تَحَمَّلَ قَيْصَرُ الْقَذْفَ وَزَفَرَ بَيْنَ أَنْفَاسِهِ الْخَشِنَةِ. اسْتَلْقَى لِي وُون وَنَظَرَ إِلَيْهِ كَمَا لَوْ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ مُضْحِكاً حَتَّى. وَرَغْمَ أَنَّ جَسَدَهُ كَانَ مُمَزَّقاً، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يَزَالُ مُغْتَاظاً. وَانْزَلَقَتِ ابْتِسَامَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ سَاخِرَةٌ بَيْنَ شَفَتَيْ قَيْصَرُ.
«كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي سَأَأْخُذُكَ يَوْماً مَا. لِذَلِكَ، لِمَاذَا انْتَظَرْتُ كَالْكَلْبِ؟»
كَانَ يَلِجُ وَيَخْرُجُ مِنْ لِي وُون كَمَا لَوْ كَانَ يَرْتَدُّ ضَارِباً خَصْرَهُ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ تَتَّسِعُ فِيهَا الْفَجْوَةُ وَتَلْتَقِمُهُ، كَانَ لِي وُون يُشَوِّهُ جَبْهَتَهُ، وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، كَانَ تَنَفُّسُ قَيْصَرُ يَزْدَادُ تَقَطُّعاً وَعُنْفاً:
«حَقّاً، أَلَيْسَتْ بَيْنَنَا عَلَاقَةٌ؟»
نَظَرَ لِي وُون إِلَى قَيْصَرُ بِتَعْبِيرٍ يَشُوبُهُ الْخَوْفُ:
«لَا تَكُنْ سَخِيفاً… مَنْ كَانَ الْمُخْطِئَ؟!».
وَبَيْنَمَا كَانَ يَكُزُّ عَلَى أَسْنَانِهِ وَيَنْطِقُ بِالْكَلِمَاتِ، مَرَّ لَمْحٌ مِنَ الْأَذَى فِي عَيْنَيْ قَيْصَرُ:
«لَقَدْ حَاوَلْتَ هِجْرَانِي وَالْفِرَارَ. وَعَلَيْكَ أَنْ تَدْفَعَ الثَّمَنَ».
انْحَنَى قَيْصَرُ فَوْقَهُ. وَالْقَضِيبُ الَّذِي أَفْلَتَ لِوَهْلَةٍ، عَادَ لِيَشْتَبِكَ مَعَ قَاعِ اللَّحْمِ، فَابْتَلَعَ لِي وُون أَنِينَهَ بِوَجْهٍ مُنْقَبِضٍ. قَالَ قَيْصَرُ وَهُوَ يُدَاعِبُ شَفَتَيْهِ الْمُتَوَرِّمَتَيْنِ بِأُصْبُعِهِ:
«لِنَرَى مَنِ الرَّابِحُ؟».
لَعَقَ قَيْصَرُ شَفَتَيْ لِي وُون وَعَضَّهُمَا، ثُمَّ ابْتَعَدَ عَنْ شَفَتِهِ الَّتِي فُرِكَتْ بِأَلَمٍ وَقَالَ:
«سَأَحْرِصُ عَلَى أَنْ أَرَاكَ لَا تَزَالُ حَيّاً، حَتَّى لَوْ لَمْ أَثْمَلْ».
وَانْغَمَسَ قَيْصَرُ مُجَدَّداً فِي جَسَدِ لِي وُون.
«إِذَنْ، أَيُّهَا الْقَيْصَرُ، لَيْسَ مِنَ الطَّبِيعِيِّ مُمَارَسَةُ الْجِنْسِ مَعَ قَيْصَرٍ، لِذَلِكَ لَا تَقُلْ لِأُخْتِي وَلِي أَنَّنَا سَنَتَشَارَكُ الْجِنْسَ مَعَكَ».
كَانَا يَسْتَمِعَانِ إِلَى شَكَاوَى بِالْقُرْبِ مِنْهُمَا. أَغْلَقَ لِي وُون عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلَى الصَّوْتِ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَبْحَثُ عَنْ ذِكْرَيَاتِهِ الْمُشَوَّشَةِ، تَذَكَّرَ غُمُوضاً أَنَّهُ كَانَ الطَّبِيبَ الَّذِي رَآهُ فِي مَنْزِلِ قَيْصَرُ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، جَاءَ صَوْتٌ مَأْلُوفٌ مِنَ الْأَعْلَى:
«اعْتَنِ بِنَفْسِكَ».
وَفَجْأَةً، شَعَرَ بِأَلَمٍ فِي كَتِفِهِ. وَعِنْدَمَا عَقَدَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ، احْتَضَنَ قَيْصَرُ جَسَدَ لِي وُون.
«بُولْ… هَذَا جَيِّدٌ».
هَبَطَتْ شِفَاهٌ دَافِئَةٌ عَلَى صُدْغِهِ الْجَافِّ: «لَا تَبْكِ، كُلُّ شَيْءٍ جَيِّدٌ».
لَمْ يَكُنْ يَبْكِي، بَلْ كَانَ لِي وُون غَاضِباً مِنْهُ وَأَرَادَ تَحْرِيكَ قَبْضَتِهِ، لَكِنَّ جَسَدَهُ لَمْ يَتَحَرَّكْ. أَجَابَ الطَّبِيبُ بِنَظْرَةٍ كَئِيبَةٍ لِمَظْهَرِ لِي وُون كَمَا كَانَ:
«أَرْجُوكَ كُنْ صَبُوراً. إِذَا فَعَلْتَ هَذَا، سَتَمُوتُ».
أَجَابَ قَيْصَرُ بِلَا مُبَالَاةٍ لِصَوْتِ الِاحْتِجَاجِ: «هَذَا الْفَتَى قَوِيٌّ».
وَأَمَامَ الْكَلِمَاتِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعَةِ، رَمَشَ الطَّبِيبُ بِإِحْرَاجٍ ثُمَّ تَحَدَّثَ عَلَى عَجَلٍ:
«آه، بِالطَّبْعِ هُوَ قَوِيٌّ بَدَنِيّاً. مُجَرَّدُ الْفَوْزِ عَلَى الْقَيْصَرِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُعَدُّ رَقْماً قِيَاسِيّاً لِمَوْسُوعَةِ غِينِيسْ. وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ، خُذْ فِي الِاعْتِبَارِ أَنَّ الطَّرَفَ الْآخَرَ كَائِنٌ بَشَرِيٌّ وَتَعَامَلْ بِرِفْقٍ».
لَمْ يَسْتَجِبْ قَيْصَرُ. لَقَدْ أَبْعَدَ الشَّعْرَ بِبُطْءٍ عَنْ وَجْهِ لِي وُون. شَعَرَ بِالطَّبِيبِ يَضَعُ ضِمَادَةً عَلَى سَاقِهِ. شَوَّهَ لِي وُون جَبْهَتَهُ لَا إِرَادِيّاً إِثْرَ الْأَلَمِ اللَّاذِعِ. وَعَلَى الْفَوْرِ، لَمَسَتْ شَفَتَا قَيْصَرُ جَبْهَتَهُ النِّصْفَ مُغْلَقَةً.
«إِذَنْ سَأَتْرُكُ الدَّوَاءَ، لِذَلِكَ تَأَكَّدْ مِنْ حَمْلِهِ مَعَكَ وَلَا تَنْسَهُ. إِنَّهُ مُضَادٌّ حَيَوِيٌّ، لِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنَاوُلُهُ».
وَبَعْدَ الطَّلَبِ الْجَدِيدِ، غَادَرَ الطَّبِيبُ الْغُرْفَةَ. سَمِعَ خَطَوَاتٍ تَبْتَعِدُ وَالْبَابَ يُغْلَقُ عَلَى الْفَوْرِ. وَكَمَا لَوْ كَانَ الصَّوْتُ بِمَثَابَةِ إِشَارَةٍ، فَتَحَ لِي وُون عَيْنَيْهِ. لَا يُمْكِنُ بِأَيِّ حَالٍ.
كَانَ مُتَوَتِّراً، لَكِنَّ تَوَقُّعَاتِهِ لَمْ تَكُنْ خَاطِئَةً. كَانَ لِي وُون لَا يَزَالُ عَارِياً وَجَسَدُهُ مُغَطًّى بِالْمَنِيِّ الْجَافِّ وَالْمَنِيِّ الْمَقْذُوفِ حَدِيثاً. كَانَ قَيْصَرُ يُمْسِكُ بِهِ مِنْ الْخَلْفِ، لَكِنَّ جَسَدَهُ كَانَ دُونَ شَكٍّ عَارِياً. إِدْخَالُ شَخْصٍ إِلَى غُرْفَةٍ يَقْبَعُ فِيهَا مَرْءٌ عَارِياً عَلَى سَرِيرٍ مَلِيءٍ بِعَلَامَاتِ الْمُغَامَرَةِ الْجِنْسِيَّةِ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ إِحْسَاسٍ فِي الْأَسْفَلِ، لَكِنَّ الْمَعِدَةَ كَانَتْ لَا تَزَالُ مُمْتَلِئَةً. كَانَ لِي وُون خَائِفاً مِنْ مَعْرِفَةِ مَا إِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمَنِيَّ الَّذِي سَكَبَهُ قَيْصَرُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ أَوْ شَيْءٌ آخَرُ، لِذَلِكَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْأَسْفَلِ. وَحَتَّى لَوْ كَانَ الْأَمْرُ لِعِلَاجِ الْجُرُوحِ، فَإِنَّ مُعَالَجَةَ شَخْصٍ يَسْتَلْقِي هَكَذَا تَجْعَلُهُ طَبِيباً عَظِيماً بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ. قَيْصَرُ، دُونَ أَنْ يُدْرِكَ أَنَّ لِي وُون قدْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ، احْتَضَنَهُ بِشِدَّةٍ مِنْ الْخَلْفِ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ،تَحَرَّكَتْ مَعِدَتُه. مَرَّةً أُخْرَى، كَانَ لَا يَزَالُ دَاخِلَ الدَّائِرَةِ. عَقَدَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ لَا إِرَادِيّاً، لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئاً. لَا يَهُمُّ مَا أَقُولُهُ، لَنْ يَسْتَمِعَ. سَيَضْرِبُنِي كَالْوَحْشِ مُجَدَّداً. وَمَعَ الشُّعُورِ بِمَنِيِّ قَيْصَرُ وَهُوَ يَتَدَفَّقُ مِنَ الْأَسْفَلِ مَعَ أَيِّ حَرَكَةٍ طَفِيفَةٍ، عَضَّ لِي وُون عَلَى شَفَتِهِ. لَقَدْ كَانَا يَعْمَلَانِ طَوَالَ الْأُسْبُوعِ، لَيْلاً وَنَهَاراً، وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ لَا يَزَالُ فِي الِانْتِظَارِ. سَجَّلَ لِي وُون تَصْمِيمَهُ عِنْدَمَا شَعَرَ بِالْجُزْءِ السُّفْلِيِّ الثَّقِيلِ مِنْ جَسَدِ قَيْصَرُ وَهُوَ يَلْمِسُ قَاعَهُ. أَغْلَقَ عَيْنَيْهِ، مُتَسَائِلاً مِمَّا إِذَا كَانَتْ هَذِهِ بِدَايَةً جَدِيدَةً، لَكِنْ مَهْمَا انْتَظَرَ، لَمْ يَشْعُرْ بِإِحْسَاسِ النَّبْضِ يَدْخُلُ. فَقَطْ بَقِيَ فِي الدَّاخِلِ.
مُتَشَبِّثاً بِهِ، احْتَضَنَ قَيْصَرُ لِي وُون مِنَ الْخَلْفِ وَقَبَّلَ بَشَرَتَهُ الْعَارِيَةَ. فِي الرَّأْسِ، فِي الْعُنُقِ، عَلَى الْكَتِفَيْنِ. شَعَرَ أَنَّ الْقُبْلَةَ الْمُتَكَرِّرَةَ أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ شَهْوَةٍ. عَضَّ لِي وُون عَلَى شَفَتِهِ. لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ أَيُّ نِيَّةٍ فِي أَنْ يُغْفَرَ لَهُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ كَهَذَا. وَحَتَّى لَوْ شَعَرَ فَجْأَةً بِالرَّغْبَةِ فِي مُدَاعَبَةِ شَعْرِهِ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ أَمْراً مُخْتَلِفاً تَمَاماً.
الشِّفَاهُ الَّتِي لَمَسَتْ عَظْمَ الْكَتِفِ سَقَطَتْ، وَجَاءَ زَفِيرٌ مُفَاجِئٌ مِنِّي. ضَغَطَ قَيْصَرُ بِصَمْتٍ عَلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ بِشَفَتَيْهِ. كَبَتَ لِي وُون بِالْقُوَّةِ أَنِينَهُ الَّذِي خَرَجَ مِنْ فَمِهِ. هَمَسَ قَيْصَرُ كَأَنَّهُ يَزْفِرُ:
«فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ، سَأَقْتُلُكَ حَقّاً».
لَمْ يُجِبْ لِي وُون عَلَى الْمُرَمْرَةِ الْحَزِينَةِ. بَسَاطَةً، تَظَاهَرَ بِأَنَّهُ نَائِمٌ وَأَغْلَقَ عَيْنَيْهِ، زَافِراً بِانْتِظَامٍ. غَرَسَ قَيْصَرُ وَجْهَهُ فِي كَتِفِ لِي وُون. وَشَعَرَ بِهِ يَكُزُّ عَلَى أَسْنَانِهِ.
ثُمَّ تَمْتَمَ مَعَ زَفِيرٍ: «لِذَلِكَ لَا تَهْرُبْ».
وَمَعَ هَمْسٍ خَفِيضٍ، احْتَضَنَ قَيْصَرُ لِي وُون بِرِفْقٍ. أَعْطَاهُ لِي وُون ظَهْرَهُ وَعَضَّ شَفَتَهُ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ. لَمْ يُحْرِزْ قَيْصَرُ أَيَّ تَقَدُّمٍ آخَرَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. كَانَتِ الذِّرَاعُ الَّتِي تُمْسِكُ بِخَصْرِ لِي وُون قَوِيَّةً، لَكِنَّهَا بَقِيَتْ هُنَاكَ. وَحَتَّى نَامَ لِي وُون مُجَدَّداً، لَمْ تَنْفَكَّ الذِّرَاعَانِ حَوْلَ خَصْرِهِ أَبَداً.
كَانَ الْقَصْرُ وَاسِعاً كَالْخَارِجِ وَكَانَتِ الْمَمَرَّاتُ أَيْضاً طَوِيلَةً بِلَا نِهَايَةٍ. كَانَ الرَّجُلُ الضَّيْفُ يُصْدِرُ ضَوْضَاءَ مُنْتَظِمَةً وَهُوَ يَمْشِي، مُرَاقِباً الْأَعْمَالَ الْفَنِّيَّةَ الْمُعَلَّقَةَ عَلَى فَتَرَاتٍ مُنْتَظِمَةٍ فِي الْمَمَرِّ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى. لَقَدْ كَانَ صَاحِبَ مَنْزِلٍ مِضْيَافاً لِلْغَايَةِ. هَكَذَا فَكَّرَ الرَّجُلُ. إِذَا كُنْتَ صَاحِبَ لُومُونُوسُوف، أَلَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَدَيْكَ هِوَايَةٌ كَهَذِهِ؟
هَذَا حِينَمَا ابْتَسَمَ لَا إِرَادِيّاً. تَوَقَّفَ الْخَادِمُ الَّذِي كَانَ فِي الْأَمَامِ عَنِ الْمَشْيِ وَفَتَحَ بَابَ الرَّهْوَةِ. وَبَعْدَ أَنْ حَيَّاهُ بِانْحِنَاءَةٍ خَفِيفَةٍ، عِنْدَمَا دَخَلَ، كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ عُجُوزٌ يَجْلِسُ نَاظِراً إِلَيْهِ.
مِيخَائِيل لُومُونُوسُوف. الْأَسَدُ الْعَجُوزُ لِـلُومُونُوسُوف.
كَانَ عَجُوزاً، لَكِنَّ الْأَسَدَ يَبْقَى أَسَداً. وَعِنْدَ إِدْرَاكِ نَظْرَتِهِ الْحَادَّةِ نَحْوَهُ، خَلَعَ الرَّجُلُ قُبَّعَةَ الْفِيدُورَا الَّتِي كَانَ يَرْتَدِيهَا. مِيخَائِيل، الَّذِي كَانَ يَتَفَرَّسُ فِي الرَّجُلِ، فَتَحَ فَمَهُ.
«أَنْتَ لِيُونِيدَاسْ؟» سَأَلَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ.
«قِيلَ إِنَّكَ إِذَا دُفِعَ لَكَ، يُمْكِنُكَ حَلُّ أَيِّ شَيْءٍ؟»
«مُعْظَمُهَا كَذَلِكَ».
ابْتَسَمَ لِيُونِيدْ. وَمَعَ ابْتِسَامَتِهِ اللَّطِيفَةِ، الَّتِي لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَيَّلَهَا لِقَاتِلٍ مُحْتَرِفٍ، لَمْ يَسْتَغْرِقْ مِيخَائِيل وَقْتاً طَوِيلاً لِيَطْرَحَ الْقَضِيَّةَ الْكُبْرَى.
«هُنَاكَ شَخْصٌ يَجِبُ أَنْ تَجِدَهُ».
وَكَإِشَارَةٍ لِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ، اقْتَرَبَ الْخَادِمُ وَوَضَعَ الصُّورَةَ عَلَى الطَّاوِلَةِ. تَغَيَّرَ تَعْبِيرُ لِيُونِيدْ، عِنْدَمَا أَخَذَ الصُّورَةَ لَا إِرَادِيّاً، سَرِيعاً إِلَى مَشَاعِرِ الدَّهْشَةِ. وَاصَلَ مِيخَائِيل الْحَدِيثَ:
«إِنَّهُ ابْنِي. لَقَدِ اخْتَفَى فَجْأَةً مُنْذُ أُسْبُوعٍ. قِيلَ إِنَّهُ كَانَ سَيُغَادِرُ هَذَا الْبَلَدَ، لَكِنْ لَا الطَّائِرَةُ وَلَا السَّفِينَةُ تَحْمِلَانِ اسْمَهُ. وَجَدْتُ الشَّاهِدَ الْوَحِيدَ وَقَالَ إِنَّهُ رَأَى رَجُلاً يَقُودُ ابْنِي فِي سَيَّارَةٍ».
أَظْلَمَتْ سَحْنَةُ مِيخَائِيل.
«يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ صُنْعِ خَلَفِ سِيرْغِيف. جِدِ ابْنِي عَلَى الْفَوْرِ وَسَأُعْطِيكَ الْمَالَ الَّذِي تَطْلُبُهُ».
وَعِنْدَمَا رَأَى لِيُونِيدْ يَأْخُذُ لَهُ صُورَةً، قَالَ:
«وَدَعْ خَلَفَ سِيرْغِيف يَتَوَلَّى أَمْرَ ذَلِكَ».
كَانَ صَوْتُ مِيخَائِيل مَلِيئاً بِالِاسْتِئَاءِ. تَعَاطَفَ لِيُونِيدْ مَعَ زَئِيرِ الْأَسَدِ الْعَجُوزِ الْغَاضِبِ. فَتَحَ فَمَهُ وَنَظَرَ إِلَى الصُّورَةِ بِلَا مُبَالَاةٍ:
«هَذَا هُوَ الِابْنُ…؟».
بَقِيَ لِي وُون سَاكِناً وَنَظَرَ إِلَى السَّقْفِ. لَقَدْ مَضَتْ عَشْرَةُ أَيَّامٍ مُنْذُ أَنْ أَقْصُوهُ بِالرَّصَاصِ وَحَمَلُوهُ. كَانَ لَا يَزَالُ مُسْتَلْقِياً فِي السَّرِيرِ. وَانْتَهَى الْجِنْسُ الَّذِي لَا يَنْتَهِي أَخِيراً فِي غُضُونِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ. وَلَمْ يَكُنْ لِيَتَخَيَّلَ حَتَّى كَمْ كَانَ سَيَسْتَمِرُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِي وُون بِحَاجَةٍ إِلَى نَقْلِ دَمٍ طَارِئٍ بِسَبَبِ النَّزِيفِ الْمُفْرِطِ.
لَكِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ. كَانَ لِي وُون لَا يَزَالُ مَأْسُوراً مِنْ قِبَلِ قَيْصَرُ، وَفِي الْوَقْتِ الْحَالِيِّ، رَغْمَ أَنَّ قَيْصَرُ ابْتَعَدَ، لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِ الْخُرُوجُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَادِراً حَتَّى عَلَى النُّهُوضِ مِنَ السَّرِيرِ. كَانَ لِي وُون مُسْتَلْقِياً عَلَى السَّرِيرِ الْجَدِيدِ، الَّذِي كَادَ لَا يَتَحَرَّكُ مِنْهُ، وَكَانَ يَعُدُّ النُّقُوشَ فِي السَّقْفِ دُونَ فِعْلِ شَيْءٍ. وَحَتَّى فِي عَقْلِهِ الْمُشَوَّشِ، كَانَ الْمُسْتَقْبَلُ وَحْدَهُ مُحْبِطاً.
وَعِنْدَ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، سَيُحَاوِلُ مِيخَائِيل قَتْلَ قَيْصَرُ. وَقَدْ يَنْتَهِي الْأَمْرُ بِالذَّهَابِ إِلَى الْحَرْبِ. كَمَا حَاوَلَ قَيْصَرُ أَيْضاً قَتْلَ مِيخَائِيل بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ. وَلَنْ يَسْتَمِعَ أَحَدٌ إِلَيَّ لَوْ قُلْتُ لَهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ، وَلَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ الْحَقُّ فِي فِعْلِ ذَلِكَ. بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، كَانَ غَرِيباً تَمَاماً وَهَذَا مَا كَانَ يَقْصِدُهُ بِشِدَّةٍ. وَانْتَهَى الْأَمْرُ بِأَنْ يَكُونَ الِالْتِزَامَ الْأَعْمَقَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، اللَّذَيْنِ لَمْ يَرْغَبَا أَبَداً فِي التَّوَرُّطِ.
تَنَهَّدَ لِي وُون بِانْزِعَاجٍ. وَفَجْأَةً، رَأَى نَدَفَ الثَّلْجِ تَتَسَاقَطُ خَارِجَ النَّافِذَةِ. تَحَرَّكَ لِي وُون، الَّذِي كَانَ يَرْقُدُ سَاكِناً، عِنْدَمَا رَأَى نَدَفَ الثَّلْجِ تَطِيرُ كَالرِّيشِ. وَبَعْدَ أَنْ ظَلَّ لِي وُون يَنْظُرُ عَبْرَ النَّافِذَةِ لِفَتْرَةٍ مِنَ الْوَقْتِ، نَهَضَ بِبُطْءٍ:
«سُحْقاً».
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!