”إلى أي مدى يقصد بـ (بجانب القلب)، هاه؟”
”ما خطبك؟” تذمر جيت. تنهدتُ و لوحت بيدي مستخفا لأخبره أن ينسى الأمر. إنه عديم الفائدة كالعادة، الشيء الوحيد الذي يجيده هو الرسم. أجل، مثلي تماما.
”ما مشكلتك الآن يا رجل؟”
“هل سبق و استمعت إلى أغنية (أن أكون لك كل شيء، حتى لو لم أستطع أن أكون ملكك)؟”
”واو، هل هذا حقا عنوان أغنية؟” هز كل من باي و جيت رأسيهما بشدة. أنا أيضا لم أسمع بها من قبل، لكن الليلة الماضية قام تشين بتشغيلها في الغرفة بينما كنا نعمل بشكل منفصل. كنت أجلس هناك عاري الصدر و أنا أرسم، بينما كان هو يجلس بسماعات الرأس، ينقر على حاسوبه، رافضا تناول أي شيء.
لكنه بعد ذلك، خلع سماعات الرأس.
“دوانغ.”
“أجل؟”
“استمع.”
و بدأت تلك الأغنية ذات العنوان الطويل بشكل يثير السخرية— أطول من بعض عناوين الروايات التي رأيتها في المكتبات— بالعمل و ظلت تتردد في رأسي. سؤالي الأول كان عما إذا كان قد قام بتشغيلها لأنها أغنية جيدة أم لأنها تعني شيئا ما.
لكن، حسنا، محاولة فهم تشين أصعب من فهم أي شخص آخر في العالم.
”ماذا كانت الكلمات؟”
“أتذكر سطرا واحدا فقط. يقول: (الصديق الذي بجانبك، مهما كان جيدا، فهو مجرد شخص بجانب قلبك).”
“منطقة الصديق (Friend zone).”
“تؤلم كالجحيم.”
“بالضبط.”
”من الذي جعلك تستمع إلى ذلك؟ لماذا هي محبطة هكذا؟ اسمع لهذا— (مهما كان جيدا، فهو مجرد شخص بجانب قلبك). يا صاح، تلقي ركلة في الوجه سيكون أقل إيلاما من هذا السطر. جديا.”
”جيت لديه وجهة نظر.” أطلقت تنهيدة أطول. ربما أنا فقط أبالغ في التفكير. لا عجب أن تشين يقول دائما إنني درامي مثل الفتيات.
صدقا، أنا لا أبالغ في التفكير في أي شيء آخر— الأمر يتعلق به فقط.
”إذا، من أعطاك الأغنية؟”
“تشين، بوضوح.”
”تبا، هذا صعب. ربما قام بتشغيلها فقط لأنها أغنية جميلة؟” قال جيت و هو يمضغ وجبة خفيفة. فم هذا الفتى لا يفرغ أبدا— يأكل كالأبطال. يجب أن أسجله في إحدى مسابقات الأكل التنافسية التي يحب باي مشاهدتها.
”أنت فقط تبالغ في التفكير يا رجل. لماذا لا تسأله مباشرة؟”
“واو، أجل، لأن ذلك لن يكون محرجا على الإطلاق،” قلت بحدة.
“لقد سألته بالفعل إن كان بإمكانك ملاحقته.”
“كان ذلك منذ عام تقريبا، و أنت لا تزال عالقا في نفس المكان.”
”أيها الأحمق، لقد مرت ستة أشهر فقط!” جادلت بضراوة. الوقت يختبر كل شيء يا صاح. حتى لو استغرق الأمر حتى أبلغ الستين، طالما أن الوجهة هي نفسها، سأنتظر.
”بالمناسبة، ألم يكن من المفترض أن تذهب إلى مكان ما في الساعة 6:15؟ لقد مرت خمس دقائق بالفعل.”
“سحقا!”
“بالتأكيد سيذهب ليقل تشين، لا شك في ذلك.”
“خدمة مع ابتسامة.”
”قطرة الماء تنخر الصخر كل يوم— باستثناء أن الصخر يناديك بسائقه.” رفعت قدمي نحو أصدقائي قبل أن أهرع إلى السيارة.
أعرف مدى انضباطه في المواعيد— يصل دائما مبكرا. و ها أنا الآن، متأخر عن موعد اصطحابه.
تنهدت. صدقا، كانت الأمور فوضوية منذ الليلة الماضية بعد انتهاء الأغنية. ذهب للنوم قبلي لأنني كنت لا أزال أعمل. لم أنم حتى الساعة الثالثة صباحا تقريبا. عندما انسللت تحت البطانية، استيقظ بما يكفي ليمسح على رأسي مرتين. و بحلول الوقت الذي استيقظت فيه، كان قد ذهب بالفعل إلى الفصل. لم نتبادل سوى قليل من الرسائل النصية— معظمها حول ذهابي لاصطحابه حتى نتمكن من تناول العشاء معا.
يوم معه بسيط.. مثل الأصدقاء تماما. أجل، مثل ذلك ‘الصديق الذي بجانبك’ الذي ذكرته الأغنية.
”هيي، آسف لأنني تأخرت.”
“لا بأس.” هز رأسه، و هو يطفئ سيجارته قبل أن ينحني ليرمي العقب في سلة المهملات بشكل صحيح. خفف ضوء النهار الأخير بشرته الشاحبة، مما جعلها تتوهج. ابتسمت بهدوء— كان يرتدي خفه المعتاد مفتوح الظهر، و قميصا مجعدا، و قد جاء إلى الفصل و لا يحمل شيئا سوى قلم أزرق واحد.
لطيف جدا.
“هل انتظرت طويلا؟”
“غادر أصدقائي قبل دقيقة واحدة فقط. انتهيت من سيجارتي تماما كما ظهرت أنت.”
“كم سيجارة اليوم؟”
”ثلاث،” عد على أصابعه قبل أن يجيب و نحن نمشي جنبا إلى جنب نحو السيارة. مددت يدي لأبعد الشعر الذي يغطي عينيه و أخبرته برقة أن ذلك سيجعل عينيه تحمران.
ألقى كلمة “شكرا” مقتضبة قبل أن يقترب أكثر، و قد لامس أنفه الجزء العلوي من ذراعي.
”هذا عطري.”
“هه.”
“غير معقول.”
“استخدمت القليل فقط.”
”رائحتنا أصبحت متشابهة الآن،” تمتم مثل طفل بعد أن شم نفسه.
لذا، ضغطت أنفي خلسة على كتفه. كانت رائحة ذلك العطر، ممزوجة ببرودة خفيفة من دخان السجائر.
”سلس حقا.”
“مجرد القليل، دوانغ افتقدك. لم تخبرني حتى أنك ذاهب إلى الفصل.”
“كنت نائما و كأنك ميت،” دحرج تشين عينيه.
“حقا؟”
“أجل، حتى أنني قرصتك، و لم تشعر بشيء.”
اتسعت عيناي، و توقفت في منتصف الطريق لأسأله بصوت مذهول. “ماذا؟ أين قرصتني؟”
“وجنتك،” أجاب بتعبير فارغ، لكن قلبي كان ينبض بشدة في صدري. لو كان هذا فيلما رومانسيا، لكنت تلك الفتاة الخجولة المعجبة بالشخص البارد الذي يلمس وجنتي سرا و أنا نائم. يا للهول.
”لماذا؟”
“أنت— لقد لمست وجنتي حقا؟”
“قرصت. لقد قرصت.”
“نفس الشيء.”
“القرص يكون هكذا.”
تأوهت عندما قرص وجنتي بالفعل، لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد.. كدت أنسى كيف أتنفس عندما قال، بصوت دافئ، بينما كانت أصابعه الباردة تلامس بشرتي، و تتتبع وجنتي برقة: “و هذا هو اللمس.”
هل يمكنني الصراخ؟ إنه لطيف بشكل لا يصدق.
”أنت رقيق جدا.”
“أنت الرقيق! تهرب هكذا.”
مازحته لأنني لم أستطع كبح الابتسامة العريضة التي انتشرت على وجهي و هو يقف هناك يفرك وجنتي. عندما تلاقت أعيننا، شتمني و مشى للأمام بخطوات خفيفة.
خجول، هاه؟ هذا الفتى.
”هيي، يا شخصي المفضل، انتظرنيييي!”
“صوتك عال جدا.”
“يا شخصي المفضل!~”
“هل تريد أن تموت؟” سأل تشين، متظاهرا بالصرامة، لكن بالطريقة التي أراه بها، هو مجرد قط منفوش يحاول التصرف بصلابة. هززت كتفي، و فتحت باب جانب السائق، و ركبت السيارة. أطلق زفيرا ناعما عندما ضربه الهواء البارد— إنه يكره الحرارة، رغم أنه بارد الملمس دائما.
نظرت إليه و هو يربط هاتفه بالبلوتوث لتشغيل الموسيقى. و بعد فترة وجيزة، بدأت نفس اللحن المؤثر من الليلة الماضية في العمل.
جديا؟
”ألم تعجبك؟”
“لـ لا.”
“أنت مرتبك.”
“لست كذلك.. الأمر فقط— لماذا تشغل هذه الأغنية مجددا؟ هذه هي المرة الثانية.”
“و ماذا في ذلك؟”
“تجعلني أبالغ في التفكير.”
“أبالغ في التفكير في ماذا؟ هل أنا لعبة لكي أجلس هنا و أخمن؟”
“هيا، أنت تجعلني أخمن كل شيء عنك أيضا.”
“إذا أردت أن تعرف، فقط اسأل. توقف عن المبالغة في التفكير.. توقف عن تخيل الأشياء،” وبخني، مما جعلني أنكمش في مقعدي.
عندما تحول ضوء الإشارة إلى اللون الأحمر، نظرت إليه— لأجده ينظر إلي بالفعل. و كأنه كان ينتظر السؤال، و كشفت عيناه أنه سيجيب حقا— على كل سؤال كنت على وشك طرحه.
”الأغنية تبدو و كأنها منطقة صديق.”
“لم تكن يوما صديقي.”
“واو.”
“أخبرتك مئة مرة، أنت شخصي المفضل.”
“لا تحاول حتى— أنا أعد، حسنا؟ لقد قلتها بضع مرات فقط. مرة واحدة، لنكون دقيقين.”
“أخبرتُ أشخاصا آخرين.”
“…”
“ماذا؟ أنا لم أخفِ ذلك أبدا. إذا سألني الناس، أخبرهم. أنت ملتصق بي دائماً على أي حال.”
بدأت أشعر بالحرارة و مددت يدي لأرفع تكييف الهواء. سمعته يضحك بهدوء، و كأنه يمازحني لكون مناعتي ضعيفة جدا. أجل، حسنا، عندما يتعلق الأمر بالمناعة ضده، لم أمتلك أي واحدة يوما.
”سمحت لك بالاستماع إليها لأنها أغنية جيدة. ليست تجارية— الكلمات جميلة، و اللحن رائع.”
“و ها أنا هنا أبالغ في التفكير.”
“أي جزء من الكلمات أثر فيك كثيرا؟”
“هذا الجزء— (مجرد صديق لك، هذا كل ما أنا عليه. مهما كنت جيدا، لا أزال مجرد الشخص الذي بجانبك).”
”همم، حسنا.”
“لا تحلل كل شيء و كأنك طفل قوي هنا، حسنا؟ نحن نتحدث عن أشياء حساسة! أنا ماء، و أنت صخر— لن تفهم، همم؟”
وضعت يدي على رأسه و هززته بمزاح. نفض يدي برقة قبل أن يضرب كتفي بقوة و يخبرني أن أركز على القيادة.
“توقف عن استخدام تلك النكتة— (قطرة ماء تنخر الصخر)— جديا؟”
“حسنا، ماذا يقول الصخر؟ أجب على ذلك أولا.”
“يقول الصخر: (أنا جائع. قد بسرعة أكبر).”
“واو، أنت تسايرني حقا!”
“أيها الأحمق.”
ضحكت بهدوء. شعرنا و كأننا نجلس أقرب لبعضنا البعض، رغم أننا لم نتحرك بوصة واحدة. كل شيء شعر بالتميز عندما يتعلق الأمر به. حتى العادي أصبح أكثر الأشياء تميزا.
”لكن في الواقع، هناك جزء واحد من الأغنية يناسب الواقع حقا،” قلت و أنا أراقب الشمس و هي تختفي ببطء في الأفق. لم أكن أعرف حتى ما إذا كان تشين ينظر إلي.. و لكن في اللحظة التالية—
“سأكون لك كل شيء، حتى لو لم أستطع أن أكون ملكك.”
وضع يده على فخذي و كأنه يقول— “إذا لم تحبني، فلا بأس بذلك.”
إنه لا يزال هنا. على الأقل، هو يسمح لي بحبه.
✎﹏﹏﹏ ❀ ﹏﹏﹏✎
تمدد دوانغ، خالعا جينزه حتى بقي بسرواله القصير فقط. وضعه فوق كرسي، و ترك عينيه تمسحان غرفته الفوضوية، و فكر فجأة في غرفة الشخص الذي كان يقيم عنده لفترة طويلة مؤخرا.
ربما ينبغي عليه القيام ببعض الأعمال الخيرية لموازنة الأمور— بالطبع، كم من ‘الحظ’ استهلك فقط ليجعل تشين يسمح له بالبقاء عنده؟ صدقا، كان ممتنا سرا لأخيه الأكبر لشراء مكان بعيد جدا عن الجامعة— فقد منحه ذلك عذرا للمبيت عند تشين بشكل متكرر. على الرغم من أن سكن جيت كان أقرب، إلا أنه لم يكن ليفكر أبدا في وطئه.
أبيض— أجل، كل شيء في قلبه كان أبيضا نقيا كل يوم. ذلك الشخص.. إنه مهمل للغاية.
“سحقا، قتله صعب كالجحيم،” تمتم الشاب الطويل لنفسه لأنه كان يفكر في أخيه للتو. اللعنة.. فيم يتصل ليوبخني الآن؟
”أهلاً؟ ما الأمر يا (هيا)؟” (أخي الأكبر)
[عد للمنزل أحيانا. كبدك سوف يتلف يا دوانغ.]
“هياااا، أنا مشغول بالدراسة، حسنا؟”
[أليس ذلك لأنك مشغول مع فتاة؟]
“هه.” أمال دوانغ رأسه للخلف و شرب بعض الماء البارد قبل أن يمشي نحو الحوض ليعيد ملء زجاجة الرش. لم يسقِ النباتات في غرفته منذ قرون— هل لا تزال حية حتى؟
[مصادر تفتيشي تخبرني أن هناك شخصا تتحدث معه. من هو؟]
“حسنا، إنها ليست فتاة.”
[أنا أسأل بجدية هنا.]
“مهما كان ما يخبرني به قلبي. إذا كان رجلا، فليكن.”
[لا بد أنه لطيف حقا إذا— أنت هائم به تماما.]
“صدقا يا هيا؟ إنه أكثر إثارة مني.” ضحك بهدوء لنفسه— أجل، أكثر إثارة بالتأكيد. أكثر شحوبا، و بنية أفضل، و وقفة أفضل. و تلك الابتسامة؟ يمكنها أن تقتل.
اللعنة، كان يفكر فيه مجددا.
[ربما أنت زوجته الآن.]
“مستحيل.”
[لا تفسد اسم العائلة.]
“لا أعرف.. إذا لم يكن مهتما بذلك، فأنا موافق.”
[سوف أموت. جديا، أراهن أنك تحبه أكثر من والدينا، هاه؟]
“أنت تبالغ.”
[إليك الأمر— هل يمكنك حتى الفوز بقلبه؟ ركز على ذلك أولا.]
“سحقا، أنت حقا تقلل من شأني يا فونان.”
و أوه أجل— قد يتساءل الناس لماذا يسمى دوانغ و شقيقه يسمى نان. إليكم القصة: كان والدهما عالم آثار، و كذلك والدتهما. كانا مهووسين بالعملات القديمة للأبد. لذا عندما أنجبا أطفالا— بوم، بكرهم كان فونان، و الثاني كان فود دوانغ.
[على أي حال، لا شيء مهم. فقط أخبرك أن تعود للمنزل أيها الكلب.]
“حسنا، حسنا. سآتي قريبا.”
[أحضر (شبه حبيبك) لتجربة طبخ أمي. فقط تظاهر إذا اضطررت لذلك.]
“لا يمكنني التظاهر مع هذا الشخص. أنا جاد.”
[على الأقل اجعله يأتي أولا، يا صاحب الكلام الكبير.]
“أظن أنني تعلمت ذلك منك.”
[يجب أن أركل مؤخرتك.]
ضحك الأصغر بهدوء. و بعد تبادل بضع كلمات أخرى، أغلق الخط. مشى دوانغ عاري الصدر في الغرفة يسقي نباتاته قبل أن يأخذ نفسا عميقا و يبدأ في التنظيف. لقد اعتاد على مكان تشين المرتب تماما، و بالمقارنة، كانت غرفته فوضى.
نظم الكتب و دفاتر الرسم على الرفوف بينما جمع فرش الطلاء الجافة في حوض، و فتح الصنبور لغسلها بعناية، واحدة تلو الأخرى. و بتنهيدة، أدرك أنه مهما كان قدر تنظيفه، شعر و كأنه بالكاد فعل شيئا. لكنه استمر في ذلك، يعمل بثبات حتى قاربت الساعة العاشرة مساءً.
”أوه.” تنهد، و هو يسقط على السرير بأنين طويل. أيا كان من قال إن التنظيف يصفي الذهن فلا بد أنه كان يكذب— هذا لم يزده إلا توترا. الكثير من الأشياء، و لم يمضِ على سكنه هنا حتى عام واحد. ربما يجب أن يطلب من أخيه أن يأخذ بعض أشيائه القديمة للمنزل.
وقعت عيناه الحادتان على غيتار وجده أثناء التنظيف. ربما كان يخص فونان، فقد كان شقيقه يستخدمه لمغازلة الفتيات منذ المدرسة الثانوية. أما دوانغ؟ لم يكن يستطيع عزف وتر واحد. لقد أخبر الجميع أن الرسم هو الشيء الوحيد الذي يجيده.
حسنا… كان هناك شيء آخر يجيده— “سحقا.” —مغازلة تشين.
[انزل.]
“هاه؟”
شتم دوانغ مرارا و تكرارا. في غضون مليون عام، لن يتصل به تشين عشوائيا هكذا. جديا، لا يزال أناس مثله موجودين— شخص غير ملتصق بوسائل التواصل الاجتماعي، يمتلك إنستغرام و لكنه يستخدمه مرة واحدة كل ثلاثة أشهر، و يترك الرسائل في (لاين) دون قراءة لأيام. قد يترك بعض الناس دون رد لمدة شهر. لكن اليوم، شخص مثله اتصل به بالفعل.
”إلى أين أنت ذاهب؟”
[لن يسمحوا لي بالدخول. قالوا إنني بحاجة لبطاقة مفتاح.]
انتظر. تمسك قليلا.
“أنت في سكني؟”
[أجل.]
“هيي، هل أنت بخير؟ سأنزل. هل أنت بخير؟ قف في مكان مشرق.” أمسك الشاب الطويل بقميص عشوائي من خزانته بينما كان يبحث بجنون عن مفاتيحه. لا بد أن تخبطه كان عاليا لأن الشخص على الطرف الآخر قال بهدوء— [أنا بخير. لا داعي للعجلة.]
”بالطبع أنا أهرع. أنت لم تأتِ هنا من قبل. انتظر، حسنا؟ لا تغلق الخط— أنا أدخل المصعد.” ضغط على شفتيه و هو يدرك مدى بطء المصعد. و عندما وصل أخيرا إلى الطابق الأرضي، كان يركض تقريبا ليضع بطاقته عند المدخل. و هناك كان تشين، واقفا مع عبوتين من أرز الدجاج و علبة من الحساء.
”كل.”
“كيف وصلت إلى هنا؟ المكان بعيد.”
“جيت أحضرني.”
“كيف قابلته؟”
“كنت أشتري أرز الدجاج، ثم رأيته، و سألته أين يقع سكنك.”
“و ماذا بعد؟” استغل دوانغ اللحظة بينما كان تشين يفكر و سحب منه أرز الدجاج بسلاسة. عن قرب، كان يستطيع أن يعرف أن الطرف الآخر قد استحم بالفعل— و كان يرتدي البيجامة. لا تخبره أن…
”قال جيت إن المكان بعيد. إذا سمح لي بالمجيء بمفردي، سوف تغضب أنت.”
“لذا، جئت لتأكل أرز الدجاج في سكني؟”
“لا. جئت لأبيت عندك.”
سحقا يا دوانغ. أنت محظوظ بشكل لا يصدق. “هل تحاول قتلي أو شيء من هذا القبيل؟” تمتم برقة و هو يوجه تشين بلطف إلى المصعد و يضغط على زر الطابق العاشر. لاحظ تشين و هو ينظر حوله قبل أن يتمتم— “هذا ليس سكنا. إنه كوندو (شقة تمليك).. و أربع غرف فقط في كل طابق.”
“أجل، أجل، مهما قلت.”
“أي واحدة هي غرفتك؟”
“صفر-اثنين.”
“غرفتك فوضوية.”
”مستحيل. لقد انتهيت للتو من التنظيف. إنه أمر غريب— لا بد أنني شعرت أنك قادم،” قال دوانغ ممازحا بمرح و هو يفتح الباب.
وُضعت عبوات أرز الدجاج الدافئة على طاولة القهوة. نظر تشين حوله، ملاحظا كيف كان كل شيء مقسما بعناية إلى مناطق مختلفة مثل جناح استوديو نموذجي. وقف صاحب الغرفة هناك، يبتسم له بحلم.
”ماذا؟”
“هل جئت لأنك افتقدتني؟”
“…”
“عدم الإجابة يعني نعم.”
و لم يجب تشين. لأن الأمر، حسنا، كان صحيحا.
“إنه شعور غريب.”
“ما هو؟”
“غرفة بدونك فيها.”
أراد دوانغ أن ينهار هناك— و جهه للأرض— و يبكي لأن الكلمات لم تستطع وصف كم هو رائع سماع تشين يقول أشياء كهذه بلهجته الهادئة المعتادة، و كأنها ليست شيئا مميزا.
“مدمن على دوانغ بالفعل.”
“هراء.”
“المجيء من أجل أرز الدجاج— أراهن أنك تجوع كل ليلة.”
“حسنا، إنه لذيذ.”
“هل تريد شيئاً آخر غير الماء؟ لدي عصير فواكه— ربما لم تنتهِ صلاحيته بعد.” استند صاحب الغرفة على باب الثلاجة بينما اختلس الزائر نظرة خلف ذراعه و رصد بيرة.
”سآخذ البيرة.”
“إذا سكرت، سأستغلك.”
“أنا؟ أسكر؟”
“أنا آمل ذلك، حسنا؟ الناس يعيشون على الأمل.”
“فقط أحضرها هنا، أسرع.”
“ابدأ أنت بالأكل أولا.”
“لا.”
ها هو— ذلك الوجه العنيد مجددا. إذا لم يأكلا معا، فلن يأكل.
جلس دوانغ مقابل الفتى الذي كان يمسك بأدواته، ينتظر للبدء في أرز الدجاج. طلب تشين— بدون جلد، كبد إضافي، بدون خيار.
عندما بدأ دوانغ في احتساء الحساء، بدأ الآخر أخيرا في الأكل، صابا صلصة الغمس بعناية فوق أرزه لقمة بلقمة.
صدقا، لم يكن دوانغ جائعا حتى. كان يتظاهر بالأكل فقط حتى لا يشعر الشخص الذي بذل مجهودا لإحضار أرز الدجاج بالسوء.
عندما يتعلق الأمر بـ تشين، كان يريد دائما أن يعطيه الأفضل.
”هل هو جيد؟”
“أجل.”
“تريد المزيد من الدجاج؟”
“أجل.”
“يا سمين.”
“والدك هو السمين.”
”أنا أمزح فقط~” لم يكن سميناً— كان لديه فقط وجنتان لطيفتان. لكن لا يمكنك ممازحته بشأنهما، و إلا ستتعرض للضرب. راقب دوانغ تشين و هو يلتهم الطعام و كأنه لم يره في الساعة الرابعة مساءً— عندما كان قد عزمه بالفعل على نودلز فيتنامية. يا لها من شهية.
”توقف عن النظر إلي هكذا.”
“هكذا كيف؟”
“و كأنك مغرم بي.”
“أوه، إذا أنت تعرف أن هذه هي نظرتي الغرامية؟ هذا يعني أنك تجدني لطيفا سرا أيضا.”
“يا صاحب اللسان الطويل.” حشا تشين ملعقة من الأرز في فم دوانغ، منزعجا من مزاحه الذي لا ينتهي. و هو؟ حسنا، لقد جر نفسه طوال هذا الطريق— أمر مثير للسخرية تماما.
”هيي، وجدت غيتارا.”
“أجل، رأيته. إنه جميل.”
“لم يكن لدي علم— إنه ملك فونان.”
“شقيقك، صح؟”
“أنت تتذكر؟”
“كلا اسميكما غريبان.”
“و اسمك ليس غريبا؟” جعد دوانغ أنفه نحو الفتى الذي يحتسي الحساء.
“ما الغريب فيه؟ إنه فقط تشين.”
“لم أسمع به من قبل في حياتي.”
”في الواقع، له معنيان— تشين يمكن أن يعني (خطأ) أو (جميل).”
أحب دوانغ تعلم أشياء جديدة عن تشين. حتى لو كان مجرد حديث عن أرز دجاج في وقت متأخر من الليل، فقد أحبه. أحب أن تشين بدأ أخيراً يتحدث عن نفسه، لأنه حتى الآن كان دائما هو المستمع فقط.
”يمكن أن يعني شيئا سيئا، أو شيئا جيدا… قالت أمي إنه أمر طبيعي— فكل شخص لديه الخير و الشر فيه. لهذا السبب أُسمى تشين.”
“هذا مميز.”
“أنت متحيز.”
“بالطبع أنا كذلك— أنا أحبك،” ابتسم دوانغ ابتسامة عريضة، مثبتا وجهة نظره بوضع دجاجه الخاص في طبق تشين. لقد أحبه لدرجة أنه سيعطيه كل دجاجه. صدقا، الأكل معه.. لم يكن يحتاج للطعام حتى. لكنه لن يقول ذلك— فسيتعرض للضرب فحسب.
”في البداية، ظننت أنك سميت تشين لأن لديك أصولا صينية.”
“كنت أظن ذلك أيضا.”
“الفتى الصيني~”
“مزعج.”
”واو، لقد أنهيت كل شيء— لم تترك حبة أرز واحدة.” أراد تشين أن يضرب الفتى الذي يمكنه ممازحته حتى بشأن الطريقة التي يأكل بها. لو لم يكن يعرف بالفعل أن دوانغ يحاول مغازلته، لظن أنه هنا فقط ليزعجه. بيديّه الشاحبتين، التقط تشين طبقه الفارغ، و دون أن ينسى، التقط طبق دوانغ أيضا. ألقى نظرة حادة، مشيرا إلى أنه سيغسلهما بنفسه— لا تتدخل. كل ما استطاع دوانغ فعله هو مراقبة الظهر المألوف للشخص الذي بدا له دائما رائعا جدا، و هو يقف هناك يغسل الأطباق بتركيز كامل.
”أنت.”
“ماذا؟”
“أريد أن أراك في هذه الغرفة كل يوم.”
“…”
“أنا أعني ذلك.”
مجرد التفكير في الاستيقاظ في الصباح لرؤية وجه تشين الناعس، و هو يرفض النهوض من السرير، جعله يشعر بالسعادة. و تخيل تناول الإفطار معا كل يوم جعل قلبه ينبض بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
“و أنا أيضا.”
التقى دوانغ بالعين مع الشخص الذي انتهى للتو من غسل الأطباق— و كان يفعل الآن شيئا محببا للغاية، مثل تجنب نظرته بعد اعترافه بأنه يريد رؤيته في الغرفة كل يوم أيضا. نهض الشاب الطويل من الكرسي، و خلع قميصه، و رماه في سلة الغسيل.
مستغلا اللحظة بينما كان أحدهم يخوض معركة داخلية بين جانبه البارد و جانبه الذي يشبه القط، اقترب دوانغ أكثر و ضغط أنفه برقة على كتف تشين، متمتما بنعومة: “سأذهب للاستحمام.”
“مم.”
بينما اختفى ذلك الظهر العريض و العاري عن الأنظار، سقط الرجل ذو البشرة الشاحبة على الأريكة في منتصف الغرفة. أغمض عينيه و أطلق تنهيدة عميقة لأن قلبه كان ينبض بشدة— كان يخشى أن يسمعه الشخص الآخر. كان يعلم أن ذلك غير ممكن، لكنه لم يرد أن يبدو مرتبكا و أخرقا أمام ذلك الوغد الممازح. استقرت يده الرقيقة على صدره، مدركا أن قلبه لم يهدأ إطلاقا— فقط بسبب تلك اللمسة الدافئة على كتفه.
لم يكن هناك الكثير بينهما. الإمساك بالأيدي كان يحدث في مناسبات قليلة فقط، و نادرا ما كان دوانغ يبادر بالتلامس لأنه يعلم أن تشين لديه عادة في الابتعاد. لم يكن الأمر مقصودا— هو فقط لم يعتد على أن يُلمس. لكن ما حدث للتو.. لقد قبل كتفك يا تشين.
سحقا.
“اللعنة.”
شتم نفسه بهدوء، ممسكا برقبة الغيتار ليتفحصه— أي شيء ليبعد عقله عن التفكير. و إلا، ففي اللحظة التي ينهي فيها ذلك الفتى الاستحمام، سيتعرض للمضايقة بلا رحمة. لقد كره ذلك.
دوانغ، الذي استحم بسرعة تثير السخرية، خرج من الحمام بشعر مبلل و منشفة ملقاة على كتفه. كان قد ارتدى ملابسه بالفعل داخل الحمام. اليوم، كان قد مازح تشين بما فيه الكفاية— لم يرد المضي قدما و جعله يتذمر كقط غاضب. ليس لأنه كان خائفا— لقد شعر بالأسف عليه فحسب.
“…”
كانت هذه على الأرجح المرة الأولى التي يرى فيها تشين يعزف على الغيتار. بما أن تشين يدرس الجاز، فإن العمل الذي يحضره للمنزل نادرا ما يتضمن ممارسة الآلات— فهي كبيرة جدا، و عادة ما يتدرب عليها في الحرم الجامعي. عرف دوانغ أن تشين لديه صوت جيد. في الواقع، كان جيدا بشكل لا يصدق— لأن تخصصه كان الأداء الصوتي. لقد كان مغنيا، بحق الإله. لا يمكن أن يكون ذلك عاديا أبدا.
”أنا غارق في حب تلك العينين.. أحب ابتسامتك، أحب الأيام و الليالي.”
أدرك دوانغ أنه يتلقى الرد. التقت نظرات تشين بنظراته، و هو يغني ذلك السطر من الأريكة بعفوية و كأنه لا شيء مميز. لكن لم يكن هناك أي طريق لئلا يكون مميزا— ليس عندما يأتي من الشخص الأكثر تميزا في عالمه. غاص دوانغ في كرسي بعيد قليلا. أراد مراقبة تشين من مسافة— تماما كما يفعل دائما. لأن ذلك ذكره بمدى تميزه ليسمح له بهذا القرب.
”أحب الأوقات التي نلتقي فيها— إنها مثل حلم باهت يتلاشى بعيدا.”
و حينها عرف دوانغ— هذه الأغنية كانت عنه. لا بد أن تكون كذلك. من نظرة عينيه. من الكلمات. من الرسالة الصامتة التي نقلها قلبه.
”في الليالي التي تكون فيها السماء مليئة بالنجوم، هناك زوج من العيون على الأرض يلمع أكثر من غيره.”
و حينها ابتسم دوانغ. أوسع ابتسامة ارتداها يوما— عندما وصل السطر الأخير، مصحوبا بالعزف الناعم على الغيتار. بينهما، كانت أغنية خاصة. و كان متأكدا من ذلك.
”إنني حقا أهيم بتلك العينين..”
عندما ابتسم تشين.
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!