مع كلماته الأخيرة كتحذير، غادر الطبيب الغرفة.
بقي لي وون يحدّق في الباب المغلق، ووجهه مثقل بالقلق.
—
شعر بألمٍ حارق في كتفه.
كأنّ النيران تشتعل في جسده كلّه.
كم مضى من الوقت وهو على هذه الحال؟
فكّر قيصر، وعيناه مغمضتان.
آه… لقد أُطلقت عليه النار.
مرّ زمن طويل منذ آخر مرة شعر فيها بهذا.
بشيءٍ من الحنين الغريب، فتح عينيه.
مرّ ضوءٌ ضبابي أمام ناظريه. رمش ببطء… ثم بدأ المشهد يتّضح تدريجيًا.
عينان كبيرتان تفتحان وتغلقان.
شعرٌ طويل، وشفاه صغيرة تلامس جبينه.
انعكس وجهٌ مستدير أمامه بوضوح.
ارتبك قيصر للحظة—
وفجأة، قفز الطفل من فوقه وهو يصرخ:
“فتح عينيه! فتح عينيه! أمي! يا عمّ!”
حدّق قيصر في ظهر الطفل وهو يركض.
كان لا يزال مخدّر الإحساس.
هذا الحمى… لم يشعر بها منذ زمن.
وبينما كان مستلقيًا يرمش ببطء، سمع وقع أقدامٍ مسرعة.
استدار غريزيًا—
فانفتح الباب، وظهر وجهٌ مألوف.
شعر بالارتياح فورًا.
اقترب لي وون بسرعة، ووجهه شاحب، وحدّق فيه بقلق.
“استيقظت؟ كيف تشعر؟”
أزاح خصلات الشعر الملتصقة بجبين قيصر بحذر.
بدا أن وعيه لم يكتمل بعد.
همس قيصر:
“بخير…”
خرج صوته ضعيفًا على غير المتوقع.
عبس قليلًا، فابتسم لي وون بمرارة.
ثم قال:
“إنها تمطر ثلجًا… كما قلت.”
نظر قيصر نحو النافذة.
لم يرَ سوى ظلام الليل… وبياض الثلج يغطي كل شيء.
قال لي وون بصوتٍ منخفض:
“علمتُ أن الرحلات أُلغيت… لا سفن ولا طائرات الآن.”
كان قيصر على وشك الرد—
لكن صوت خطواتٍ ثقيلة قطع حديثهما.
اندفع الباب، ودخل طفل النُزل، يحمل كوب ماء بكلتا يديه.
“تفضل… ماء.”
مدّ الكوب بابتسامةٍ بريئة.
توتر لي وون في داخله، منتظرًا ردّ قيصر.
نظر قيصر إلى الأسفل، ثم حاول النهوض.
“هل أساعدك؟”
لم يجب. جلس وحده.
تراجع لي وون، يراقبه.
نظر قيصر إلى الطفل… الذي ظلّ واقفًا، يمدّ الكوب بصبر.
ثم مدّ يده…
وأخذ الكوب.
حبس لي وون أنفاسه—
لكن قيصر شرب الماء بهدوء.
حتى آخر قطرة.
ثم أعاد الكوب، وقال بصوتٍ آلي:
“شكرًا.”
أشرق وجه الطفل خجلًا وسعادة.
اتّسعت عينا لي وون بدهشة.
ثم قال الطفل ببراءة:
“أنت… مثل ملاك.”
تجمّد قيصر قليلًا.
أضاف الطفل:
“شعرك وعيناك جميلتان… رأيت ملاكًا يشبهك في الكنيسة.”
لم يقل قيصر شيئًا.
اكتفى بمدّ الكوب.
وفي اللحظة التي مدّ فيها الطفل يده ليأخذه—
تحطّمت النافذة فجأة!
صوتٌ مدوٍّ—
وزجاجٌ يتناثر في كل اتجاه.
تحطّم الكوب في يد قيصر.
حدث كل شيء في لحظة.
لكن لي وون شعر وكأن الزمن تباطأ—
شظايا الزجاج…
عينَا الطفل المتسعتان…
الكوب المتحطم…
كلّها مرّت أمامه ببطءٍ مرعب.
جسده لم يتحرّك.
فجأة—
أمسك قيصر رأس الطفل، وضمه بقوة إلى صدره.
ثم قفز من السرير، صارخًا:
“ماذا تفعل؟! انبطح، الآن!”
ارتبك لي وون، ثم انحنى بسرعة واختبأ في الزاوية.
دوّي إطلاق النار تردّد في الغرفة.
رصاص يخترق الجدران.
استمرّ الصوت… ثم توقف.
ساد الصمت.
لم يبقَ سوى صوت الرياح.
هل انتهى؟
رفع لي وون رأسه بحذر—
فرأى قيصر منبطحًا، يحتضن الطفل بإحكام.
كان ينظر عبر النافذة المحطّمة، متأكدًا من توقف الهجوم.
ثم أدار رأسه ببطء.
حينها فقط أدرك…
أنه لا يزال يعانق الطفل.
اتّسعت عينا لي وون.
قيصر… يحمي الطفل.
نظر قيصر إلى الصغير بتعبيرٍ غريب، كأنه لا يفهم نفسه.
أما الطفل…
فما إن أدرك ما حدث، حتى انفجر بالبكاء.
حاول قيصر تهدئته، بطريقةٍ خشنة وغير معتادة.
شعر لي وون بشيءٍ معقّد في صدره.
لم يستطع فعل شيء.
لم يحمِ الطفل…
ولم يحمِ قيصر.
وقف عاجزًا.
لماذا أنا ضعيف إلى هذا الحد؟
عضّ شفتيه.
في تلك اللحظة، اندفع صاحب النُزل وزوجته، ومن خلفهما النزلاء.
“يا إلهي، كاتي!”
“ما الذي حدث؟!”
الفوضى عمّت المكان.
سلّم قيصر الطفل لوالديه دون كلمة.
كانت الأم ترتجف وهي تحتضنه.
ثم—
نظر الجميع إلى الغرفة.
الزجاج المحطم…
آثار الرصاص…
تبدلت نظراتهم.
لم تعد ودّية.
بل… خوف وشكّ.
همسات بدأت تنتشر:
“سمعنا إطلاق نار بالأمس أيضًا…”
“وقيل إن هناك قتيلًا…”
كل الأنظار اتجهت إلى لي وون وقيصر.
فتح صاحب النُزل فمه أخيرًا:
“آسف… هل يمكنكما المغادرة؟ سنعيد لكما المال.”
تجمّد لي وون.
نظر إلى قيصر—
حالته لا تسمح.
“من فضلكم… حتى يتوقف الثلج…”
توقف.
الوجوه من حوله كانت قاسية.
كان واضحًا… أنهم يريدون طردهما بأي ثمن.
خفض رأسه.
ربما القنّاص ينتظرهما في الخارج…
لكن قيصر لم يعلّق.
بهدوءٍ تام، ارتدى بدلته الملطخة بالدم.
وحين ارتدى معطفه—
تراجع الناس عنه فورًا.
تفرّقوا كأنهم يخشونه.
شعر لي وون بمرارة.
لكن قيصر…
لم يهتم.
خطاه كانت ثابتة، وصوتها واضح في الصمت.
بدا وكأن هذا أمرٌ معتاد لديه.
الخوف… الكراهية… العزلة—
كلها لا تعنيه.
في تلك اللحظة، أدرك لي وون شيئًا:
قيصر… وحيدٌ تمامًا.
وحيد… بشكلٍ مخيف.
وبينما كان يمرّ بجانب العائلة—
ركض الطفل فجأة نحوه.
“انتظر!”
حاولت الأم منعه، لكنه أفلت.
ركض إليه، وقال بعينين صافيتين:
“شكرًا، يا عم.”
ساد الصمت.
مدّ قيصر يده…
وربّت على رأسه بخفّة.
ثم…
رحل.
وقف لي وون لحظة، ينظر إلى ظهره.
ثم انحنى قليلًا نحو صاحب النُزل وزوجته، وقال بهدوء:
“آسف.”
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!