فصل 50

فصل 50

كلما فكّر في “لي وون”، تحولت ملامحه الباسمة تلقائياً إلى قسوةٍ مفرطة. كان “جدانوف” مستشيطاً غضباً، لكنه واصل تدبير أمره؛ لم يكن يعلم طبيعة العلاقة التي تجمع المحامي بـ “سيرجيف”، لكنه قرر أنه سيلقنه درساً قاسياً عما قريب. (يجب أن أسحقه تماماً حتى لا يجرؤ على مهاجمتي مجدداً!).
وبينما كان يتخذ قراره هذا ويشدُّ على قبضته، رنَّ جرس الانتركم وجاء صوت السكرتيرة:
— “سيدي، هناك زائر.. يقول إنه المحامي”.
— “المحامي؟”
سأل “جدانوف” مباغتةً وقد أُخذ على حين غرة، فجاء الرد بصوتٍ خافت: “أنا محامي نيكولاي، يقول إنه يريد الحديث بشأن الدعوى القضائية”.
انرسمت ابتسامة خبيثة على وجه “جدانوف”؛ (أخيراً، لقد وصل.. يبدو أن الفتى قد رفع يديه مستسلماً). وأجاب وكأنه كان ينتظر:
— “أدخليـه.. وقدمي لنا كوبين من القهوة”.
أغلق “جدانوف” الانتركم بسعادة وهو ينتظر زائره بابتسامة نصر. وبعد برهة، انفتح الباب وظهر الوجه المنشود.
— “يا إلهي، انظروا من هنا!”.
نطق “جدانوف” بكلمات الترحيب بأكثر نبرات صوته غطرسة. وبعد أن حياه “لي وون” بأدب، قال:
— “أعتذر عن الحضور دون موعد مسبق”.
— “لا، لا بأس.. يمكنني قبول ذلك إذا كان الأمر عاجلاً”، أضاف “جدانوف” بنعومة: “ما لم تكن ستتطاول بوقاحة مجدداً”.
أمام “جدانوف” الذي كان يلمّح لما حدث في المرة السابقة، أجاب “لي وون” بوجهٍ خالٍ من التعبير:
— “لو كنتَ تمنح العدالة وقتها، لما اضطررتُ حتى لدخول هذا المكان”.
انتفخ عرقٌ في جبهة “جدانوف” لكنه كبح غضبه؛ (فلأصبر الآن، وبمجرد أن ننهي قضية المصنع والأرض، سأدعس على هذا الفتى فوراً). رمش “جدانوف” بعينيه الصغيرتين، وسعل ثم قال:
— “حسناً، هذا جيد. بما أننا لا نحتاج لإحراج بعضنا البعض، فلننهِ هذا. هل أحضرتَ كل الوثائق؟ هل أوقع فحسب؟”
سحب “جدانوف” قلم حبر من جيب سترته، فأومأ “لي وون” بالإيجاب وأخرج وثيقة من المظرف الذي كان معه ووضعها أمامه. وحين همَّ “جدانوف” بالتوقيع بوجهٍ ممتلئ بالرضا، توقفت يده فجأة. رمش بعينيه عدة مرات، لكن المحتوى لم يتغير؛ كان كل شيء على عكس ما تخيله تماماً!
— “ما هذا؟!”
وبصوتٍ غاضب، أجاب “لي وون” بلهجة رسمية:
— “هذا إقرار برد المصانع والأراضي التي تم الاستحواذ عليها بشكل غير قانوني. إذا اعترفتَ بالحقائق وتنازلتَ عن المحاكمة، فلن تكون هناك عواقب تضرك كعضو برلماني في المستقبل”.
— “ماذا؟!” صرخ “جدانوف” بجنون: “هذا النغل الصغير يسخر مني في مكتبي! عواقب؟ خطاب رد ملكية؟! إذا لم تكن تملك الثقة فلتذهب لارتداء رداء الرهبان! كيف تجرؤ على الوقوف ضدي! أريد من المحامي أن يرحل الآن، هل تسمع؟!”
ظل “لي وون” يتحدث بهدوء رغم ثورة “جدانوف”:
— “أنت هو المشرّع الذي حصل على مزايا غير عادلة. لقد زورتَ الوثائق واختطفت المصانع والأراضي، بل واستخدمت أشخاصاً لممارسة العنف. إذا ذهبنا للمحاكمة بهذا المنطق، فلن يكون ذلك جيداً لشرفك البرلماني”.
— “مضحك! أتهددني الآن؟ أيها الصعلوك، لقد انتهيت! سأقوم بإقصائك الآن، هل تفهم؟ بمكالمة هاتفية واحدة يمكنني التخلص من أمثالك ولن يسمع عنك أحد، كيف تجرؤ!”.
رفع “جدانوف” صوته محاولاً إرهابه، وكلما فكّر في الأمر استشاط غضباً؛ كيف يجرؤ هذا الفتى على مواجهته مرتين؟ (لن أسامحه أبداً، سألقي به في البالوعة الآن!). وبسبب عدم قدرته على تحمل غيظه، مزق الأوراق أمام “لي وون”.
في تلك اللحظة، انفتح الباب خلف “لي وون” ودخل رجل طويل القامة. “جدانوف”، الذي كان يصرخ بوجهٍ محتقن، التفت بتعبيرٍ صارم ثم تجمد مكانه.. كان قيصر يدخل الغرفة، يقود خلفه رجالاً ببدلات سوداء. بدا “جدانوف” مرتبكاً بشكل مرئي من زيارة هذا الشخص غير المتوقع تماماً.
— “أوه.. قيصر.. كيف وصلت إلى هنا؟ فجأة، دون اتصال مسبق؟”.
غير “جدانوف” لهجته بسرعة، ففتح قيصر فمه بوجهٍ جامد، بينما كان “جدانوف” يبتسم بتذلل وهو يمسح العرق البارد عن جبهته بمنديل.
— “يبدو أنك سمعتَ كل شيء”.
— “ماذا؟!”
رمش “جدانوف” بتفاجؤ، بينما نظر قيصر إلى الأرض حيث كانت الأوراق الممزقة مبعثرة في كل مكان. ثم تحولت نظرة قيصر نحو السيناتور:
— “هل ستتنازل عن المحاكمة، أم تريد أن أدفنك حياً في أحد المصانع؟”
— “ما.. ما الذي تقصده بهذا؟!”
واصل قيصر ببرود بينما كان “جدانوف” يصرخ بارتباك:
— “الشخص الذي يعمل مع (لومونوسوف) لإحداث توازن بين (سيرجيف) و(لومونوسوف)”.
توقف “جدانوف” عن التنفس، وشحب وجهه حتى بدا وكأنه يعاني من اختناق. راقبه قيصر ثم أردف بلا عاطفة:
— “الكل يعلم ما كان (بيرديايف) يفعله معك. لقد كان يخفي ثروتك بشراء أسماء أشخاص آخرين.. وهل تعرف ماذا حدث لهم بعد ذلك؟”
— “أه.. ماذا تقصد؟”
وكأن كلماته كانت إشارة، أخرج الرجل الذي كان يقف خلف قيصر مظرفاً صغيراً وسلمه لـ “جدانوف”. استلم “جدانوف” المظرف بوجهٍ شاحب ونظر داخله، ثم بلع ريقه بصدمة وسقط المظرف من يده؛ ظهرت صورة لجثة مقيدة إلى كرسي من خلال المظرف الذي سقط على الأرض.
تحدث قيصر إلى “جدانوف” الذي كان يرتعد من الذعر:
— “جانب (لومونوسوف) يقتل كل المتورطين.. كان هذا الرجل هو آخرهم. (بيرديايف) مات، والموكلون ماتوا”.
انتقلت نظرة قيصر من الصورة إلى “جدانوف” مجدداً: “من تعتقد سيكون التالي؟”
في لحظة، انهار “جدانوف” وهو يصرخ:
— “أوه لا، لا! أرجوك ساعدني، لقد أخطأت.. أخطأت! أرجوك سامحني، احمني، أنقذني!”.
حاول “جدانوف” التشبث بساق قيصر على عجل، لكن أحد أفراد العصابة منعه. ظل “جدانوف” يرتجف ويبكي وهو عاجز حتى عن لمس طرف حذاء قيصر. أما “لي وون”، فقد بدأ يستوعب المعنى الكامن وراء كلمات قيصر في اليوم السابق.
لقد كان “جدانوف” غارقاً في الخوف. (هل الفساد شيء صغير هكذا؟) فكر “لي وون” وهو يعض على لسانه من الداخل.
نظر قيصر إلى “جدانوف” الباكي وقال: “إذاً، وقّع”.
استطرد قيصر بينما كان “جدانوف” ينظر إليه بوجهٍ ذليل:
— “سأضمن لك حياتك إذا وقعتَ اعترافاً بأنك و بيرديايف قد استحوذتما على جميع الممتلكات التي سيطرتما عليها”.
ضاقت عينا قيصر: “وسأحميك أيضاً من لومونوسوف”.
— “سأفعل.. سأوقع على أي شيء!”.
تقدم عضو آخر من العصابة وقدم وثيقة جديدة لـ “جدانوف” الذي كان يضرب برأسه الأرض ويصرخ. وبينما كان يخرج قلمه بسرعة ليوقع، تلطخت الأوراق بدموعه وعرقه. وبمجرد انتهاء التوقيع، انتقلت الوثائق إلى أيدي رجال العصابة، وظل “جدانوف” ينظر إليهم مرتجفاً. لكن الأمر لم ينتهِ هناك؛ فقد قدم المنظم وثيقة أخرى.
— “ما.. ما هذا أيضاً؟”
قال قيصر لـ “جدانوف” المنتحب:
— “هذه وثيقة تتعلق بالمصنع والأرض التي تجري فيها المحاكمة.. ستتنازل عنها تماماً”.
وبينما كان “جدانوف” ينظر بذهول، تابع قيصر: “المصنع والأرض ينتميان لشخص آخر ابتداءً من اليوم.. لذا تخلَّ عنهما”. ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه: “أم تريد الاعتراض؟”
— “أوه لا لا.. سأوقع.. سأوقع!”.
انكبَّ “جدانوف” على الأرض ووقع الأوراق، وكانت يداه المرتجفتان تظهران مدى يأسه. وأخيراً، بعد رسم اللمسة الأخيرة، أخذ المنظمون الوثائق فوراً. راجع قيصر الوثائق بصره ثم أومأ، فوضعها تابعه في مظرف وانسحب. التفت قيصر إلى “لي وون” الذي كان جالساً يراقب الموقف وقال:
— “لنذهب إذاً، يا سيادة المحامي”.
فتح “جدانوف” عينيه بدهشة؛ وتحت نظراته المتفاجئة، وقف “لي وون” بجانب قيصر. حينها قال قيصر:
— “حسناً، لقد تأخرتُ في التقديم.. هذا هو محاميّ الجديد”.
تجمد وجه “جدانوف”، وبدت أفكار كثيرة تتصارع في رأسه، ثم تحول وجهه فجأة إلى اللون الأحمر من الغيظ:
— “لقد فعلتَها إذاً! لقد كنتَ تخدعني! لهذا انضممتُ إلى لومونوسوف! حتى وأنت تجمع أغراضك!”.
قال قيصر بابتسامة خفيفة لـ “جدانوف” الثائر:
— “يسعدني معرفة ذلك. ضع هذا في اعتبارك لئلا يحدث سوء تفاهم في المستقبل”.
تاركاً وراءه “جدانوف” الذي ابتلع أنفاسه بصمت، أدار قيصر ظهره له. جلس “جدانوف” في مقعده وكأنه فقد قواه، بوجهٍ شاحب ومتعب. أحنى “لي وون” رأسه قليلاً للرجل الذي ظل يرتجف، ثم تبع قيصر. وتبعهما رجال العصابة في صف واحد، وبعد برهة، لم يبقَ في المكتب سوى “جدانوف” مع صمتٍ فارغ

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!