فصل 5

فصل 5

“هل عادت العمة داينغ لبيع أرز بالكاري؟”

“نعم. إن لم تَبِع هنا، فأين ستبيع؟”

أجاب نيران هِمَّارات بنبرة واثقة. في ذلك اليوم، تدفق طلاب المرحلة الثانوية نحو المقصف في وقت واحد، فاستحال المكان إلى خلية صاخبة؛ حقائب تبعثرت فوق الطاولات لتأكيد الحجز، و صفوف من الطلاب يملؤون الممرات، و ضجيج لا ينقطع. و بفضل سرعة ثيبوك البديهية، ظفروا بطاولة في زاوية المكان، و إلا لكان نصيبهم الجلوس على الأرض الصلبة.

و رغم هذا الزحام الخانق، بقي كشك العمة داينغ كجزيرة مهجورة وسط المحيط؛ شبه خالٍ من الزبائن.

كان نيران يضمر ضغينة عميقة تجاه “آي أوي”، لكنه أدرك أن يده مغلولة؛ فأي شجار جديد سيعني عقاباً لا يرحم. و لم يكن يملك ترف الدخول في أزمات إضافية، خاصة و هو يستعد لمعسكر التطوع الذي يستنزف طاقته بالفعل.

لذا، كفعلٍ من أفعال الوفاء الصامت، ساق جميع أصدقائه سوقاً ليأكلوا عند كشك عمته.

في ذلك اليوم، بدت العمة داينغ منكسرة قليلا، فلم تُحضّر سوى ثلاثة أطباق بسيطة.

“أوه، نيران.. ماذا ستأكل اليوم يا بُني؟” سألت بصوت يقطر لطفا.

أشار نيران إلى أطباقه المفضلة: لحم الخنزير المقرمش المتبل بالملح و الفلفل، حساء الخردل المخلل، و بيضة مسلوقة. كان الطعام لا يزال وفيراً في الأطباق، و نيران يعلم يقيناً أنه إذا لم يُبع اليوم، فسيكون مصيره سلال المهملات. انقبض صدره لهذا الخاطر، و اعتلى وجهه تجهم لم يستطع إخفاءه.

“هل تخاف إلى هذا الحد من أن يكون طعام عمّتك سيئا؟ لماذا هذا الوجه الطويل؟” مازحته العمة محاولة كسر حدة الموقف.

“لا، كْراب. فقط أريد أن تعود الأمور للبيع كما كانت في السابق.”
“مع هذه الشائعات القاسية، سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً بلا شك،” قالتها بنبرة يائسة، كمن يسلم أمره للقدر.

ربما اعتقدت أن الزمن كفيل بمداواة الجراح، لكن نيران رأى الحقيقة بوضوح؛ فقبل أن يداوي الزمن الشائعة، ستكون العمة قد فقدت كشكها و غادرت المدرسة. شعر بمسؤولية ثقيلة تقع على عاتقه، و علم أن عليه التحرك فورا.

“آي ثيبوك.”

“ما الأمر؟”

“لو عزفت موسيقى في المقصف.. هل سيعترض أحد؟”

رفع ثيبوك، نجم نادي الموسيقى، حاجبه باستغراب، و تجمدت ملعقته في منتصف الطريق. و بمجرد أن تلاقت نظراتهما، فهم ثيبوك ما يدور في عقل صديقه المشتعل.

“لا تقل لي إنك…”

“نعم. هل يمكنك المساعدة؟ ألا تشعر بالأسف على عمتي؟ رغم أننا أمسكنا بالفاعل و ألقيته أرضاً، إلا أن الخوف لا يزال يسكن القلوب. لماذا يضيع هذا الطعام اللذيذ سُدى؟”

“ما الذي يحدث هنا؟” سأل هِمَّارات و هو يضع طبقه على الطاولة، بينما اقترب ثارا مائلاً رأسه بريبة.

شرح نيران خطته المرتجلة، فخيم صمت ثقيل و بدأت العقول تعمل.

“أتظن أن غناء آي ثيبوك وحده سيجذب الناس لكشك عمّتك؟ لا أظن الأمر بهذه البساطة،” قال أحدهم مشككا.

عقد نيران ذراعيه بتحدٍ: “و هل تملك حلاً أوقع؟”

“آي نيران، أنت تنسى أنك لست مجرد طالب عادي. إذا أردنا لفت الأنظار، فنحن بحاجة لثقل حقيقي.. لاعب جودو وطني مثلك مثلاً.”

“هل تطلب مني الغناء؟” سأل نيران بهلع.

“لا!” صرخ هِمَّارات بسرعة البرق، و كأن سماع غناء نيران كارثة قومية يجب تجنبها.

ارتعش حاجب نيران انزعاجا، و بدأ يطرق بأصابعه فوق الطاولة بحدة.

“لا تنظر إليّ هكذا.. لم أقل بعد إن صوتك يغرد خارج السرب بشكل كارثي،” حاول هِمَّارات تلطيف الموقف، “أقصد.. أنك ستقدم ‘عناقاً مجانياً’.”

ابتسم نيران ابتسامة صفراء ممتعضة: “عناق مجاني؟ و لماذا أنا تحديدا؟”

“لأنك لا تدرك حجم شعبيتك! هناك طوابير من المعجبين ينتظرون إشارة منك. لو ضحّيت ببعض العناقات، سيأتي الجميع ركضاً، و سينتعش كشك عمّتك مجددا.”

استخدم هِمَّارات كل مهاراته في الإقناع لإنقاذ الموقف بعد زلته بشأن صوت نيران.

“لكن نيران لا يحب التلامس الجسدي مع الغرباء، أليس كذلك؟” تدخل ثارا و هو يرتشف الماء.

أومأ نيران بصمت؛ فبالنسبة له، التلامس الجسدي طقس لا يحبه إلا عند الضرورة القصوى.

“يا آي نيران.. هل ستفعلها أم لا؟ أنت ابن أخ العمة داينغ، لا تترك ثيبوك يواجه الأمر وحده. و أيضاً، ثيبوك يحتاج لصوته من أجل تسجيل عرض تجريبي الليلة.”

تنهد نيران تنهيدة خرجت من أعماق قلبه، ثم نظر لمبتكر فكرة ‘العناق المجاني’.

“حسناً.. سأفعلها.”

“هذه هي الروح التي نحتاجها!”

شعر نيران بقشعريرة تجتاح جسده لمجرد التفكير فيما هو مقبل عليه.

بعد عشر دقائق، عاد فتية نادي الموسيقى محملين بغيتار و مكبر صوت و ميكروفون، و لوحة إعلانية بسيطة. بدأت العيون تترصد المشهد الغريب في قلب المقصف.

كان نيران يغالب توتراً لا يوصف؛ فلم يتخيل يوماً أن “بطل الجودو” سيقف ليوزع الأحضان. و لكنه حين يقرر أمراً، لا يعرف التراجع سبيلاً لقلبه.

“أه.. مرحبا كْراب. أظن أن معظمكم يعرفني، أنا نيران من الصف السادس. أريد أن أشارككم شيئاً صغيرا.”

كان صوته مشحونا بالتوتر، و جسده متصلبا كتمثال، بينما كان أصدقاؤه يحاولون كتم ضحكاتهم بصعوبة.

“لقد سمعتم جميعا تلك الشائعات عن كشك العمة داينغ، و أنا هنا لأؤكد لكم أنها محض افتراء. طعام عمتي هو الأنظف و الألذ. لقد توقفت عن البيع لتهدئة النفوس، رغم أنها لم تخطئ. لا أظن أن عليها دفع ثمن كذبة، و لكن الجودة ستثبت نفسها مع الوقت.”

ساد هدوء مهيب في أرجاء المقصف، و كأن الجميع حبس أنفاسه.

“و لكن.. أحيانا حين يطول الانتظار، نفقد الرغبة في المعرفة و نستسلم. أنا و أصدقائي نرفض أن يغلق هذا الكشك، أو أي كشك يعيل هؤلاء الذين يعتنون بنا؛ من حراس و عمال نظافة و طباخين. إن غادروا، من سيهتم بنا؟ و من سيهتم بهم؟”

ابتلع نيران ريقه بصعوبة.

“لذا، اليوم سنقيم احتفالا صغيرا. طعام عمتي متاح لكم، و كل من يشتري.. سأمنحه…”

تعلقت الأبصار بشفتيه.

“…عناقا مجانيا.”

لثوان، ساد صمت مطبق، ثم انفجر المكان بالتصفيق و صرخات الحماس التي هزت أركان المقصف.

سلم نيران الميكروفون لثيبوك بسرعة، و وقف في مكانه يتأهب لتنفيذ ‘العقوبة ‘التي اختارها لنفسه. في البداية، لم يجرؤ على النظر للطابور، و لكنه لمح فجأة فتى طويلا و نحيلا، يرتدي نظارة طبية و يفيض بالهدوء؛ كان هو الزبون الأول.

“هل لا يحق لي الوقوف في الطابور؟”

“…”

تنهد نيران بعمق، ثم فتح ذراعيه و نظر في عينيه: “تعال.”

و حين رأى تردده، بادر نيران و ضمه إليه بقوة، و ربّت على ظهره بضع مرات بصدق.

“هل يعلم الأخ لماذا تلمع النجوم..؟” همس الفتى فجأة.

“لا أعلم، و في هذه اللحظة لا أريد أن أعلم شيئا،” أجاب نيران بمزاح.

عاد الفتى إلى طاولته، و ظل يراقب نيران بهدوء غامض طوال الوقت.

انتهت الاستراحة، و انتهى معها آخر عناق و آخر طبق كاري. و في المساء، بعد تدريبات الجودو الشاقة، اجتمع الأصدقاء للاحتفال في ‘الكاريوكي’.

“أنا سأغني أولا!” صرخ نيران.

“دع ثيبوك يغني، نحن بحاجة لصوت حقيقي!”

“أنا من يدفع الحساب اليوم، لذا أنا من يفتتح المنصة!”

و بمجرد أن بدأ نيران في الغناء.. انفجر أصدقاؤه في موجة صراخ و ضحك، أما فتى النظارات، فقد بقي ساكنا كتمثال، يراقب نيران و ينصت بتركيز مريب.

اقترب نيران منه و هو يغني بانسجام، منتظرا منه أي رد فعل، و لكن الأغنية انتهت و لم يحرّك الفتى ساكنا.

“هل ستغني مرة أخرى؟” سأل الفتى بهدوء.

“لااااا!” صرخ الجميع في صوت واحد.

“أظنه يغني بشكل جميل كْراب. يمكنه أن يغني مجددا،” قال الفتى بجدية تامة.

ساد الصمت الغرفة، و مال نيران برأسه بنظرة بريئة متسائلا: “أغني بشكل جميل، أليس كذلك كْراب؟” و لم ينتظر ردا، بل أضاف: “و على أي حال.. قبل مئة عام، لا بد أنه كان هناك من يغني خارج اللحن أيضا.”

سقطت الكلمات كالألغاز، و تاه الجميع في محاولة فهم العلاقة بين مئة عام و الغناء السيئ، و كان هِمَّارات أول من استسلم لضحكة هستيرية كادت تخنقه.

“يا إلهي.. هذا مضحك! هل تقصد أن نيران يحتاج مئة عام من التدريب ليتحسن صوته؟”

انفجر الجميع بالضحك، و انضم نيران إليهم متظاهرا بالغضب. و لكن بارنتشيوا.. شحب وجهه فجأة.

“…لم أقصد ذلك حقا.”

و رغم صدقه، إلا أن شعورا بالذنب سكن قلبه تجاه ‘الأخ نيران’.

بعد انتهاء السهرة، تفرق الجميع. لوّح نيران مودعا أصدقاءه، بينما بقي تشيوَا إلى جانبه، يبدو ذابلا و منطفئا كزهرة حرمت من الماء.

لاحظ نيران ذلك بوضوح، و أدرك أن كلمات المزاح قد أصابت قلب الفتى الرقيق.

سار ‘السيد الرياضي’ في المقدمة، يتبعه ‘السيد الفلكي’ في صمت مطبق، عبرا الحديقة العامة حتى وصلا إلى عتبة منزل نيران.

استدار نيران و حدق في العينين المختبئتين خلف النظارة المربعة.
“ستنتظر هنا، أم تدخل لتأخذ قميصك؟”

“…سأنتظر هنا كْراب.”

“ادخل معي، لا مجال للنقاش،” قالها نيران و هو يمسك بمعصمه و يقوده برفق إلى الداخل.

ارتبك بارنتشيوا و تاهت خطواته الطويلة. كان المنزل هادئا، و الأب لم يعد بعد. قاده نيران إلى غرفته، و ألقى حقيبته جانبا، تاركا الآخر واقفا في المنتصف بتصلب.

أخرج نيران القميص؛ كان مغسولا بعناية، معطرا، و جافا تماما.

لاحظ أن عيني تشيوَا معلقتان بملصق على الجدار بتركيز غريب.

“تريده؟” سأل نيران.

“لا كْراب.”

“هذا قميصك. يمكنك شمّه إن أردت.. أضمن لك أنه أنظف من الجديد.”

“…تفاعل ضوء الشمس مع مسحوق الغسيل ينتج تلك الرائحة اللطيفة التي يسمّيها الناس ‘رائحة الشمس’ كْراب،” قالها تشيوَا بجدية علمية مذهلة دون أن يقترب من القميص.

وضع نيران يديه على خصره و راقبه بصمت. أراد سؤاله عن سر طريقته الغريبة في الكلام، لكنه تراجع؛ فهذا الغموض هو ما يمنحه سحره الخاص. راقبه و هو يطوي القميص بقدسية و يضعه في حقيبته، قبل أن تعود عيناه للملصق.

“تريده؟ أنزعه لك الآن.”

“لا أريده كْراب.”

“إذا لماذا تحدق به هكذا؟”

“كنت أتساءل.. هل الأخ نيران معجب بالشخص في الملصق إلى حد تعليقه هنا؟”

“آه.. فقط وجدته رائعا، و الجدار كان خاليا. قلت لنفسي سأستبدله حين أجد شيئا أجمل.”

أومأ تشيوَا متفهما، و اتجه نحو الباب مودعا. و لكنه توقف فجأة، و استدار لينظر لنيران بتلك النظرة المائلة المعهودة.

“ما الأمر؟”

“بخصوص الكاريوكي.. لم أقصد أنك تحتاج مئة عام لتتحسن كْراب. أنا فقط.. أطلت الكلام دون تفكير.”

“كنت أعلم ذلك، لا تقلق. لم آخذ الأمر على محمل شخصي، لماذا ترهق نفسك بالتفكير؟”

“كْراب.”

“يمكنك الذهاب الآن، رافقتك السلامة.”

ودعه نيران و دخل منزله. أما تشيوَا، فقد سار خطوات قليلة ثم التفت للمرة الأخيرة. و حين تأكد أن نيران قد اختفى، خطرت له فكرة مجنونة: هل يبدأ بتعلم العزف على الغيتار ليثير إعجابه؟

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!