فصل 63

فصل 63

فَجْأَةً، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ قَوْلَ شَيْءٍ مَا، تَوَقَّفَ قَيْصَرُ وَنَظَرَ إِلَيْهِ. أَجَابَهُ دِمِيتْرِي وَهُوَ يَنْزَعُ مِعْطَفَهُ بِبُطْءٍ: «كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّنِي سَأَفُوزُ، لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ، إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَائِدُ عَيْنِيّاً، فَالْأَمْرُ تَافِهٌ. لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا سَيَحْدُثُ، هَلْ كُنْتُ سَأَدْفَعُ مِلْيُونَ رُوبِلٍ؟» «أَخْبِرْنِي بِمَكَانِهِ.» شَخَرَ قَيْصَرُ بِغَضَبٍ. فَحَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ مُتَعَلِّقاً بِدِمِيتْرِي، فَإِنَّ الْوَضْعَ حَالِيّاً مُعَقَّدٌ بِمَا يَكْفِي. فَتَحَ دِمِيتْرِي فَمَهُ وَأَغْلَقَ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَدْلُكُ تَجَاعِيدَ جَبْهَتِهِ بِأَطْرَافِ أَنَامِلِهِ. «لَقَدْ غَادَرَ رُوسْيَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟» تَوَقَّفَتِ الْيَدُ الَّتِي كَانَتْ تَدْلُكُ الْجَبْهَةَ. فَتَحَ قَيْصَرُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ إِلَيْهِ، بَيْنَمَا ضَيَّقَ دِمِيتْرِي عَيْنَيْهِ قَائِلاً: «ذَلِكَ الْمُحَامِي، لَا أَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَيْكَ أَبَداً.» اسْتَمَرَّ فِي حَدِيثِهِ بَيْنَمَا كَانَ قَيْصَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ صَارِمٍ. «بَدَا وَكَأَنَّهُ سَيَسْتَقِلُّ الْقِطَارَ. وَكَوْنُهُ ابْنَ لُومُونُوسُوف، فَلَيْسَتْ لَدَيْهِ أَيُّ أَوْهَامٍ أَوْ مَطَامِحَ.» تَحَدَّثَ دِمِيتْرِي بِبُطْءٍ وَهُوَ يَجْلِسُ إِلَى الْمَكْتَبِ: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ؟ إِنَّهُ سَيَخُونُكَ وَيَرْحَلُ.» تَجَمَّدَ وَجْهُ قَيْصَرُ. أَمَالَدِمِيتْرِي جَسَدَهُ إِلَى الْخَلْفِ، ثُمَّ قَرَّبَ وَجْهَهُ مِن نظَرَاتِ قَيْصَرُ الصَّامِتَةِ. اقْتَرَبَ مِنْهُ بِمَا يَكْفِي لِتَتَلَامَسَ الشِّفَاهُ، وَفَتَحَ فَمَهُ. وَارْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ حَوْلَ عَيْنَيْ دِمِيتْرِي النِّصْفِ مُغْلَقَتَيْنِ. «لَقَدْ هَجَرَكَ يَا قَيْصَرُ.» اِمْتَزَجَتْ ضِحْكَةُ دِمِيتْرِي بِهَمْسِهِ الْخَفِيضِ. وَفِي لَحْظَةٍ، تَنَحَّى قَيْصَرُ جَانِباً بِعُنْفٍ، وَانْتَشَلَ مِعْطَفَهُ ثُمَّ هَرَبَ مُسْرِعاً. بَعْدَ أَنْ غَادَرَ قَيْصَرُ عَلَى عَجَلٍ، جَلَسَ دِمِيتْرِي هُنَاكَ لِفَتْرَةٍ. وَبَعْدَ أَنْ أَعَادَ نَظَرَهُ إِلَى حَيْثُ كَانَ قَيْصَرُ جَالِساً، نَهَضَ سَرِيعاً وَعَادَ إِلَى الْمَكْتَبِ. غَاصَ بِجَسَدِهِ فِي كُرْسِيٍّ جِلْدِيٍّ مُرِيحٍ، وَرَفَعَ سَمَّاعَةَ هَاتِفِ الْمَكْتَبِ، ثُمَّ ضَغَطَ عَلَى الزِّرِّ. وَبَعْدَ بِضْعِ رَنَّاتٍ، انْبَعَثَ الصَّوْتُ الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُهُ. فَتَحَ دِمِيتْرِي فَمَهُ مُتَحَدِّثاً بِنَبْرَةٍ رَسْمِيَّةٍ عَمَلِيَّةٍ تَخْتَلِفُ تَمَاماً عَمَّا قَبْلَ. «لَقَدْ رَحَلَ الْقَيْصَرُ. أَوْه، أَجَلْ، بِالْطَّبْعِ. لَقَدْ حَدَّثْتُهُ عَنِ الْمُحَامِي فَهَرَبَ عَلَى الْفَوْرِ. صَحِيحٌ أَنَّ لُومُونُوسُوف وَالْقَيْصَرَ أَقَارِبُ.» صَمَتَ دِمِيتْرِي لِوَهْلَةٍ ثُمَّ تَابَعَ: «يَبْدُو أَنَّ إِضَاعَةَ الْمَزِيدِ مِنَ الْوَقْتِ لَا مَعْنَى لَهَا. لَقَدْ مَنَحْنَاهُمْ مَا يَكْفِي مِنَ الْفُرَصِ.» لَمَعَتْ عَيْنَاهُ بِشِدَّةٍ، وَظَهَرَتِ السُّخْرِيَةُ عَلَى شَفَتَيْهِ: «لَا حَاجَةَ لَنَا بِرَئِيسٍ لَا يَعْرِفُ كِبْرِيَاءَ الرُّوسِ.»
لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ أَثَرٌ لِظِلَالِ الْبَشَرِ عَلَى رَصِيفِ الْقِطَارِ إِلَّا نَادِراً. وَلِحُسْنِ الْحَظِّ، حِينَمَا تَوَارَى جَسَدُ الْعَامِلِ الَّذِي كَانَ يُنَظِّفُ الرَّصِيفَ، لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ سِوَى لِي وُون. نَظَرَ لِي وُون إِلَى الْأُفُقِ الْبَعِيدِ مُمْسِكاً بِحَقِيبَةٍ مَلِيئَةٍ بِالْأَمْتِعَةِ الصَّغِيرَةِ. لَقَدْ أَتَى كُلَّ هَذَا الطَّرِيقِ دُونَ أَنْ وَدَّعَ حَتَّى الْأَشْخَاصَ الَّذِينَ يَعْرِفُهُمْ. وَبَيْنَمَا كَانَ يُفَكِّرُ فِي وُجُوهِ جِيرَانِهِ وَأَصْدِقَائِهِ، لَمَحَ لِي وُون هَيْكَلَ الْقِطَارِ الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُهُ. وَفِيمَا كَانَ يَنْظُرُ، كَانَ الْقِطَارُ الْقَادِمُ مِنْ بَعِيدٍ يَنْدَفِعُ نَحْوَهُ مُسْرِعاً. حَدَّقَ لِي وُون بِشُرُودٍ فِي الْقِطَارِ الَّذِي يَقْتَرِبُ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَدَمٌ. لَا نَدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. لَكِنْ مَرَّةً تِلْوَ أُخْرَى، كَانَ قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِشَكْلٍ غَرِيبٍ جِدّاً. «الْآنَ لَنْ أَعُودَ لِرُؤْيَتِكَ أَبَداً.» إِنَّ سَبَبَ رَحِيلِهِ دُونَ أَنْ يَقُولَ شَيْئاً هُوَ أَنَّهُ جَبَانٌ، أَوْ مَذْعُورٌ، أَوْ كِلَاهُمَا مَعاً. «هَلْ هَرَبْتَ هَكَذَا مِنْ قَبْلُ؟» فَكَّرَ لِي وُون. عَلَى أَيِّ حَالٍ، سَوْفَ أَتَّصِلُ بِكَ. بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ فِي مَدِينَةٍ جَدِيدَةٍ، سَتَكُونُ تَحِيَّةٌ بَسِيطَةٌ كَافِيَةً. لَكِنْ لَيْسَ الْآنَ. «لَعْنَةً.» كَانَ هَذَا حِينَمَا نَفَثَ كَلِمَاتٍ بَذِيئَةً وَهُوَ يُبَعْثِرُ شَعْرَهُ بِعَشْوَائِيَّةٍ. اِلْتَفَتَ لِي وُون بِرَأْسِهِ إِلَى الْخَلْفِ إِثْرَ سَمَاعِهِ لِصَوْتِ خَطَوَاتٍ مُفَاجِئَةٍ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ فِي مَحَطَّةِ الْقِطَارِ الْهَادِئَةِ، بِاسْتِثْنَاءِ لِي وُون وَذَلِكَ الرَّجُلِ. نَظَرَ لِي وُون إِلَى وَجْهِ قَيْصَرُ، الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ كَثِيراً مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ رَآهُ فِيهَا، بِمَلَامِحَ خَالِيَةٍ مِنَ التَّعْبِيرِ. «كَيْفَ أَنْتَ هُنَا؟» كَانَ هَذَا هُوَ الْخَاطِرَ الْوَحِيدَ الَّذِي تَبَادَرَ إِلَى ذِهْنِهِ. وَفِي عَيْنَيْ لِي وُون، الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ، رَآهُ يَتَحَرَّكُ. كَانَ الرَّجُلُ يَقْتَرِبُ بِخُطُوَاتٍ وَاسِعَةٍ ثُمَّ سَحَبَ سِلَاحاً. صَوَّبَ السِّلَاحَ نَحْوَهُ وَضَغَطَ عَلَى الزِّنَادِ. كَانَ لِي وُون يُشَاهِدُ كُلَّ شَيْءٍ بِبُطْءٍ كَمَا لَوْ كَانَ بِالْعَرْضِ بَطِيءٍ. طَاقْ! اِمْتَدَّ شُعُورٌ بِاللَّسْعِ مَعَ الدَّوِيِّ الْقَوِيِّ لِلرَّصَاصِ الَّذِي تَرَدَّدَ صَدَاهُ فِي أُذُنَيْهِ. … … أُوه… ؟ وَبَيْنَمَا كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْأَسْفَلِ، كَانَ اللَّوْنُ الْأَحْمَرُ الَّذِي بَدَا كَقَطْرَةِ مَاءٍ صَغِيرَةٍ عَلَى كَتِفِهِ يَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيّاً إِلَى لَوْنٍ أَقْتَمَ وَيَتَّسِعُ. وَقَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ سَمَاعِ أَوْ شُعُورٍ بِالْأَلَمِ، دَوَّتِ الرَّصَاصَةُ التَّالِيَةُ. وَكَمَا هُوَ، طَارَ جَسَدُ لِي وُون بَعِيداً. وَقَعَتْ رِجْلُهُ فِي مَدَى رُؤْيَتِهِ وَهُوَ يَتَدَحْرَجُ بِأَلَمٍ عَلَى الْأَرْضِ. وَمَا إِنْ لَمَعَ فَخِذَاهُ الْمُخَضَّبَانِ بِالدِّمَاءِ فِي عَيْنَيْهِ، حَتَّى كَانَ قَيْصَرُ، الَّذِي كَانَ يَتَقَدَّمُ بِخُطُوَاتٍ وَاسِعَةٍ، يُصَوَّبُ سِلَاحَهُ نَحْوَهُ مُجَدَّداً. نَظَرَ لِي وُون إِلَى قَيْصَرُ وَقَالَ وَهُوَ يَعْقِدُ حَاجِبَيْهِ: «كُنْتُ أُحَاوِلُ الِاتِّصَالَ بِكَ.» اِبْتَسَمَ قَيْصَرُ. «مَتَى؟» لَمْ يَكُن_ لَدَى لِي وُون مَا يَقُولُهُ. ضَيَّقَ قَيْصَرُ عَيْنَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ. «أَنْتَ مَنْ جَعَلَنِي هَكَذَا.» اِمْتَدَّ هَمْسٌ خَفِيضٌ كَأَنَّهُ زَفِيرٌ. وَمَا إِنِ الْتَقَتْ عَيْنَاهُ الْمُبَلَّلَتَانِ بِالْقَتَامَةِ الَّتِي تُشْبِهُ اللَّوْنَ الرَّمَادِيَّ الْمَحْبُوبَ الْمَمْزُوجَ بِالثَّلْجِ، حَتَّى تَوَقَّفَ لِي وُون عَنِ التَّنَفُّسِ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، ضَغَطَ قَيْصَرُ عَلَى الزِّرِّ أَوْ الزِّنَادِ. طَاقْ! مَعَ الرَّصَاصَةِ الْأخِيرَةِ الَّتِي سَقَطَتْ كَالرَّعْدِ، فَقَدَ لِي وُون وَعْيَهُ.
أَلَمٌ حَارِقٌ يَغْمُرُ جَسَدَهُ بِالْكَامِلِ. كَانَ حَلْقُهُ جَافّاً وَيَنْبِضُ بِشِدَّةٍ. أَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ جَسَدِي يَحْتَرِقُ… عِنْدَمَا فَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَهُوَ يَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهُ بِصُعُوبَةٍ، لَمْ يُدْرِكْ لِي وُون أَيْنَ كَانَ لِفَتْرَةٍ مِنَ الْوَقْتِ. كَانَ السَّقْفُ يَدُورُ، وَالْأَرْضُ تَتَأَرْجَحُ، وَالْهَوَاءُ كَانَ بَارِداً. لَمْ يَمْضِ وَقْتٌ طَوِيلٌ بَعْدَ أَنْ أَعَادَ إِغْلَاقَ عَيْنَيْهِ حَتَّى أَدْرَكَ أَنَّهُ هُوَ مَنْ كَانَ يُعَانِي مِنَ الْمُشْكِلَةِ. «آه.» عَقَدَ لِي وُون حَاجِبَيْهِ وَعَضَّ عَلَى شَفَتِهِ. شَعَرَ بِإِحْسَاسٍ غَرِيبٍ فِي جَسَدِهِ. كَانَتْ حَالَتُهُ سَيِّئَةً لِدَرَجَةٍ يَصْعُبُ مَعَهَا مَعْرِفَةُ مَاهِيَّةِ هَذَا الْمَكَانِ الْغَرِيبِ. وَبَعْدَ أَنْ حَرَّكَ خَصْرَهُ لَا إِرَادِيّاً، فَتَحَ لِي وُون عَيْنَيْهِ عَلَى إِثْرِ إِحْسَاسٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ دَاخِلَ جَسَدِهِ. شَعَرَ وَكَأَنَّ شَيْئاً مَا يُدَاعِبُ أَمْعَاءَهُ. وَبَيْنَمَا كَانَ ذَلِكَ الْجِسْمُ الْغَرِيبُ الْمَوْجُودُ فِي الْأَسْفَلِ يَلِجُ وَيَحُكُّ دَاخِلَهُ بِرِفْقٍ، أَصْبَحَ مَدَى رُؤْيَتِهِ أَكْثَرَ سُطُوعاً مِمَّا قَبْلُ، لَكِنَّ شُعُورَ الْإِثَارَةِ فِي جَسَدِهِ كَانَ لَا يَزَالُ قَائِماً. وَعِنْدَمَا أَخَذَ لِي وُون نَفَساً عَمِيقاً وَرَمَشَ دُونَ فَهْمٍ، جَاءَ صَوْتٌ مَأْلُوفٌ مِنْ فَوْقِهِ. «لَقَدِ اسْتَيْقَظْتَ.» فَتَحَ قَيْصَرُ فَمَهُ بِصَوْتٍ بَارِدٍ بِمَا يَكْفِي لِتَجْمِيدِ جَسَدِهِ بِالْكَامِلِ. كَانَ رُؤْيَتُهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَعْلَى صَادِمَةً، لَكِنَّ الْأَكْثَرَ صَدْمَةً لِـلِي وُون هُوَ أَنَّهُ كَانَ عَارِياً تَمَاماً. وَلَمْ يَكُنِ الْعُرْيُ وَحْدَهُ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ، بَلْ كَانَا عُورَاتٍ مُتَلَاصِقِينَ جَبْهَةً لِجَبْهَةٍ عَلَى السَّرِيرِ. رَمَشَ لِي وُون عِدَّةَ مَرَّاتٍ بِذُعْرٍ وَحَاوَلَ اسْتِيعَابَ الْوَاقِعِ الْحَالِيِّ. رُبَّمَا كَانَ هَذَا حُلْماً يَسْعَى فِيهِ لِلْهُرُوبِ مِنَ الْوَاقِعِ لِلَحْظَةٍ، لَكِنَّ الْأَلَمَ الَّذِي شَعَرَ بِهِ فِي كُلِّ جَسَدِهِ كَانَ حَقِيقِيّاً جِدّاً. عِنْدَهَا، تَذَكَّرَ لِي وُون أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِلْإِطْلَاقِ. «مَا هَذَا… !» مَرَّتْ شَهْقَةٌ مَذْعُورَةٌ. رَفَعَ لِي وُون رِجْلَهُ عَلَى الْفَوْرِ وَرَكَلَ قَيْصَرُ. دَوَى صَوْتٌ مَكْتُومٌ وَانْزَلَقَ شَيْءٌ مَا مِنْ دَاخِلِ جَسَدِهِ إِلَى الْخَارِجِ. حَبَسَ لِي وُون أَنْفَاسَهُ دُونَ قَصْدٍ إِثْرَ الشُّعُورِ بِأَنَّ مَعِدَتَهُ صَارَتْ فَارِغَةً لِلَحْظَةٍ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُتَّسَعٌ لِلتَّرَدُّدِ، كَزَّ لِي وُون عَلَى أَسْنَانِهِ وَنَهَضَ سَرِيعاً. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، أَمْسَكَهُ قَيْصَرُ مِنْ كَاحِلِهِ مِنَ الْخَلْفِ وَسَحَبَهُ نَحْوَ الْأَمَامِ. «آآآه-!» اِنْدَلَعَتْ صَرْخَةٌ يَائِسَةٌ مِنْ أَعْمَاقِ حَلْقِهِ. وَانْتَشَرَ أَلَمٌ فَظِيعٌ فِي جَسَدِهِ بِالْكَامِلِ. تَحَمَّلَ لِي وُون الْأَلَمَ الدَّوَّارَ وَهُوَ يَقْبَعُ مُسْتَلْقِياً عَلَى وَجْهِهِ يَلْهَثُ. وَمِنْ فَوْقِهِ، تَحَدَّثَ قَيْصَرُ كَعَادَتِهِ بِنَبْرَةٍ لَا مُبَالِيَةٍ: «مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ تَكُونَ هَادِئاً. كَانَ بِمَقْدُورِي أَنْ أَتْرُكَكَ مُقْعَداً لِبَقِيَّةِ حَيَاتِكَ.» عِنْدَ ذَلِكَ، الْتَفَتَ لِي وُون سَرِيعاً وَتَفَقَّدَ سَاقَيْهِ. كَانَتِ الضِّمَادَاتُ السَّمِيكَةُ قَدْ غَرِقَتْ بِالْفِعْلِ فِي الدِّمَاءِ. وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هُوَ الْمَكَانَ الْوَحِيدَ الَّذِي يُؤْلِمُهُ، فَحَتَّى مَعِدَتُهُ الْمَقْطُوعَةُ الْمَثْقُوبَةُ كَانَتْ تُؤْلِمُهُ بِشِدَّةٍ لِدَرَجَةِ أَنَّهُ كَانَ يَفْقِدُ وَعْيَهُ مَعَ كُلِّ نَفَسٍ يَأْخُذُهُ. كَزَّ لِي وُون عَلَى أَسْنَانِهِ وَبَقِيَ حَابِساً أَنْفَاسَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى قَيْصَرُ. «أَتَدْرِي مَا الَّذِي أَفْعَلُهُ الْآنَ؟ هَذَا اخْتِطَافٌ.» قَالَ قَيْصَرُ بِلَا مُبَالَاةٍ: «سَوْفَ أَعْتَصِبُكَ.» فِي لَحْظَةٍ، قَشْعَرَّ جَسَدُ لِي وُون بِالْكَامِلِ. هَلْ هَذَا الرَّجُلُ جَادٌّ؟ وَبِعَيْنَيْنِ مُتَّسِعَتَيْنِ، اقْتَرَبَ قَيْصَرُ مِنْهُ وَهُوَ مَا يَزَالُ مُتَخَشِّباً فِي مَكَانِهِ. وَعِنْدَمَا حَاوَلَ التَّرَاجُعَ لَا إِرَادِيّاً كَرَدِّ فِعْلٍ، أَمْسَكَ قَيْصَرُ عَلَى الْفَوْرِ بِالسَّاقِ الْمُصَابَةِ لِـلِي وُون وَسَحَبَهَا نَحْوَ الْأَسْفَلِ بِعُنْفٍ. صَرَخَ مُجَدَّداً مِنَ الْأَلَمِ الَّذِي لَا يُطَاقُ. كَزَّ لِي وُون عَلَى أَسْنَانِهِ وَالدُّمُوعُ فِي عَيْنَيْهِ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ أَيُّ نِيَّةٍ لِإِظْهَارِ جَانِبِهِ الضَّعِيفِ حَتَّى لَوْ مَاتَ. كَانَ يَشْعُرُ بِقَيْصَرُ يَقْتَرِبُ مِنْ خَلْفِهِ. قَبَضَ لِي وُون بِيَدِهِ الَّتِي لَا تَزَالُ سَلِيمَةً وَوَجَّهَهَا نَحْوَ قَيْصَرُ لِيَلْكُمَهُ، لَكِنَّهُ لِلْأَسَفِ فَشَلَ وَأُمْسِكَ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ مِنَ الْكَتِفِ الْمُقَابِلِ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، ضَغَطَ قَيْصَرُ بِشِدَّةٍ عَلَى كَتِفَيْهِ فَوْقَ ضِمَادَةٍ سَمِيكَةٍ. فِي لَحْظَةٍ، فَقَدَ لِي وُون وَعْيَهُ. فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى الَّتِي خَاضَ فِيهَا تَجْرِبَةَ الْإِغْمَاءِ، لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ حَتَّى مَا الَّذِي حَدَثَ لَهُ. وَهُوَ يَعْقِدُ حَاجِبَيْهِ، تَتَبَّعَ ذَاكِرَتَهُ بِفَزَعٍ، وَخَارَتْ قُوَى سَاقَيْهِ مِنْ تَحْتِهِ. وَلِلَحْظَةٍ، دَاخَلَ لِي وُون الْفَزَعُ وَالذُّهُولُ.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!