فصل 83

فصل 83

«هَلْ لِأَنَّكَ تَدَرَّبْتَ عَلَى التَّعَامُلِ مَعَ هَذِهِ الأُمُورِ بِنَفْسِكَ مُنْذُ سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ؟» فَجْأَةً، تَبَادَرَتْ إِلَى ذِهْنِهِ النُّدُوبُ لَا تُحْصَى عَلَى جَسَدِ قَيْصَرَ. شَعَرَ بِقُشَعْرِيرَةٍ تَسْرِي فِي عَمُودِهِ الفِقَرِيِّ، لَكِنْ…
نَفَى لِي وُون بِرَأْسِهِ عَلَى الفَوْرِ. سَوَاءٌ كَانَ سِلَاحَ أَلْوَانٍ أَوْ سِلَاحَاً حَقِيقِيَّاً، فَإِنَّ اللُّعْبَةَ سَتَنْتَهِي إِذَا تَعَرَّضْتَ لِلإِصَابَةِ عَلَى أَيِّ حَالٍ.
لَا يُوجَدُ فَرْقٌ.
بَدَأَ لِي وُون يَتَفَحَّصُ الأَسْلِحَةَ وَاحِدَاً تِلْوَ الآخَرِ. وَلَوَدَّ لَوْ يَلْمِسُهَا أَيْضَاً.
وَعِنْدَ مُعَايَنَةِ الأَسْلِحَةِ، فَتَحَ قَيْصَرُ فَمَهُ قَائِلَاً:
«أَنَا أَسْتَخْدِمُ مُسَدَّسَ الغْلُوكْ فِي الغَالِبِ، لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ سَيِّئَاً أَيْضَاً. لأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ صُنْعُ جَلَبَةٍ فِي لُعْبَةِ نَجَاةٍ. كَمَا أَنَّهُ أَسْهَلُ فِي التَّصَوُّبِ وَأَقَلُّ عُرْضَةً لِلْكَسْرِ». مَرَّرَ لِي وُون هَذَا الكَلَامَ عَبْرَ أُذُنِهِ وَحَوَّلَ نَظَرَهُ نَحْوَ سِلَاحٍ آخَرَ. رَآهُ قَيْصَرُ وَعَادَ لِيَتَحَدَّثَ:
«إِنَّهُ ثَقِيلُ الحَمْلِ، لَا أَعْلَمُ كَمْ مِنَ الوَقْتِ سَتَحْمِلُهُ فِي هَذِهِ اللُّعْبَةِ، لَكِنْ كَانَ سَيَكُونُ أَفْضَلَ لَوْ كَانَ يَزِنُ مِئَةَ غِرَامٍ أَقَلَّ. انْتَظِرْ، لَدَيْهِ مَاسُورَةٌ طَوِيلَةٌ، لَكِنَّ ارْتِدَادَهُ قَلِيلٌ، مِمَّا يَجْعَلُهُ مُسْتَقِرَّاً. وَوَزْنُهُ أَيْضَاً مَقْبُولٌ… هِمْ. لَوْ كُنْتُ مَكَانَكَ لَمَا اسْتَخْدَمْتُهُ. الأَدَاءُ لَيْسَ سَيِّئَاً، لَكِنَّهُ خَفِيفٌ جَدَّاً بِحَيْثُ إِذَا صَوَّبْتَهُ بِشَكْلٍ خَاطِئٍ، سَيَرْتَدُّ عَنْ مَسَارِهِ».
«هَيْ».
مُقَاطِعَاً الشَّرْحَ المُسْتَمِرَّ، نَظَرَ إِلَيْهِ لِي وُون مُبَاشَرَةً: «أَنَا رَجُلٌ كُورِيٌّ وَقَدْ خَدَمْتُ فِي الجَيْشِ».
وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ القُوَّاتِ الخَاصَّةِ.
أَضَافَ لِي وُون فِي نَفْسِهِ: سَأُرَاهِنُ عَلَى شَرَفِ الرَّجُلِ، وَهَذِهِ المَرَّةَ يَجِبُ أَنْ أُعْطِيَهُ أُمْثُولَةً جَيِّدَةً. كَيْفَ يَرَانِي هَذَا الوَلَدُ؟ نَظَرَ إِلَيْهِ قَيْصَرُ دُونَ أَنْ يَنْبِسَ بِكَلِمَةٍ. بَدَا أَنَّ هُنَاكَ تَبَايُنَاً لِلَحْظَةٍ، لَكِنَّهُ اخْتَفَى سَرِيعَاً مَعَ الِابْتِسَامَةِ الخَفِيفَةِ لِقَيْصَرَ.
«لَنْ يَكُونَ الأَمْرُ كَذَلِكَ».
قَالَ كَمَا لَوْ كَانَ يُحَاوِلُ القِرَاءَةَ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِ لِي وُون. تَقَطَّبَ جَبِينُ لِي وُون لِوَهْلَةٍ، ثُمَّ تَجَاهَلَهُ وَأَدَارَ رَأْسَهُ بَعِيدَاً. مَعَ تَرْكِيزِ جَانِبِ وَجْهِهِ مُجَدَّدَاً عَلَى سِلَاحِهِ، تَرَاجَعَ قَيْصَرُ خُطْوَةً إِلَى الوراءِ كَمَا لَوْ كَانَ يَطْلُبُ مِنْهُ بَذْلَ قُصَارَى جُهْدِهِ وَبَدَأَ يَخْتَارُ سِلَاحَهُ بِنَفْسِهِ. عِنْدَ سَمَاعِ الصَّوْتِ الثَّقِيلِ لِارْتِطَامِ المَعَادِنِ، نَظَرَ لِي وُون بِعِنَايَةٍ إِلَى الأَسْلِحَةِ المَكْدُوسَةِ كَالجَبَلِ.
إِنَّهُ بِالتَّأْكِيدِ سِلَاحٌ حَقِيقِيٌّ. لَمْ أَلْمِسْ مُسَدَّسَاً مُؤَخَّرَاً، لَكِنْ عِنْدَمَا كُنْتُ فِي الجَيْشِ، حَصَلْتُ عَلَى المَرْكَزِ الأَوَّلِ فِي مُسَابَقَةِ الرِّمَايَةِ وَنِلْتُ إِجَازَاتِ مُكَافَأَةٍ عِدَّةَ مَرَّاتٍ. وَبِفَضْلِ ذَلِكَ، كَانَ فَخُورَاً بِامْتِلَاكِ مَوْهِبَةِ رِمَايَةٍ رَائِعَةٍ. سَوَاءٌ كَانَتْ رِمَايَةً أَوْ مَعْرَكَةً بَرِّيَّةً، فَقَدْ كَانَ وَاثِقَاً مِنْ نَفْسِهِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ السِّكِّينَ خَطِيرٌ بَعْضَ الشَّيْءِ.
فَكَّرَ لِي وُون، مُخْتَارَاً خَنْجَرَاً لِاسْتِخْدَامِهِ فِي أَوْقَاتِ الأَزَمَاتِ. فِي كُلِّ الأَحْوَالِ، الشَّيْءُ الرَّئِيسِيُّ الَّذِي سَيَسْتَخْدِمُهُ هُوَ المُسَدَّسُ، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدَّاً لِأَيِّ طَارِئٍ.
لِي وُون، الَّذِي نَظَرَ لِوَهْلَةٍ إِلَى السِّلَاحِ، تَوَقَّفَ قَلِيلَاً. بَيْنَ أَسْلِحَةِ النَّارِ الَّتِي لَا تُحْصَى، وُجِدَ المُسَدَّسُ الَّذِي كَانَ يُسْتَخْدَمُ فِي الجَيْشِ. كُلُّ أَسْلِحَةِ العَالَمِ كَانَتْ مُجْتَمِعَةً هُنَا، بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ نَاقِصٌ فِعْلَاً. حَتَّى البُنْدُقِيَّةُ الغَرِيبَةُ الَّتِي لَمْ يَرَهَا إِلَّا عَلَى الإِنْتِرْنِتِ كَانَتْ مَوْضُوعَةً بِعِنَايَةٍ عَلَى جَانِبٍ. رَاجَعَ لِي وُون المَخْزَنَ بِهُدُوءٍ، شَاعِرَاً بِمَشَاعِرَ مُتَنَاقِضَةٍ تَلَاشَتْ مَعَ الإِعْجَابِ. بَعْدَ تَأْمِينِ الرَّصَاصِ الِاحْتِيَاطِيِّ، نَظَرَ إِلَى البُنْدُقِيَّةِ فَفَتَحَ قَيْصَرُ فَمَهُ:
«هَلْ سَتَحْمِلُ كُلَّ هَذَا مَعَكَ؟»
مُفَكِّرَاً فِيمَا سَيَفْعَلُهُ بِالقُنْبُلَةِ اليَدَوِيَّةِ، أَجَابَ لِي وُون بِلَا مُبَالَاةٍ: «أَنْتَ تَمْلِكُ وَاحِدَةً أَيْضَاً».
نَظَرَ قَيْصَرُ حِينَئِذٍ إِلَى البُنْدُقِيَّةِ الَّتِي كَانَ يُمْسِكُ بِهَا ثُمَّ ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً بَاهِتَةً: «لأَنَّهَا مُرِيحَةٌ».
«وَأَنَا أَيْضَاً».
بَعْدَ قَوْلِ هَذَا، دَفَعَ لِي وُون القُنْبُلَةَ اليَدَوِيَّةَ بِقَلَقٍ فِي جَيْبِهِ العُلْوِيِّ. وَبَعْدَ أَنْ جَمَعَ أَخِيرَاً كُلَّ أَسْلِحَتِهِ، اسْتَدَارَ. فَتَحَ لِي وُون فَمَهُ مُخَاطِبَاً قَيْصَرَ، الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُهُ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ:
«لَقَدِ انْتَهَيْتُ».
ظَهَرَتِ ابْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ عَلَى وَجْهِ قَيْصَرَ. عَلَى الفَوْرِ، قَطَّبَ دِمِيتْرِي جَبِينَهُ، لَكِنْ لَا لِي وُون وَلَا قَيْصَرُ أَعَارَاهُ انْتِبَاهَاً. كَانَ الِاهْتِمَامُ الوَحِيدُ لِقَيْصَرَ هُوَ لِي وُون، وَكَانَ الِاهْتِمَامُ الوَحِيدُ وَالهَدَفُ لِلِي وُون هُوَ الفَوْزُ بِاللُّعْبَةِ. ضَاقَتْ عَيْنَا قَيْصَرَ كَمَا لَوْ كَانَتْ رُوحُ القِتَالِ وَاضِحَةً عَلَى وَجْهِهِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، شَعَرَ لِي وُون بِوَهْمٍ كَمَا لَوْ أَنَّ قَيْصَرَ قَدْ دَفَعَ عُضْوَهُ المُنْتَصِبَ تَمَامَاً دَاخِلَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً. تَظَاهَرَ بِأَنَّهُ يَحْمِلُ حَقِيبَتَهُ وَأَدَارَ رَأْسَهُ لِتَجَنُّبِ الِانْكِشَافِ لِلَحْظَةٍ. مَدَّ قَيْصَرُ يَدَهُ كَمَا لَوْ كَانَ يُرِيدُ المُصَافَحَةَ، لَكِنَّ لِي وُون اكْتَفَى بِضَرْبِهَا بِخِفَّةٍ. كَانَ دِمِيتْرِي غَاضِبَاً، لَكِنَّ قَيْصَرَ اسْتَمَرَّ دُونَ أَيِّ رَدَّةِ فِعْلٍ.
«سَنَتَوَاصَلُ عَبْرَ الرَّادْيُو مَرَّةً وَاحِدَةً فِي اليَوْمِ. المُهْلَةُ الزَّمَنِيَّةُ هِيَ 5 دَقَائِقَ وَالِاتِّصَالُ مُمْكِنٌ حِينَهَا فَقَطْ. اطْرَحْ كُلَّ سُؤَالٍ وَاحِدَاً تِلْوَ الآخَرِ، وَمَهْمَا كَانَ السُّؤَالُ، لَا يَجِبُ أَنْ تَغُشَّ أَوْ تُزَيِّفَ الإِجَابَةَ».
هَزَّ لِي وُون رَأْسَهُ بِطَاعَةٍ. بَعْدَ التَّأَكُّدِ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ أَيِّ خَلَلٍ فِي الرَّادْيُو، وَضَعَهُ وَأَضَافَ قَيْصَرُ:
«نَبْدَأُ بَعْدَ سَاعَةٍ».
بَدَلَاً مِنَ الرَّدِّ، نَظَرَ إِلَيْهِ لِي وُون بِنَظْرَةٍ مُنْخَفِضَةٍ ثُمَّ اسْتَدَارَ. وَقَيْصَرُ، الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ المُبْتَعِدِ، انْحَنَى وَالْتَقَطَ حَقِيبَةَ ظَهْرِهِ بِنَفْسِهِ، فَمَا كَانَ مِنْ دِمِيتْرِي الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ إِلَّا أَنْ فَتَحَ فَمَهُ قَائِلَاً:
«لِمَاذَا بِحَقِّ الجَحِيمِ تَلْعَبُ مِثْلَ هَذِهِ اللُّعْبَةِ الغَبِيَّةِ؟» ظَلَّ قَيْصَرُ يَنْظُرُ نَحْوَ لِي وُون وَأَجَابَ بِلَا مُبَالَاةٍ: «مَنْ الَّذِي أَتَى لِيَرَى؟»
كَانَ دِمِيتْرِي مُنْزَعِجَاً، لَكِنَّهُ تَظَاهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الأَمْرَ لَمْ يَكُنْ شَيْئَاً كَبِيرَاً.
«لَقَدْ جِئْتُ لأَرَاكَ أَنْتَ. عَلَى أَيِّ حَالٍ، إِنَّهَا مُبَارَاةٌ وَاضِحَةُ النَّتِيجَةِ، فَأَيْنَ المُتْعَةُ فِي ذَلِكَ؟» سَيَكُونُ مِنَ المُؤْسِفِ رُؤْيَةُ كَيْفَ سَيُسْحَقُ ذَلِكَ البَائِسُ.
وَجَدَ دِمِيتْرِي نُقْطَةَ مُرَاقَبَةٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعَةٍ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ. لَا يَعْلَمُ حَتَّى كُنْهَ المَسْأَلَةِ؛ أَنْ يَجْرُؤَ شَخْصٌ عَادِيٌّ لَمْ يَعِشْ حَتَّى الآنَ إِلَّا حَيَاةً مُرِيحَةً عَلَى مُحَاوَلَةِ النَّجَاةِ ضِدَّ قَيْصَرَ. سَخِرَ دِمِيتْرِي. ذَلِكَ الفَتَى الَّذِي لَنْ يَتَحَمَّلَ حَتَّى لِـ 30 دَقِيقَةً وَسَيَتَحَوَّلُ إِلَى دِمَاءٍ.
«هُوَ؟ لَا يُمْكِنُنِي تَحَمُّلُ الأَمْرِ عِنْدَمَا يَبْتَسِمُ هَكَذَا».
تَوَقَّفَ دِمِيتْرِي عَنِ التَّمْتَمَةِ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ. بَدَأَ المُنَبِّهُ يَرِنُّ فِي سَاعَتِهِ. وَدِمِيتْرِي، الَّذِي خَفَضَ نَظَرَهُ تِلْقَائِيَّاً، تَوَقَّفَ. لَقَدْ تَسَارَعَ نَبْضُ قَيْصَرَ. لِمَاذَا؟ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَادِثٌ وَلَا أَيُّ نَزِيفٍ. لِمَاذَا تَغَيَّرَتْ رَدَّةُ فِعْلِهِ الحَيَوِيَّةِ، هُوَ الَّذِي لَا يَهْتَزُّ أَبَدَاً تَحْتَ أَيِّ ظَرْفٍ؟
هَلْ تَعَطَّلَ الجِهَازُ؟
قَطَّبَ دِمِيتْرِي جَبِينَهُ وَنَظَرَ إِلَى أَرْقَامِ السَّاعَةِ. كَمَا لَوْ أَنَّ مَا حَدَثَ لِتَوِهِ كَانَ كِذْبَةً، عَادَ النَّبْضُ إِلَى مُسْتَوَاهُ الطَّبِيعِيِّ. وَاخْتَفَى المُنَبِّهُ أَيْضَاً. نَظَرَ دِمِيتْرِي إِلَى السَّاعَةِ دُونَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةً وَأَنْزَلَ ذِرَاعَهُ. سَيَتَعَيَّنُ عَلَيَّ التَّأَكُّدُ مِنْ ذَلِكَ.
لَقَدْ مَرَّ وَقْتٌ طَوِيلٌ مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ أَجْرَيْتُ فِيهَا فَحْصَاً دَوْرِيَّاً، لَكِنْ لَا بَأْسَ بِتَوَخِّي الحَذَرِ، لأَنَّ الآلَةَ قَدْ تَتَوَقَّفُ فَجْأَةً يَوْمَاً مَا. فِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، أَمْسَكَ قَيْصَرُ حَقِيبَةَ ظَهْرِهِ بِتَعَجُّلٍ وَتَوَجَّهَ إِلَى قَاعَةِ الأَلْعَابِ بَعْدَ تَأَخُّرٍ. سَأَلَ دِمِيتْرِي مِنْ خَلْفِهِ:
«مَا الَّذِي سَتَفْعَلُهُ؟ يَبْدُو أَنَّ لَدَيْكَ النِّيَّةَ لِفِعْلِ ذَلِكَ». أَجَابَهُ قَيْصَرُ بِلَا مُبَالَاةٍ:
«يَجِبُ فِعْلُ ذَلِكَ بِاعْتِدَالٍ».
بَعْدَ أَنْ تَرَكَ دِمِيتْرِي الخَائِبَ وَرَاءَهُ، تَمْتَمَ قَيْصَرُ لِنَفْسِهِ: «لأَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ جَعْلَكَ تَمُوتُ».
* * * إِنَّهَا البِدَايَةُ.
بَعْدَ تَقَدُّمِ السَّاعَةِ فِي مِعْصَمِهِ عَلَى وَقْعِ صَوْتِ صَفَّارَةِ الإِنْذَارِ مِنْ بَعِيدٍ، تَنَفَّسَ لِي وُون الصُّعَدَاءَ بِعُمْقٍ لِيُهَدِّئَ مِنْ تَقَلُّبَاتِهِ. بَعْدَ التَّأَكُّدِ مِنْ اتِّجَاهِ الوَادِي حَيْثُ تَبْرُزُ الصُّخُورُ عَبْرَ السُّهُولِ، اتَّخَذَ مَقْعَدَاً فِي المَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ وَأَفْرَغَ أَمْتِعَتَهُ. كَانَ يَجِبُ أَنْ تَحْتَوِيَ الحَقِيبَةُ عَلَى جَمِيعِ المَوَادِّ الضَّرُورِيَّةِ، لَكِنَّهُ كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى الفَحْصِ. تَبَعَاً لِدَرَجَةِ الأَهَمِّيَّةِ، وُضِعَتِ الأَشْيَاءُ المُهِمَّةُ فِي الجُزْءِ العُلْوِيِّ لِتَمَكُّنِ إِخْرَاجِهَا عَلَى الفَوْرِ فِي حَالَةِ الطَّوَارِئِ، وَنُقِلَتِ العَنَاصِرُ الأُخْرَى إِلَى القَاعِ لِتَنْظِيمِهَا سَرِيعَاً.
بَعْدَ رَبْطِ الحَبْلِ حَوْلَ الخَصْرِ مَعَ المِصْبَاحِ اليَدَوِيِّ، كَانَ الشَّيْءُ التَّالِي هُوَ المَاءُ وَالطَّعَامُ. كَانَ المَاءُ مُهِمَّاً بِشَكْلٍ خَاصٍّ. كَانَ بِمَقْدُورِهِ دَائِمَاً الحُصُولُ عَلَى المَاءِ مِنَ الوَادِي كَمَا حَدَثَ فِي المَاضِي، لَكِنْ إِذَا سَبَحَ بِالقُرْبِ مِنْهُ، سَيُكْشَفُ أَمْرُهُ عَلَى الفَوْرِ. لِذَلِكَ يَجِبُ تَأْمِينُ أَكْبَرِ عَدَدٍ مُمْكِنٍ مِنَ الأَمَاكِنِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى المَاءِ. بَيْنَمَا كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الخَرِيطَةِ فِي حَقِيبَتِهِ وَيَرْسُمُ مُحَاكَاةً تَقْرِيبِيَّةً فِي رَأْسِهِ، تَحَوَّلَتْ أَفْكَارُهُ إِلَى قَيْصَرَ. كَيْفَ سَيُقَاتِلُ هَذَا الرَّجُلُ؟
عَلَى الفَوْرِ، انْبَعَثَتْ كَلِمَاتُ دِمِيتْرِي وَتَوَتَّرَتْ أَعْصَابُهُ. لَقَدْ قَالَ إِنَّكَ تَدَرَّبْتَ عَلَى هَذَا مُنْذُ أَنْ كُنْتَ طِفْلَاً. لَقَدْ قَدَّمَ لِلِي وُون بَعْضَ النَّصَائِحِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُجْدِيَةً، وَاخْتَارَ بِمَهَارَةٍ السِّلَاحَ الَّذِي سَيَسْتَخْدِمُهُ ثُمَّ تَرَاجَعَ سَرِيعَاً. كَمَا لَوْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ مُرَتَّبَاً فِي رَأْسِهِ بِشَأْنِ مَا سَيَرْتَدِيهِ.
سِلَاحٌ مَأْلُوفٌ لِقَيْصَرَ… … .
تَذَكَّرَ وَجْهَهُ المَبْسُوطَ وَهُوَ يُقَطِّعُ الطَّمَاطِمَ إِلَى شَرَائِحَ رَقِيقَةٍ بِحَيْثُ كَانَتْ تَظْهَرُ شَفَّافَةً.
“يُمْكِنُ لِلنَّاسِ التَّقْطِيعُ هَكَذَا”.
بِتَذَكُّرِ كَلِمَاتِ قَيْصَرَ، كَانَ لِي وُون وَاثِقَاً مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ. قِيَادَةُ السِّكِّينِ سَتَكُونُ أَفْضَلَ. لِذَلِكَ بِالطَّبْعِ كَانَ سَيُحْضِرُ سِكِّينَاً وَاحِدَاً عَلَى الأَقَلِّ أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. وَالمُسَدَّسُ الَّذِي يَسْتَخْدِمُهُ بِأَكْبَرِ تَكْرَارٍ هُوَ الغْلُوكْ، لِذَلِكَ أَخْمَنُ أَنَّهُ اخْتَارَهُ.
عِنْدَمَا تَذَكَّرَ المُسَدَّسَ الَّذِي صَنَعَ ثَقْبَاً فِي بَطْنِهِ، خَرَجَتْ شَتِيمَةٌ بِهُدُوءٍ. فِي هَذِهِ الحَالَةِ، كَانَ بِمَقْدُورِهِ تَفْجِيرُ رَأْسِي أَوْ بَطْنِي دُونَ تَرَدُّدٍ بِذَلِكَ اللعِينِ الغْلُوكْ، كَمَا حَدَثَ حِينَهَا.
ضَغَطَ عَلَى بَطْنِهِ النَّابِضِ مُجَدَّدَاً وَضَيَّقَ عَيْنَيْهِ. لَقَدْ عَانَيْتُ كَثِيرَاً أَيْضَاً. بَدَأَ بِالسُّخْرِيَةِ مِنْ أَخْطَاءِ لِي وُون، وَأَحْيَانَاً يُهَدِّدُ بِالِاخْتِطَافِ وَإِطْلَاقِ النَّارِ، وَالآنَ يَتَمَسْكَنُ وَيَطْلُبُ قَلَمَ حِبْرٍ كَهَدِيَّةِ زِفَافٍ.
بَيْنَمَا كَانَتْ ذِكْرَيَاتُ المَاضِي تَنْكَشِفُ مِثْلَ بَانُورَامَا، انْبَعَثَتْ رُوحُ القِتَالِ مُجَدَّدَاً. كَانَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى لِي وُون. سَأُرِيكَ. كَانَ لِي وُون مُصَمِّمَاً وَتَشَبَّثَ سَرِيعَاً بِالأَرْضِ. كَانَ مُنْتَبِهَاً لِمَا حَوْلَهُ، حَتَّى عِنْدَمَا رَكَّزَ اهْتِمَامَهُ عَلَى مَسْحِ الخَرِيطَةِ وَسَجَّلَهَا بِعِنَايَةٍ فِي عَقْلِهِ تَحَسُّبَاً لِأَيِّ طَارِئٍ. كَانَ التَّغْرِيدُ العَرَضِيُّ لِلطُّيُورِ يَرِنُّ بِصَمْتٍ بَيْنَ الأَشْجَارِ المُورِقَةِ.
«هَلْ يُمْكِنُكَ رُؤْيَتُهُ؟»
عِنْدَمَا دَخَلَ دِمِيتْرِي إِلَى الشَّاحِنَةِ، هَزَّ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يُشَغِّلُ الآلَةَ رَأْسَهُ وَنَظَرَ إِلَى الشَّاشَةِ. «أَجَلْ، لَقَدْ حَدَّدَ مَوْقِعَ كُلٍّ مِنَ القَيْصَرِ وَالمُحَامِي».
لَاحَظَ دِمِيتْرِي أَنَّ النُّقَاطَ الحَمْرَاءَ وَالزَّرْقَاءَ كَانَتْ تَشِعُّ عَلَى مَسَافَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَأَشَارَ إِلَى إِحْدَاهَا.
«هَلْ هَذَا هُوَ القَيْصَرُ؟»
«هَذَا صَحِيحٌ. بِهَذَا المُعَدَّلِ، أَعْتَقِدُ أَنَّنَا سَنَرَاهُمَا مَعَاً قَرِيبَاً».
تَحَقَّقَ دِمِيتْرِي مِنَ المَسَافَةِ عَلَى الشَّاشَةِ بِأَعْيُنٍ دَقِيقَةٍ. لَوْ كُنْتُ مَكَانَ قَيْصَرَ عَلَى تِلْكَ المَسَافَةِ، لَكَانَ بِمَقْدُورِي تَتَبُّعُهُ الآنَ بِنَفْسِي وَإِنْهَاءُ كُلِّ شَيْءٍ فِي غُضُونِ 10 دَقَائِقَ فَقَطْ.
لَكِنَّ قَيْصَرَ لَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
فَكَّرَ دِمِيتْرِي بِعَدَمِ رِضَا. تَسَاءَلَ مِمَّا إِذَا كَانَ قَيْصَرُ سَيَكْشِفُ عَنْ طَبِيعَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، لَكِنَّهُ قَالَ “سَأَفْعَلُ ذَلِكَ بِاعْتِدَالٍ”. هَلْ يَعْرِفُ كَلِمَةَ “بِاعْتِدَالٍ” فِي المَقَامِ الأَوَّلِ؟ ظَنَنْتُ أَنَّهُ إِذَا قَبِلَ المُبَارَاةَ، فَسَيَكُونُ ذَلِكَ رَائِعَاً.
“حِينَهَا يَمُوتُ المُحَامِي وَأَكُونُ مُتَحَمِّسَاً”.
لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِي تَفْوِيتُ هَذِهِ الفُرْصَةِ. إِذَا لَمْ يَسْتَخْدِمْ قَيْصَرُ يَدَهُ، فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ يُمْكِنُ فِعْلُهُ، يَجِبُ أَنْ أَكْتُبَ ذَلِكَ بِنَفْسِي. كَانَ السُّؤَالُ كَيْفَ أَفْعَلُ ذَلِكَ دُونَ عِلْمِ قَيْصَرَ. بِالتَّأْكِيدِ، لَوْ عَرَفْنَا ذَلِكَ مُسْبَقَاً، لَتَدَخَّلَ قَيْصَرُ وَلَفَشِلَتِ الخُطَّةُ. يَجِبُ النَّجَاحُ بِطَرِيقَةٍ مَا. بَعْدَ المَوْتِ، لَا يَهُمُّ كَمْ هُوَ قَيْصَرُ، لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَخْرَجٌ.
إِذَا مَاتَ المُحَامِي عَلَى أَيْدِي القَيْصَرِ… … .
ضَيَّقَ دِمِيتْرِي عَيْنَيْهِ. مُجَرَّدُ التَّفْكِيرِ فِي ذَلِكَ جَعَلَ قَلْبَهُ يَنْبِضُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَشَكِ الِانْفِجَارِ.
سَيَكُونُ هَذَا أَفْضَلَ عَرْضٍ لِلْمُشَاهَدَةِ.
* * * … … !
لِلَحْظَةٍ، فَتَحَ لِي وُون عَيْنَيْهِ بِتَفَاجُؤٍ. لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَيْنَ هُوَ لِوَهْلَةٍ. بَعْدَ بِضْعِ ثَوَانٍ فَقَطْ مِنَ التَّوَقُّفِ، عَادَتِ الذَّاكِرَةُ. بَعْدَ أَنْ وَجَدَ مَخْبَأَهُ فِي اليَوْمِ السَّابِقِ، تَكَوَّمَ فِي حَقِيبَةِ النَّوْمِ فِي وَضْعِيَّةٍ غَيْرِ مُرِيحَةٍ وَخَلَدَ إِلَى النَّوْمِ.
عِنْدَمَا تَفَحَّصَ آخِرَ مَشْهَدٍ رَآهُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، امْتَدَّ أَلَمٌ مُوجِعٌ فِي كُلِّ جَسَدِهِ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَنَّ صَفِيرٌ صَغِيرٌ مِنْ خَصْرِهِ وَأَدْرَكَ هُوِيَّةَ الشَّيْءِ الَّذِي أَيْقَظَهُ مِنْ حُلُمِهِ. أَخْرَجَ الرَّادْيُو الَّذِي كَانَ يَعْلَقُ بِثِقْلٍ مِنْ خَصْرِهِ وَشَغَّلَ المِفْتَاحَ، وَبَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، خَرَجَ صَوْتٌ.
«لِي وُون، هَلْ أَنْتَ هُنَا؟»

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!