا لِي وُون عَلَى الإِطْلَاقِ. كَانَ هُنَاكَ دَائِمَاً طَاهٍ فِي قَصْرِهِ يُقَدِّمُ أَفْضَلَ الأَطْبَاقِ، لَكِنَّ هَذَا كَانَ اسْتِثْنَاءً. كَانَ لِي وُون غَاضِبَاً؛ فَلَا يَعْلَمُ مَا الفَائِدَةُ مِنْ تَقْدِيمِ وَلِيمَةٍ تُسْلَبُ فِيهَا رُوحُ المَرْءِ.
شَرِيحَةُ اللَّحْمِ الَّتِي شَوَاهَا قَيْصَرُ دُونَ تَدَخُّلِ الطَّاهِي كَانَتْ ذَاتَ رَائِحَةٍ ذَكِيَّةٍ تُسَبِّبُ أَلَمَاً فِي المَعِدَةِ. كَانَ مَعْرُوفَاً أَنَّ قَيْصَرَ بَارِعٌ فِي الطَّهْيِ، وَلَمْ يَكُنْ نَادِرَاً الضَّحِكُ مِنْ فِشَلِهِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ لِي وُون سَاخِرَاً بِعُمْقٍ وَاكْتَفَى بِالنَّظَرِ إِلَى شَرِيحَةِ اللَّحْمِ البَرِيئَةِ.
عَلَى أَيِّ حَالٍ، طَالَمَا أَنَّنِي هُنَا، فَأَنَا آكُلُ جَيِّدَاً دَائِمَاً. هَذَا لَا يُقَارَنُ بِتَنَاوُلِ شَطِيرَةٍ بَائِتَةٍ فِي المَنْزِلِ بِمُفْرَدِي لِسَدِّ جُوعِي. وَذَلِكَ لأَنَّنِي تَعَرَّضْتُ لِلِاسْتِغْلَالِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
هَلْ هَذَا مَا يَعْنِيهِ الأَكْلُ الجَيِّدُ؟ غَارِقَاً فِي أَفْكَارِهِ، حَاوَلَ لِي وُون شُرْبَ القَهْوَةِ، لَكِنَّ اليَدَ الَّتِي تُمْسِكُ بِالكُوبِ ارْتَعَشَتْ وَتَوَقَّفَتْ.
كَيْفَ عَادَ وَضْعِي هَكَذَا مُجَدَّدَاً؟
مَعَ أَلَمٍ وَحَرْقَةٍ فِي فَخِذَيْهِ، جَلَسَ مُبَاعِدَاً بَيْنَ سَاقَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ، مُسْتَغْرِقَاً فِي التَّفْكِيرِ. جَلَسَ مَعَ وِسَادَةٍ سَمِيكَةٍ تَحْتَ رِدْفَيْهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ مُشْكِلَةً أَيْضَاً. فَقَاعُهُ لَمْ يَكُنْ مُغْلَقَاً، لِذَلِكَ اسْتَمَرَّ الشُّعُورُ بِأَنَّ شَيْئَاً مَا يَتَدَفَّقُ. وَبِالطَّبْعِ، كَانَ لِي وُون يَعْلَمُ مَا هُوَ، لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ فَقَطْ التَّحَقُّقَ مِنْهُ.
كَانَ مِنَ الوَاضِحِ لِمَاذَا كَانَ الأَمْرُ أَكْثَرَ كَثَافَةً مِنَ المُعْتَادِ. عَلَى أَيِّ حَالٍ، يَبْدُو أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يَبْحَثُونَ، وَلَكِنْ بِمُجَرَّدِ أَنْ يَنْتَهُوا مِنَ الأَكْلِ، سَيُحَاوِلُونَ فِعلَ ذَلِكَ مُجَدَّدَاً. كَانَتْ قُدْرَتُهُ وَمُقَاوَمَتُهُ مَحْدُودَتَيْنِ أَيْضَاً. وَشُعُورَاً مِنْهُ بِأَزْمَةِ حَيَاتِهِ، هَزَّ لِي وُون رَأْسَهُ سَرِيعَاً بِالنَّفْيِ. يَجِبُ القِيَامُ بِشَيْءٍ مَا. عَلَى أَيِّ حَالٍ، هَذَا الرَّجُلُ لَطِيفٌ أَسَاسَاً، بَاسْتِثْنَاءِ المُمَارَسَةِ القَاسِيَةِ.
… هَلْ هُوَ لَطِيفٌ؟
لِي وُون، الَّذِي كَانَ مُتَشَكِّكَاً لِوَهْلَةٍ، سُرْعَانَ مَا خَلَصَ إِلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ. عَلَى الأَقَلِّ بالنسبةِ لِي، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ لَطِيفَاً. مِنَ المُسْتَحِيلِ تَصَوُّرُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَيَطْهُو بِنَفْسِهِ هَكَذَا وَيَأْخُذُهُ إِلَى غُرْفَةِ النَّوْمِ دُونَ أَنْ يَرَاهُ بِعَيْنَيْهِ.
طَالَمَا أَنَّهُ لَا يَمَسُّ شَخْصِيَّتَكَ، فَهَذَا جَيِّدٌ. فَتَحَ لِي وُون فَمَهُ، مُفَكِّرَاً فِي دَاخِلِهِ: «هَلْ تُرِيدُ الخُرُوجَ؟»
تَوَقَّفَ قَيْصَرُ، الَّذِي كَانَ يَقْطَعُ شَرِيحَةَ اللَّحْمِ وَيَضَعُهَا فِي فَمِهِ، وَنَظَرَ إِلَى لِي وُون. حَاوَلَ لِي وُون رَفْعَ كُوبِ القَهْوَةِ بِيَدَيْهِ المُرْتَعِشَتَيْنِ، مُتَجَنِّبَاً نَظَرَاتِهِ، وَوَاصَلَ التَّظَاهُرَ كَمَا لَوْ أَنَّ لَا شَيْءَ قَدْ حَدَثَ طَوَالَ هَذِهِ المُدَّةِ بِقَدْرِ الإِمْكَانِ.
«لَقَدْ مَرَّ وَقْتٌ طَوِيلٌ، وَلَكِنْ أَلَيْسَ الأَمْرُ كَالبَقَاءِ فِي السَّرِيرِ؟ سَوَاءٌ كَانَ فِيلْمَاً أَوْ عَرْضَاً. المَعْرِضُ جَيِّدٌ جَدَّاً. هَلْ أَعْجَبَكَ البَالِيه؟»
ابْتَلَعَ الكَلِمَاتِ الَّتِي تُفِيدُ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ مِنَ الرَّائِعِ التَّوَاجُدُ فِي أَيِّ مَكَانٍ لَا يُمْكِنُ فِيهِ رُؤْيَةُ السَّرِيرِ، وَتَظَاهَرَ بِعَدَمِ المُبَالَاةِ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ. لَعْنَةُ اللَّهِ، هَذَا مَصْنُوعٌ مِنْ شَيْءٍ مَا، بِحَيْثُ يَصْعُبُ الدُّخُولُ فِي مَوْضُوعِ كُوبٍ مِنَ الشَّايِ كَهَذَا.
«فِيلْمٌ؟»
«حَسَنَاً».
أَمَامَ صَوْتِ قَيْصَرَ الهَادِئِ، وَافَقَ لِي وُون سَرِيعَاً.
«سَمِعْتُ أَنَّ هُنَاكَ إِصْدَارَاً خَاصَّاً لِلرَّجُلِ الحَدِيدِيِّ، مَا رَأْيُكَ فِي ذَلِكَ؟» «هَلْ أَنْتَ أَيْضَاً مُعْجَبٌ بِأَفْلَامِ هُولِيوُود؟»
كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلٍ سَاخِرَةً بِشَكْلٍ غَرِيبٍ. فَأَجَابَ لِي وُون دُونَ طَوْعٍ مِنْهُ: «لَا، لأَنَّنِي أُحِبُّ المُمَثِّلِينَ الرَّئِيسِيِّينَ».
تَوَقَّفَتِ اليَدُ الَّتِي كَانَتْ تَقْطَعُ بِالسِّكِّينِ فَجْأَةً، وَرَفَعَ قَيْصَرُ رَأْسَهُ. وَالِابْتِسَامَةُ الَّتِي كَانَ قَدْ رَسَمَهَا قَبْلَ قَلِيلٍ تَحَوَّلَتْ إِلَى وَجْهٍ خَالٍ مِنَ التَّعَابِيرِ، فَالْتَفَتَ لِي وُون مُسْرِعَاً.
«بِمَا أَنَّنِي بَارِعٌ فِي التَّمْثِيلِ، فَإِنَّ حَيَاتِي الشَّخْصِيَّةَ نَظِيفَةٌ وَلَدَيَّ عَيْنٌ ثَاقِبَةٌ فِي اخْتِيَارِ الأَعْمَالِ. كُلُّ الأَفْلَامِ الَّتِي تَظْهَرُ جَيِّدَةٌ، وَمُمَثِّلَةُ السِّلْسِلَةِ أَيْضَاً جَمِيلَةٌ».
كُلَّمَا تَحَدَّثْتُ أَكْثَرَ، شَعَرْتُ وَكَأَنَّنِي أَحْفِرُ قَبْرِي. وَمَدَّ لِي وُون، الَّذِي كَانَ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ يَقُولُهُ فِي ذُعْرٍ، الزُّبْدَةَ الَّتِي جَذَبَتِ انْتِبَاهَهُ فِي الوَقْتِ المُنَاسِبِ.
«تَفَضَّلْ».
رَمَشَ قَيْصَرُ دُونَ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ، وَأَخَذَ لِي وُون الخُبْزَ بِيَدِهِ الأُخْرَى وَوَضَعَهُ فِي طَبَقِهِ.
«أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ سَوَاءٌ كَانَ فِيلْمَاً أَوْ عَرْضَاً تُرِيدُ رُؤْيَتَهُ».
عِنْدَمَا سَأَلَ بَيْنَمَا كَانَ بِالكادِ يَقْطَعُ اللَّحْمَ بِسِّكِينٍ ثَقِيلٍ مِنَ الفِضَّةِ، قَسَمَ قَيْصَرُ الخُبْزَ الَّذِي تَرَكَهُ لِي وُون إِلَى نِصْفَيْنِ.
«هَلْ هُنَاكَ مُمَثِّلٌ يُعْجِبُكَ؟»
لَا تُوجَدُ طَرِيقَةٌ لَا يَعْلَمُ بِهَا أَنَّكَ تُحَاوِلُ تَغْيِيرَ المَوْضُوعِ، لَكِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ طَرِيقَةٌ لِتَجَاهُلِهِ. نَظَرَ إِلَيْهِ لِي وُون بِنَظْرَةٍ مُنْخَفِضَةٍ:
«أَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُعْجِبُكَ أَنْتَ أَيْضَاً؟» «جَيِّدٌ».
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!