فصل 82

فصل 82

غَرَزَ سِكِّينَ المَائِدَةِ فِي قَالَبِ الزُّبْدَةِ لِيَقْطَعَ جُزْءَاً مِنْهَا ثُمَّ مَسَحَهَا بِبُطْءٍ عَلَى القِشْرَةِ النَّاعِمَةِ لِلْخُبْزِ، وَتَحَدَّثَ قَيْصَرُ بِنَبْرَةٍ رَزِينَةٍ:
«أَنَا لَسْتُ شَدِيدَ المُتَطَلَّبَاتِ مَعَ شُرَكَائِي الجِنْسِيِّينَ».
لَمْ يَهْتَمَّ لِي وُون حَتَّى بِالسُّؤَالِ عَنْ سَبَبِ مُفَاجَأَتِهِ بِطَرْحِ مُصْطَلَحِ “شَرِيكٍ جِنْسِيٍّ” فِي هَذَا التَّوْقِيتِ؛ فَبِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الرَّجُلِ، لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ خِيَارَاتٌ أُخْرَى خَارِجَ ثُنَائِيَّةِ مُمَارَسَةِ الجِنْسِ أَوْ قَتْلِ أَحَدِهِمْ. بَلْ عَلَى العَكْسِ، كَانَ لِي وُون مُهْتَمَّاً أَكْثَرَ بِالنِّصْفِ الآخَرِ مِنَ المَعْلُومَةِ.
«أَلَا يَهُمُّكَ فِعْلُ أَيِّ شَيْءٍ؟»
“إِذَنْ، لِمَاذَا لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ مَعِي؟” بَيْنَمَا كَانَ يُفَكِّرُ فِي ذَلِكَ بِبُطْءٍ، وَاصَلَ قَيْصَرُ حَدِيثَهُ:
«مَنْ يَخْتَارُ هُوَ دِمِيتْرِي. أَنَا لَا تَهُمُّنِي هُوِيَّةُ الثَّقْبِ طَالَمَا أَنَّنِي أَسْتَطِيعُ الإِدْخَالَ فِيهِ».
نَظَرَ لِي وُون إِلَى الكَلِمَاتِ المُبْتَذَلَةِ الَّتِي تَدَفَّقَتْ بَعَفْوِيَّةٍ مِنْ شَفَتَيْهِ النَّقِيَّتَيْنِ. أَلَيْسَ ذَلِكَ لأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَا يَبْدُو بَخِيلَاً عِنْدَمَا يَنْطِقُ بِأَشْيَاءَ كَهَذِهِ؟ إِنَّهَا طَبِيعَةُ المَافْيَا لَا مَحَالَةَ.
حَشَا لِي وُون اللَّحْمَ المَقْطُوعَ فِي فَمِهِ، مُفَكِّرَاً فِي أَنَّ أَيَّ شَخْصٍ لَا يَعْرِفُ هُوِيَّتَهُ الحَقِيقِيَّةَ لَنْ يَتَمَكَّنَ حَتَّى مِنَ التَّخْمِينِ عَنْ شَكْلِهِ الوَاقِعِيِّ. كَانَ دِمِيتْرِي ظَاهِرِيَّاً هُوَ رَئِيسَ نَادٍ حَصْرِيٍّ، لَكِنَّهُ فِي الوَاقِعِ كَانَ قَوَّادَاً. وَقَدْ اكْتَشَفَ لِي وُون ذَلِكَ عِنْدَمَا أَجْرَى تَحْقِيقَاً فِي المَاضِي. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ النَّادِي مُخَصَّصَاً لِلشُّرَكَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ ضُيُوفُهُ سِوَى مَسْؤُولِينَ حُكُومِيِّينَ رَفِيعِي المُسْتَوَى أَوْ، إِذَا تَأَخَّرَ الوَقْتُ، مِنَ الأَثْرِيَاءِ.
وَبِالتَّأْكِيدِ، فَإِنَّ المَكَانَ الَّذِي يُسْتَخْدَمُ لِإِبْرَامِ الصَّفَقَاتِ السِّرِّيَّةِ كَانَ مُجَهَّزَاً بِأَفْضَلِ كُلِّ شَيْءٍ، بِمَا فِي ذَلِكَ الخُمُورُ وَالطَّعَامُ. كَمَا كَانَ مَعْرُوفَاً أَنَّ مُسْتَوَى ضِيَافَةِ النِّسَاءِ لَمْ يَكُنْ طَبِيعِيَّاً، وَفَوْقَ ذَلِكَ، فَإِنَّ دِمِيتْرِي، الَّذِي كَانَ يَعْبُدُ قَيْصَرَ بِعَمَاءٍ، كَانَ سَيَبْحَثُ بِإِخْلَاصٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِعَيْنِ صَقْرٍ، وَكَانَ مِنَ الوَاضِحِ أَنَّهُ لَنْ يَخْتَارَ سِوَى النُّخْبَةِ مِنْ بَيْنِهِنَّ.
ابْتَلَعَ لِي وُون، الَّذِي لَمْ يَجِدْ أَيَّ صُعُوبَةٍ فِي تَخَيُّلِ قَيْصَرَ وَهُوَ يَتَشَابَكُ مَعَ الجَمِيلَاتِ الرُّوسِيَّاتِ الرَّشِيقَاتِ، قِطْعَةَ اللَّحْمِ الَّتِي مَلَأَتْ فَمَهُ ثُمَّ فَتَحَ فَمَهُ قَائِلَاً:
«عَلَى أَيِّ حَالٍ، دَعْنَا نَفْعَلُ شَيْئَاً آخَرَ لَيْسَ فِيهِ مُمَارَسَةٌ».
هَزَّ قَيْصَرُ كَتِفَيْهِ وَعَادَ لِيَسْأَلَ: «مَا الَّذِي تُرِيدُ فِعْلَهُ؟»
«حَسَنَاً…»
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ مُحَدَّدٌ فِي ذِهْنِهِ، لَكِنَّ لِي وُون نَطَقَ بِأَوَاخِرِ كَلِمَاتِهِ بَعَفْوِيَّةٍ. وَاصَلَ قَيْصَرُ النَّظَرَ إِلَيْهِ هَكَذَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ دَجَاجَةً تَعْتَنِي بِصِغَارِهَا. وَعِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ، فَإِنَّ مُحَاوَلَةَ لِي وُون، الَّتِي كَانَتْ تَهْدِفُ إِلَى تَسْوِيَةِ الأُمُورِ بِبِضْعِ كَلِمَاتٍ لَطِيفَةٍ مَعَ شَرِيحَةِ اللَّحْمِ، انْطَفَأَتْ عَلَى الفَوْرِ.
مَا هَذَا الوَجْهُ المَلِيءُ بِالرَّحْمَةِ الَّذِي لَا يَتَنَاسَبُ مَعَ كَوْنِهِ رَجُلَ مَافْيَا؟ الآنَ، بِمُنَاسَبَةِ الحَدِيثِ عَنِ التَّصْوِيبِ؛ فَهُوَ يُصَوِّبُ السِّلَاحَ بِعَفْوِيَّةٍ نَحْوَ رَأْسِ شَخْصٍ مَا وَيَثْقُبُ بَطْنَهُ.
لِذَلِكَ، كُلُّ الذِّكْرَيَاتِ الكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي عَانَاهَا حَتَّى الآنَ مَرَّتْ أَمَامَهُ كَمِصْبَاحٍ وَامِضٍ. كَانَتْ تِلْكَ هِيَ الذِّكْرَيَاتِ الَّتِي دُفِنَتْ فِي عَقْلِهِ كَالمَاضِي. قَيْصَرُ الَّذِي رَوَّجَ لِكِتَابِ طَهْيٍ كَانَ أَغْلَى ثَمَنَاً مِنْ قَانُونِ الحَقِّ، قَيْصَرُ الَّذِي ضَرَبَ رَأْسَهُ بِوَرْدَةٍ، قَيْصَرُ الَّذِي حَطَّمَ دَرَّاجَاتِ الآخَرِينَ وَمَزَّقَ المَدْخَنَةَ، قَيْصَرُ الَّذِي صَنَعَ ثَقْبَاً فِي بَطْنِهِ… مُنْذُ العَلَاقَةِ الأُولَى وَحَتَّى الآنَ، كَانَ قَيْصَرُ يَضْرِبُ كَمَا لَوْ كَانَ يَخْرُجُ لِقَتْلِهِ لِأَيَّامٍ وَأَيَّامٍ.
ذَلِكَ اللَّعِينُ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، انْبَعَثَ الاسْتِئَاءُ القَدِيمُ عَلَى الفَوْرِ. وَفَتَحَ لِي وُون، الَّذِي تَقَطَّبَ جَبِينُهُ فَجْأَةً، فَمَهُ قَائِلَاً:
«دَعْنَا نَقُومُ بِلُعْبَةِ النَّجَاةِ».
«مَاذَا؟»
سَأَلَ قَيْصَرُ بَعْدَ بِضْعِ لَحَظَاتٍ. وَبِشُعُورٍ بِقَلِيلٍ مِنَ الرِّضَا الدَّاخِلِيِّ، قَالَ لِي وُون مُجَدَّدَاً:
«دَعْنَا نَلْعَبْ لُعْبَةَ النَّجَاةِ. أَنَا وَأَنْتَ، نَحْنُ الِاثْنَيْنِ فَقَطْ».
«ضِدِّي أَنَا؟ أَنْتَ؟»
«حَسَنَاً».
لَزِمَ قَيْصَرُ الصَّمْتَ لِلَحْظَةٍ أَمَامَ النَّظْرَةِ المُسْتَفِزَّةِ. وَإِنَّ رُؤْيَتَهُ وَهُوَ يُظْهِرُ تَعْبِيرَهُ السَّخِيفَ بِوُضُوحٍ جَرَحَتْ كِبْرِيَاءَ لِي وُون. كَانَ عَلَى وَشَكِ التَّحَدُّثِ مُجَدَّدَاً، لَكِنَّ قَيْصَرَ تَحَدَّثَ أَوَّلَاً.
«إِذَنْ،»
بَعْدَ تَوَقُّفٍ قَصِيرٍ، تَابَعَ: «مَا الَّذِي سَتَفْعَلُهُ لأَجْلِي؟»
تَوَقَّفَ لِي وُون وَنَظَرَ إِلَيْهِ. كَانَ قَيْصَرُ، كَالعَادَةِ، يَنْتَظِرُ المُكَافَأَةَ. الآنَ وَقَدْ فَكَّرَ فِي الأَمْرِ، لَمْ يَكُنْ لِيُوَافِقَ عَلَى طَلَبٍ دُونَ مُقَابِلٍ. وَمُجَدَّدَاً، كَانَ مَا يُرِيدُهُ وَاضِحَاً جَدَّاً.
فِي لَحْظَةٍ، انْبَعَثَ المَوْضُوعُ الَّذِي سُحِقَ وَأُهْمِلَ لِلتَّوِ، وَأَدْرَكَ لِي وُون مَا الَّذِي دَفَعَهُ إِلَى حَافَّةِ الهَاوِيَةِ.
«مَاذَا تُرِيدُ؟»
سَأَلَ لِي وُون بَعْدَ أَنْ تَدَخَّلَ. سَأَتَظَاهَرُ بِأَنَّنِي لَا أَعْرِفُ، قُلْهَا بِنَفْسِكَ، وَسَأَرْفُضُكَ عَلَى الفَوْرِ. وَبَدَلَاً مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ قَيْصَرَ الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ إِلَى لِي وُون المُنْتَظِرِ لَهُ، فَتَحَ فَمَهُ قَائِلَاً:
«فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ يَكُونُ مِنَ الجَيِّدِ مُمَارَسَةُ الرِّيَاضَةِ».
عَلَى غَيْرِ المُتَوَقَّعِ، شَعَرَ لِي وُون بِالِانْزِعَاجِ وَبِارْتِيَاحٍ غَرِيبٍ أَيْضَاً بِسَبَبِ رَدَّةِ فِعْلِهِ فِي التَّرَاجُعِ خُطْوَةً لِلْخَلْفِ. عَلَى أَيِّ حَالٍ، إِذَا كَانَ لَا يُرِيدُ التَّحَدُّثَ عَنْ هَذَا بَعْدَ الآنَ، فَهَذَا جَيِّدٌ. طَعَنَ شَرِيحَةَ اللَّحْمِ بِالشَّوْكَةِ كَمَا لَوْ أَنَّهَا لَمْ تُقْطَعْ وَعَضَّهَا فِي فَمِهِ، بَيْنَمَا كَانَتْ عَيْنَاهُ لَا تَزَالَانِ مُثَبَّتَتَيْنِ عَلَى قَيْصَرَ.
“هَذِهِ المَرَّةَ سَأَصْنَعُ ثَقْبَاً فِي قَارِبِكَ”.
أَمَامَ وَجْهِ لِي وُون الَّذِي كَانَ يَمْضَغُ اللَّحْمَ بِبُطْءٍ وَيَقْطَعُ وَعْدَاً، اكْتَفَى قَيْصَرُ بِالِابْتِسَامِ كَمَا لَوْ كَانَ الأَمْرُ مُثِيرَاً لِلسُّخْرِيَةِ.
* * * بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ذَهَبَ إِلَى لُعْبَةِ النَّجَاةِ. كَانَ الِاسْتِعْدَادُ مُمْكِنَاً عَلَى الفَوْرِ، لَكِنَّ لِي وُون كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى وَقْتٍ لِيَسْتَعِيدَ قُدْرَتَهُ عَلَى التَّحَمُّلِ. لِحُسْنِ الحَظِّ، أَكَلَ وَنَامَ جَيِّدَاً، وَكَانَ مُقْتَنِعَاً بِأَنَّ لَدَيْهِ مَا يَكْفِي لِلْمَشْيِ وَالجَرْيِ، وَبِمُجَرَّدِ أَنْ اسْتَعَدَّ فِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ، صَعِدَ إِلَى سَيَّارَةِ قَيْصَرَ دُونَ تَرَدُّدٍ.
كَانَتِ السَّيَّارَةُ المُجَهَّزَةُ عِبَارَةً عَنْ جِيبٍ عَسْكَرِيٍّ بِلَا غِطَاءٍ. وَقَيْصَرُ، الَّذِي جَلَسَ فِي مَقْعَدِ السَّائِقِ كَمَا لَوْ كَانَ هَذَا أَمْرَاً مَفْرُوغَاً مِنْهُ، حَرَّكَ عَجَلَةَ القِيَادَةِ بِمَهَارَةٍ وَفَتَحَ فَمَهُ بِلَا مُبَالَاةٍ:
«لَمْ يَفُتِ الأَوَانُ بَعْدُ الآنَ». سَخِرَ لِي وُون.
«إِذَا لَمْ تَكُنْ لَدَيْكَ الثِّقَةُ، يُمْكِنُكَ الِاسْتِسْلَامُ».
“هَلْ تَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ بِاسْتِخْفَافٍ لأَنَّهُمْ مَلِيئُونَ بِالطَّاقَةِ قَلِيلَاً؟”
طَحَنَ لِي وُون أَسْنَانَهُ بِبُطْءٍ، مُكَرِّرَاً تَمْدِيدَ يَدَيْهِ مَعَاً. سَأُرِيهِمْ بِشَكْلٍ لَائِقٍ هَذِهِ المَرَّةِ خَوْفَ مُحَارِبٍ قَدِيمٍ فِي الجَيْشِ الكُورِيِّ.
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ وَعْدِهِ، كَانَتْ رَدَّةُ فِعْلِ قَيْصَرَ هِيَ كُلُّ مَا نَظَرَ إِلَيْهِ لِي وُون، الَّذِي كَانَ يَتَطَلَّعُ لِلأَمَامِ. وَدُونَ قَوْلِ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ، رَكَضْنَا لِفَتْرَةٍ وَوَصَلْنَا أَخِيرَاً إِلَى المَكَانِ المُخَصَّصِ.
كَانَ دِمِيتْرِي فِي انْتِظَارِهِمَا، وَاقِفَاً فِي الجُزْءِ الخَلْفِيِّ مِنْ شَاحِنَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ ضَخْمَةٍ ظَهَرَتْ أَمَامَ الأَرْضِ الكَئِيبَةِ وَالتَّلِّيَّةِ. وَبِمُجَرَّدِ أَنْ رَأَى ذَلِكَ المَظْهَرَ، تَذَكَّرَ لِي وُون ذِكْرَيَاتِ قِيَادَةِ مِرْوَحِيَّةٍ إِلَى جَزِيرَةٍ نَائِيَةٍ بَحْثَاً عَنْ قَيْصَرَ كَشَبَحٍ فِي المَاضِي. وَإِذَا كَانَ دِمِيتْرِي يَبْدُو وَكَأَنَّهُ يُرَاقِبُ فَقَطِ الإِشَارَاتِ المُرْسَلَةَ مِنَ الشَّرِيحَةِ دَاخِلَ جَسَدِ قَيْصَرَ طَوَالَ الـ 24 سَاعَةً، فَلَنْ يَكُونَ هَذَا شَيْئَاً.
لَمْ يَظُنَّ لِي وُون أَنَّ الأَمْرَ كَانَ مُرْضِيَاً لِلْغَايَةِ.
وَصَلَ دِمِيتْرِي إِلَى المُعَسْكَرِ مَعَ المَجْمُوعَةِ أَمَامَهُمَا. كَمَا كَانَ يَمْلِكُ مَجْمُوعَةً ضَخْمَةً مِنْ أَعْضَاءِ العِصَابَةِ وَشَاحِنَةً سَوْدَاءَ هَائِلَةً تَشِعُّ بِرِيبَةٍ مِنْ جَانِبِهَا الخَلْفِيِّ.
عِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ، شَعَرَ لِي وُون بِالتَّعَبِ مِنْهُ. ذَلِكَ الرَّجُلُ رُبَّمَا لَا يَعْرِفُ أَيَّ شَيْءٍ عَنْ قَيْصَرَ. نَاهِيكَ عَنْ مِثْلِ هَذَا الجَدْوَلِ البَسِيطِ، فَعِنْدَمَا سَأَلْتُهُ كَمْ عَدَدُ الجَلَدَاتِ الَّتِي تَلَقَّاهَا قَيْصَرُ بِالأَمْسِ، سَقَطَ بَعْضُهَا، وَاليَوْمَ تَرَكُوا بَعْضَاً جَدِيدَاً، وَحَتَّى شَعَرْتُ أَنَّنِي سَأَسْرِدُهَا كُلَّهَا.
«قَيْصَرُ!»
عِنْدَمَا غَادَرَ قَيْصَرُ السَّيَّارَةَ، قَالَ دِمِيتْرِي الَّذِي نَادَاهُ أَوَّلَاً:
«ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ هُنَاكَ عَرْضٌ رَائِعٌ بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، وَلَكِنْ أَلَيْسَ الطَّرَفُ الآخَرُ مُمِلَّاً لِلْغَايَةِ؟»
عِنْدَ النَّظْرِ، قَرَّرَ لِي وُون التَّجَاهُلَ وَأَدَارَ رَأْسَهُ. كَانَ المَكَانُ الَّذِي يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ عِبَارَةً عَنْ مَشْهَدٍ مُسْتَوٍ وَمُمِلٍّ مَعَ تِلَالٍ مُنْخَفِضَةٍ كَتَغْيِيرٍ وَحِيدٍ فِي التَّضَارِيسِ. وَبِمُجَرَّدِ التَّفْكِيرِ فِي الأَمْرِ، هَرَعَ المُدِيرُ لِلْخُرُوجِ مِنَ القَاعِدَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ بَعِيدَةً جَدَّاً لِيُلْقِيَ التَّحِيَّةَ.
«أَهْلَاً بِكُمْ، كَمَا اتَّصَلْتُمْ بِنَا، لَقَدْ جَهَّزْنَا كُلَّ شَيْءٍ مُسْبَقَاً».
أَتَوَقَّعُ أَنَّهُمْ قَدْ هَدَّدُوكُمْ مُسْبَقَاً. مَعَ نَظْرَةٍ إِلَى دِمِيتْرِي، لَوَى شَفَتَيْهِ وَأَظْهَرَ الإِصْبَعَ الثَّالِثَ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهِ. حَرَّكَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ لِلَحْظَةٍ، لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا تَجَاهَلَهُ. سَأَلَ فِي النِّهَايَةِ الحَارِسَ بَعْدَ تَقْدِيمِ تَحِيَّاتٍ طَائِشَةٍ وَالِاسْتِعْرَاضِ بِمَرَافِقِ المُعَسْكَرِ.
«هُنَاكَ ثَلَاثَةُ مَسَارَاتٍ، أَيُّهَا تُرِيدُ أَنْ تَسْلُكَ؟ هَذَا هُوَ مَسَارُ المُبْتَدِئِينَ هُنَا. كَمَا تَرَى، هُوَ جَيِّدٌ. حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنْ مَأْلُوفَاً لَدَيْكَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الأَلْعَابِ، يُمْكِنُكَ اجْتِيَازُهُ بِسُهُولَةٍ. المَسَارَاتُ كُلُّهَا مُقَسَّمَةٌ إِلَى ثَلَاثَةٍ، لَكِنَّ مَسَارَ المُبْتَدِئِينَ سَيَكُونُ أَفْضَلَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟»
أَمَامَ مَنْ أَوْصَى بِالصُّعُوبَةِ الأَقَلِّ، فَتَحَ لِي وُون مَعْلُومَاتِ المُسْتَخْدِمِ بَدَلَاً مِنَ الرَّدِّ وَأَشَارَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي يُعْتَبَرُ المَسَارَ الأَكْثَرَ صُعُوبَةً. رَمَشَ الرَّجُلُ مُتَفَاجِئَاً ثُمَّ أَعَادَ رَأْسَهُ نَحْوَ قَيْصَرَ كَمَا لَوْ كَانَ يَسْتَفْسِرُ عَنْ رَأْيِهِ. لَمْ يُظْهِرْ قَيْصَرُ أَيَّ رَدَّةِ فِعْلٍ خَاصَّةٍ، بَلْ كُلُّ مَا فِي الأَمْرِ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى لِي وُون مَعَ ابْتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ. نَظَرَ إِلَيْهِ لِي وُون بِحِدَّةٍ وَانْدَلَعَتْ شَرَارَةٌ بَيْنَهُمَا لِلَحْظَةٍ.
تَرَدَّدَ الحَارِسُ الَّذِي نَظَرَ إِلَى كِلَيْهِمَا بِالتَّنَاوُبِ وَقَالَ: «حَسَنَاً، إِذَنْ»، وَقَادَنَا. عِنْدَمَا حَرَّكَ لِي وُون جَسَدَهُ أَوَّلَاً، تَبِعَهُ قَيْصَرُ وَخَطَا خُطْوَةً بَطِيئَةً. قَطَّبَ دِمِيتْرِي جَبِينَهُ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ، وَنَطَقَ بِشَتِيمَةٍ ثُمَّ تَقَدَّمَ لِلأَمَامِ.
هَذَا هُوَ المَكَانُ الأَمْثَلُ لِلُعْبَةِ النَّجَاةِ، هَكَذَا فَكَّرَ لِي وُون بِشَأْنِ المَشْهَدِ المَبْسُوطِ أَمَامَهُ. مِنَ التِّلَالِ المُنْخَفِضَةِ حَتَّى التِّلَالِ ذَاتِ المُنْحَدَرِ المَائِلِ تَمَامَاً وَالأَرْضِ المُسْتَوِيَةِ الِاعْتِدَالِ، كَانَتِ التَّضَارِيسُ غَيْرُ المُسْتَوِيَةِ مَزْرُوعَةً بِكَثَافَةٍ بِالأَشْجَارِ الطَّوِيلَةِ، مِمَّا جَعَلَهَا مِثَالِيَّةً لِلتَّحَرُّكِ بِسِرِّيَّةٍ.
كَانَتْ أَرْضَاً وَاسِعَةً وَوَعِرَةً لِلْغَايَةِ، وَشَعَرَ وَكَأَنَّهُ سَيُعْثَرُ عَلَيْهِ مَيْتَاً وَمَفْقُودَاً إِذَا دَخَلَ دُونَ مَعْرِفَةِ مَا هِيَ. حَتَّى النَّسِيمُ اللَّطِيفُ الَّذِي يَهُبُّ عَبْرَ الأَشْجَارِ كَانَ مِثَالِيَّاً. قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ مُدِيرَ غُرْفَةِ اللُّعْبَةِ لِلِي وُون، الَّذِي كَانَ يَتَفَحَّصُ سَرِيعَاً الأَرْضَ المُحَطَّمَةَ بِعَيْنَيْهِ:
«هَلْ أَنْتُمْ جَاهِزُونَ؟ قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ يُجَرِّبُونَ هَذَا المَسَارَ. يُمْكِنُكَ تَغْيِيرُهُ الآنَ إِذَا أَرَدْتَ».
الْتَفَتَ لِي وُون وَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ سَأَلَ:
«أَيْنَ يُمْكِنُنِي تَغْيِيرُ مَلَابِسِي؟»
أَبْدَى المُقَدِّمُ تَعْبِيرَاً مِنَ الحِيرَةِ، لَكِنَّهُ أَرْشَدَهُمَا كَمَا لَوْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ فِعْلَ شَيْءٍ. بَعْدَ اسْتِلَامِ المَلَابِسِ الَّتِي تُذَكِّرُ بِزِيٍّ عَسْكَرِيٍّ مِنْ مَكَانٍ مَا، غَيَّرَا فِي غُرْفَةِ المَلَابِسِ، وَتَلَقَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقِيبَةَ ظَهْرٍ تَحْتَوِي عَلَى وَجْبَةٍ بَسِيطَةٍ، وَحَقِيبَةِ إِسْعَافَاتٍ أَوَّلِيَّةٍ وَمَوَادَّ أُخْرَى ضَرُورِيَّةٍ.
«إِذَنْ هَذَا هُوَ دَوْرُكَ لِتَخْتَارَ سِلَاحَاً».
تَحَدَّثَ قَيْصَرُ بِنَبْرَةٍ نَاعِمَةٍ وَغَادَرَ أَوَّلَاً. وَلِي وُون، الَّذِي تَبِعَهُ دُونَ قَصْدٍ طَوَالَ الوَقْتِ، وَجَدَ دِمِيتْرِي الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُ. رَمَشَ دِمِيتْرِي، الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ ابْتِسَامَةً عَرِيضَةً نَحْوَ قَيْصَرَ دُونَ أَنْ يَنْظُرَ حَتَّى إِلَى جَانِبِ لِي وُون. عِنْدَ إِشَارَةِ المُوافَقَةِ المُوجَزَةِ مِنْ قَيْصَرَ، فَتَحَ عَلَى الفَوْرِ أَبْوَابَ الشَّاحِنَةِ العَسْكَرِيَّةِ الضَّخْمَةِ حَيْثُ كَانَ رِجَالُهُ يَنْتَظِرُونَ، لِتُنْفَتَحَ زَوْجَاً زَوْجَاً مِنْ كِلَا الجَانِبَيْنِ. لِلَحْظَةٍ، فَقَدَ لِي وُون القُدْرَةَ عَلَى الكَلَامِ، حَتَّى لَوْ لِوُهْلَةٍ.
كَانَتِ الأَسْلِحَةُ المُحَمَّلَةُ فِي الجُزْءِ الخَلْفِيِّ مِنَ الشَّاحِنَةِ تَتَهَزَّزُ. مِنْ جَمِيعِ الأَحْجَامِ وَالأَنْوَاعِ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ لَيْسَ مُسَدَّسَاً إِذَا كَانَ سِلَاحَاً، أَوْ سِكِّينَاً إِذَا كَانَ نَصْلَاً. لِي وُون، الَّذِي رَأَى عِدَّةَ صَنَادِيقَ ضَخْمَةٍ مِنْ أَحْجَامٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَاحَظَ أَنَّ أَحَدَهَا كَانَ يَحْتَوِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، مِنَ المَدَافِعِ الرَّشَّاشَةِ حَتَّى قَاذِفَاتِ اللَّهَبِ وَالبَازُوكَا، وَبَقِيَ مَذْهُولَاً.
لَمْ تَكُنْ لُعْبَةُ النَّجَاةِ هِيَ مَا اعْتَقَدَ أَنَّهَا سَتَكُونُ عَلَيْهِ.
لَقَدْ تَجَسَّدَتْ حَقِيقَةُ المَقُولَةِ بِأَنَّ المَافْيَا تَمْلِكُ كَمِّيَّةً هَائِلَةً مِنَ الأَسْلِحَةِ لِخَوْضِ حَرْبٍ ضِدَّ الدَّوْلَةِ. سَمَاعُ شَائِعَةٍ غَامِضَةٍ وَالِاعْتِقَادُ بِأَنَّهَا صَحِيحَةٌ يَخْتَلِفُ عَنْ تَأْكِيدِهَا أَمَامَ عَيْنَيْكَ. لِي وُون، الَّذِي نَظَرَ إِلَى الأَسْلِحَةِ دُونَ أَنْ يَنْبِسَ بِبِنْتِ شَفَةٍ، حَوَّلَ نَظَرَهُ نَحْوَ قَيْصَرَ. كَانَ يَضَعُ سِيجَارَةً فِي فَمِهِ بِلَا مُبَالَاةٍ. قَالَ دِمِيتْرِي بِتَهَكُّمٍ:
«أَلَا تَعْرِفُ مَا هِيَ لُعْبَةُ النَّجَاةِ؟ هَذِهِ نَوْعٌ مِنَ الدُّعَابَةِ. الآنَ، اخْتَرِ السِّلَاحَ الَّذِي يُعْجِبُكَ أَكْثَرَ. أَتَسَاءَلُ مَاذَا سَتَخْتَارُ. أَوْه، هَلْ ظَنَنْتَ أَنَّنِي يَجِبُ أَنْ أُحْضِرَ سِكِّينَاً لُعْبَةً يَتَنَاسَبُ مَعَ حَجْمِكَ؟»
تَجَاهَلَ لِي وُون السُّخْرِيَةَ، لَكِنَّهُ نَظَرَ فِي المُقَابِلِ إِلَى وَجْهِ قَيْصَرَ. لَمْ تَكُنْ لَدَيْهِ أَيُّ رَدَّةِ فِعْلٍ، كَمَا لَوْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ سَمَاعَ كَلِمَاتِ دِمِيتْرِي عَلَى الإِطْلَاقِ. وَعِنْدَ مُلَاحَظَةِ مَلَامِحِهِ الجَادَّةِ فِي اخْتِيَارِ السِّلَاحِ الَّذِي سَيَرْتَدِيهِ، أَدْرَكَ لِي وُون أَنَّ لُعْبَةَ النَّجَاةِ الَّتِي يَلْعَبُهَا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً تَمَامَاً عَمَّا تَخَيَّلَهُ.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!