فصل 04

فصل 04

“سيو ييهيون. سيو ييهيون، استيقظ”.
لم أكن أعلم متى استسلمتُ للنوم، لكنني كنتُ مكوراً على الأرض العارية، وما زلتُ أرتدي نفس الملابس التي ذهبتُ بها إلى المرفأ. كان “هاني” هو من هزني ليوقظني. وفي عتمة الليل، كانت عيناه تشعان ببريق غير معتاد؛ بريق يوحي بأن أمراً استثنائياً على وشك الحدوث.
كان الليل قد انتصف، ولم يكن يصل إلى الغرفة سوى وميض خافت من مصباح الصوديوم المعلق فوق البوابة الرئيسية. في هذه الأثناء، كان المنزل قد غرق في صمت تام، وشعرتُ بأن المطر قد بدأ يهطل. لم يكن هناك أي صوت تقريباً للمطر، فقط رائحة الجو هي التي تغيرت.
“حزم ما تحتاجه الضرورة القصوى فقط، وبسرعة”.
تحدث “هاني” بمسارعة وبصوت منخفض.
“ستكون موراي في انتظارنا في مكتب الهيونغ (الأخ الأكبر) ‘جاي-يون’. ومن هناك سننطلق إلى سيول بسيارته”.
كان “جاي-يون” هو صاحب مدرسة ركوب الأمواج، وصديقاً مقرباً لكل من “موراي” و”هاني”. وكان “هاني” يعمل مدرباً هناك قبل التحاقه بالجيش، وحتى بعد تسريحه، كان يعطي أحياناً دروساً مؤقتة هناك لكسب بعض المال.
لقد كانت هذه خطة نعد لها منذ وقت طويل جداً، منذ أيام المدرسة الثانوية. قررنا أنه إذا وصلت الأوضاع يوماً إلى نقطة اللآعودة—حيث يستحيل أن يتحسن أي شيء—فإننا سننفذ هروبنا.
شعرتُ بغرابة قليلًا لكوني جزءاً من هذا الهروب، الذي يشبه إلى حد ما فراراً عاطفياً بين عاشقين، لكنهما أدرجاني في الخطة منذ البداية، وكأن مشاركتي هي الأمر الأكثر طبيعية في العالم.
لم يكن أحد يطلب مني الرحيل، ولم يكن أحد يضغط علي لأفترق عن حبيب، ومع ذلك فإن حقيقة أنه لا يوجد ما ينتظرني هنا أصبحت هي السبب وراء هروبي. لم يكن لدي سبب للمغادرة، ولكن مجدداً، لم يكن لدي سبب للبقاء أيضاً.
لقد بدأ الأمر كله كحديث نصف مازح. في أيام الثانوية، مستلقين على الشاطئ ونحن نضحك بينما نغزل هذه الخطة السخيفة الجديرة بفيلم هوليوودي منخفض الميزانية، لم نكن نظن أبداً أن اليوم الذي سنضعها فيه قيد التنفيذ سيتجلى واقعاً.
تحركت يداي ويد “هاني” بخفة ونحن نختار ما سنضعه في حقيبتي الظهر الصغيرتين. لم يكن هناك شيء نملكه ثميناً لدرجة تجعلنا نتمسك بأخذه معنا حتماً. ومن درج مليء بالقمصان المخططة فقط، التقطتُ بضعة قمصان (تيشرتات) وبعض الملابس الداخلية.
أخيراً، حشر “هاني” أحد كتب القصص المصورة المفضلة لديه في حقيبته، وأغلق السحاب، ثم وقف. تردد للحظة أمام الصورة المعلقة على الحائط، ثم انتزعها، وطواها إلى نصفين، ودسها في جيب سترته.
المنزل، الذي يتكون من ثلاث غرف مرتبة في صف واحد تواجه البحر، كان قد خضع لترميم حديث قبل سنوات، لكن بنيته الأساسية ظلت كبنية البيوت الكورية التقليدية. فتحنا الباب الانزلاقي بحذر وخطونا نحو الشرفة الخشبية المرتفعة، المغطاة الآن بالحجر والإسمنت.
وكما كان متوقعاً، كان هناك رذاذ خفيف من المطر يتساقط. ونسمة البحر التي تلامس بشرتنا المكشوفة بدت أبرد من المعتاد. كانت برودة مزعجة جعلت أسفل عنقي يتشنج.
عبرنا الفناء متجشمين ذلك الرذاذ المزعج. أشار إليّ “هاني” بالإيماء أن نتسلق الجدار بدلاً من فتح البوابة الرئيسية. لم يكن الجدار عالياً جداً، وبدا ذلك أفضل من إحداث ضجة بفتح البوابة.
وبينما بدأنا نسير نحو الجدار، انفتح باب في جانب البيت الرئيسي خلفنا. كان ذلك صوت باب انزلاقي يُدفع إلى الخارج من الداخل. توقفنا غريزياً والتفتنا ببطء إلى الوراء.
لقد كان والدي.
في تلك العتمة، حيث لا يُسمع سوى صوت الأمواج التي لا شكل لها، كان والدي يجلس داخل الغرفة، ممسكاً بمقبض الباب ومحدقاً باتجاهنا.
كنتُ أنا و”هاني” نقف تحت المطر بعد منتصف الليل، يحمل كل منا حقيبة ظهر، ودون مظلة. كان بإمكان أي شخص أن يدرك أننا لم نكن في نزهة عابرة لاستنشاق بعض الهواء في الحي.
كيف ستكون ردة فعل والدي؟
في لمح البصر، حطت حبات العرق على جبيني وسرت قشعريرة أسفل عمودي الفقري. وشعرتُ بقلبي يخفق بشدة وكأنه سينفجر.
في هذه اللحظة بالذات، كان كل انتباهي مشدوداً إلى شفتي والدي، بدلاً من التفكير في نجاح هروبنا أو فشله. ولم يكن ذلك بسبب الإحباط من كوننا ضُبطنا.
السنوات الخمس الماضية… شفتاه اللتان قادتاني إلى التخلي عن الأمل بعد أن أوقفتا أخيراً دوامة التوقع والعتب. لقد أصبح الصمت أمراً لا يُطاق، ومع ذلك، كنتُ أنا أيضاً أتحول إلى شخص يتشرب الصمت، والأكثر اعتياداً عليه.
أبي…
“ييهيون-آه، لنذهب”.
تساءلتُ كم من الوقت مر ونحن واقفون هناك تبتلنا مياه المطر. وضع “هاني” يداً على كتفي. لم تكن تلك إيماءة للاستعجال، بل لا بد أنه عرف بمَ كنتُ أفكر وبماذا كنتُ أشعر.
غيرنا رأينا وفتحنا البوابة الرئيسية بدلاً من تسلق الجدار.
البوابة الحديدية، التي طال عهدها دون زيت وتآكلت بسهولة بفعل نسيم البحر، انفتحت بصرير حاد. انسل “هاني” إلى الخارج، وتبعته خطوة بخطوة متجاوزاً عتبة البوابة. وبقلب يملأه الأسى والالتفات أكثر من قلب امرأة لوط وهي تغادر سدوم، التفتُّ إلى الوراء مرة أخيرة.
*إلى أين تذهبان؟ لا تذهبا.*
لكن والدي، في النهاية، لم يقل شيئاً على الإطلاق.

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!