الفصل 03

الفصل 03

الفصل الثالث: أخطاء الماضي

اقتاد الخادمان لينغ تشانغ بعد تجاوزهما زاوية الممر إلى اتجاهٍ آخر، ولم يكونا ينويان أخذه إلى غرفةٍ ليستريح فيها كما أوهماه.

بل أخذاه إلى الحديقة الواقعة خلف القاعة الرئيسية، ثم طرحاه أرضًا بعنف. كانت الأرض مغطاة بالحجارة الخشنة، فانخدش ذراعه الأيسر حتى سال الدم عندما ارتطم بها.

“أوه! ما زال لم يستيقظ رغم كل هذا. يبدو أنه فاقد الوعي تمامًا.”

“السيد لينغ! السيد لينغ!”

“توقف عن الصراخ، وانزع معطفه.”

أمسك الرجلان بمعطف لينغ تشانغ ونزعاه بخشونة، ثم أرخيا ياقة ثوبه وفكا حزامه. بعد ذلك أمسكا بيده ووضعاها على شيءٍ دافئ وزلق.

ارتعشت أصابع لينغ تشانغ قليلًا. لقد أعاده ملمس ذلك الشيء إلى ذكرى سيئة للغاية. كادت موجة الغثيان تجتاحه، لكنه كبح رد فعل جسده بقوة إرادته، بينما كان الغضب والحقد يشتعلان في قلبه.

“حسنًا، لنعد ونبلغ السيد الشاب.”

غادر الرجلان بسرعة. ورغم أن لينغ تشانغ كان مغمض العينين، فإن سمعه كان حادًا للغاية.

وبعد أن اختفى صوت خطواتهما، فتح عينيه. سحب يده بسرعة وجلس، ثم أخذ يفركها بعنف في العشب المجاور محاولًا تنظيفها. بعدها جال ببصره البارد حول المكان حتى وقع على المرأة المغمى عليها بجواره.

كان وجهها محمرًا، وجسدها مغطى بآثار العلاقة الحميمية والقذارة المقززة التي خلفتها. كانت ثيابها ملقاة على الأرض، وجسدها العاري مكشوفًا بالكامل.

ألقى لينغ تشانغ عليها نظرة سريعة ثم أشاح بصره فورًا. كان الغضب في قلبه خانقًا حتى كاد يخنقه.

كانت تلك المرأة زوجة أبي جيا يوانلينغ، وهي راقصة شابة. وبسبب جمالها الأخاذ، افتداها والد جيا يوانلينغ، جيا يين، من بيت الدعارة، وأغدق عليها حبه ودلاله.

في حياته السابقة، جاء إلى منزل عائلة جيا بعد مراسم بلوغه سن الرشد. شرب كثيرًا أثناء المأدبة، ثم خرج ليستنشق بعض الهواء، لكنه غفا بالصدفة داخل ذلك الجناح. لم يكن يعلم كم من الوقت نام. وعندما استيقظ، عاد مترنحًا إلى فناء جيا يوانلينغ، حيث قُدمت له وعاء من حساء إزالة آثار السكر، وبعد أن شربه فقد وعيه.

لاحقًا، أفاق على دفعة من الماء البارد تُسكب على وجهه، ليجد هذه المرأة مستلقية إلى جانبه. اخترقت صرخاتها وشتائم الحاضرين أذنيه. كان المشهد فوضويًا، وحتى الآن ما زال تذكره أشبه بكابوس.

لم يصدق أحد براءته، أما المرأة الوحيدة القادرة على الشهادة لصالحه فقد اختارت الصمت. ثم أخذتها عائلة جيا بعيدًا، وبعدها سمع أنها ماتت. لكن ذلك لم يغير شيئًا؛ فقد أصبح هو هدفًا للسخرية والشتائم في مدينة تانيانغ، ولم يستطع غسل التهمة القذرة التي أُلصقت به.

وبسبب تلك الحادثة، تورطت عائلة لينغ أيضًا. خُفضت رتبة عمه الذي كان على وشك الترقية، وأُهين جده، وأصبحت عائلة لينغ موضع سخرية في أنحاء تانيانغ بين ليلة وضحاها.

ومنذ ذلك الحين، تعرضت العائلة لسلسلة من الضربات. فقد أُقيل عمه من منصبه بعد ضياع فرصة ترقيته، كما تبيّن أن الكتب واللوحات التي كان جده قد قيّمها وأثبت أصالتها كانت مزيفة، فتدمرت سمعته.

لكن الأسوأ من ذلك كان اتهام عائلة لينغ بالتواطؤ مع قطاع الطرق.

فقد أُبيدت عائلة لو بأكملها في ليلة واحدة دون أن ينجو أحد، ونُهبت جميع ممتلكاتهم. وعثرت السلطات في مسرح الجريمة على قلادة تخص عم لينغ، فادعت أن عائلة لينغ تعاونت مع قطاع الطرق لقتل عائلة لو.

وعندما حلت الكارثة، كشف الجد عن خطبة قديمة تربط عائلة لينغ بعائلة يووين من العاصمة الإمبراطورية، وأظهر عقد الزواج.

أرهب عقد الزواج الجميع، ومنح عائلة لينغ مهلة قصيرة لالتقاط أنفاسها.

ورغم أن لينغ تشانغ نفسه صُدم بوجود هذا العقد، فإن الظروف آنذاك لم تسمح له بالتفكير فيه كثيرًا. كان عليهم استغلال هذه الفرصة لكشف الحقيقة وراء مذبحة عائلة لو.

لكن قبل أن يصلوا إلى الحقيقة، وصلتهم ورقة طلاق من العاصمة الإمبراطورية.

كانت تلك الرسالة آخر حجرٍ حطم العائلة.

ولم تعد السلطات تكترث لأي شيء بعد ذلك، فأُدينت عائلة لينغ ظلمًا.

وقُيد عشرات من أفراد العائلة في الساحة خارج المدينة، وتركوا تحت أشعة الشمس الحارقة حتى ماتوا احتراقًا.

أما هو، فقد حاول المقاومة، لكنهم كسروا ساقيه وألقوا به في مقبرة جماعية خارج المدينة.

وحتى الآن، ما زال لينغ تشانغ يتذكر صرخة عمه:

“السماء ليست عادلة!”

كان عمه يقول إن عائلة لينغ سقطت لأنها وقفت في طريق بعض أصحاب النفوذ.

وكان محقًا.

فعندما أُلقي به في المقبرة الجماعية، سمع الجلادين الواقفين فوق الحفرة يتحدثون عن أن ممتلكات عائلة لينغ قد نُهبت وتقاسمتها عائلات أخرى، وأن منصب عمه قد استولى عليه جيا تشونغ، العم الثاني لجيا يوانلينغ.

وعندما استعاد تلك الذكريات الأليمة، كبت لينغ تشانغ جميع المشاعر التي تعصف بقلبه.

نهض، وعدّل ثيابه، ثم نظر إلى الراقصة الملقاة أمامه محاولًا العثور على دليل يكشف هوية الزاني الحقيقي، لكن المكان كان قد نُظف بعناية، ولم يبق فيه أي أثر.

إلا أن لينغ تشانغ ابتسم ابتسامة باردة، ثم أخرج قلادة من اليشم باهظة الثمن، منقوشًا على وجهها الأمامي حرف “لينغ”، ووضعها في يد الراقصة.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!