فصل 5: لا أعرف حتى لماذا أحبك إلى هذا الحد

فصل 5: لا أعرف حتى لماذا أحبك إلى هذا الحد

“أليست الزهور تقليدية أكثر من اللازم؟”

“ماذا تريد إذا؟ سلة هدايا مغلفة يا أحمق؟” صرخ جيت في وجه صديقه المقرب. كان دوانغ يفكر طوال الأسبوع فيما سيهديه لـ تشين بعد أدائه الموسيقي غدا، و الذي كان بمثابة اختبار صغير.

كان الأمر يدفعه للجنون— فمهما كان ما يقترحه، لا يبدو أي شيء جيدا بما يكفي.

“إنه لا يحب الزهور.”

“إذا لم أعد أعرف، يا فتى.”

“أنت فظ جدا. و كأنك تطحن الصخور قبل أن تتحدث.”

“أجل، لقد تعلمت منك. هذا مرهق.”

“أنا مرهق أكثر منك. كل فكرة أقترحها، ترفضها. يا له من عناء.” أراد دوانغ أن يموت. استشارة جيت لا تفيد أبدا، و أين ذهب باي بحق الجحيم؟ لقد ظل يترك دوانغ بمفرده مع جيت كل يوم تقريبا.

“أو هل يجب أن ألتقط صورة له و هو يغني و أعطيها له كهدية؟”

“قد ينجح هذا. أنت تصور بأفلام (الفوتوغراف) بالفعل، قد يعجبه ذلك.”

“لكنه ليس من النوع الذي ينشر الصور.”

“إذا لن ينشرها. سيحتفظ بها لنفسه فقط.”

“يبدو ذلك جيدا. سألتقط الصورة، و أعطيه الفيلم، ثم أقترح بعفوية أن نذهب لتحميضه في سيام.”

“اللعنة، هل ستذهب طوال الطريق إلى سيام؟ اهدأ. أنت تعيش في (ثاب كايو)— هناك الكثير من الأماكن لتحميض الأفلام.”

“لقد مللت من (كونثوم). أريد التجول في (باراغون).”

“سوف أصفعك— صفعا، صفعا!” ضرب جيت قبضة يده في كفه و كأنه يوضح مدى رغبته في ضرب دوانغ. بالتأكيد، جيت من بانكوك، لكنه لا يخرج كثيرا مثل الآخرين. بينما دوانغ فتى غني من (ثونغلور)، و تشين؟ هو أيضا من بانكوك، طالب سابق في مدرسة للبنين فقط.

“هيي.”

“ماذا؟”

“هل سبق و أن صادفت تشين من قبل؟ كلاكما كنتما في مدارس (تشاتوراميتر)، صح؟”

“أوه، أجل.” اتسعت عينا دوانغ.

“لقد سئمت من الحمقى. لم تصادفه أبدا، هاه؟”

“أبدا. لو فعلت، لتذكرت. قابلته مرة واحدة فقط في اليوم المفتوح، و اخترت الدراسة هنا بسبب ذلك.” هز جيت رأسه. هؤلاء الناس الذين ينتقلون من مدارسهم لمجرد ملاحقة شخص ما— يجب أن يبلغ عن هذا!

“عندما رأيته مرة أخرى خلال حفل استقبال المستجدين، ذاب قلبي يا جيت. إنه لطيف جدا.”

“إنه وسيم مثير— افتح عينيك! إنه وسيم بشكل يثير السخرية.”

“أعرف، أعرف. لكنه لطيف.. من الداخل.”

“مقرف!”

هز دوانغ رأسه بعنف، موضحا أنه لم يقصد الأمر بهذه الطريقة.

يا إلهي، الحديث مع جيت يجعل رأسه ينبض و كأنه على وشك الإصابة بصداع نصفي. أراد أن يبكي.

“إذا، فكرة الصورة، صح؟”

“أجل.”

“جيد. لننهِ هذا الهراء. لقد ظللت تسأل طوال اليوم، و ترفض كل اقتراح.”

“ألا يمكنني الاعتذار؟”

“لا غفران.”

“أنت بالتأكيد كذلك.” تنهد دوانغ. لا بد أن هذه هي اللحظة التي يخرج فيها صديقه أخيرا عما في داخله.

“أنا كذلك.”

“صح؟ هذا رائع. نحن في العصر الحديث يا رجل.”

“يمكنني أن أكون حبيبك.” دفع جيت رأس دوانغ بكل قوته قبل أن يمشي متبخترا ليبحث عن شيء يأكله. الحديث مع دوانغ عديم الفائدة— إنه رومانسي يائس لا يفكر إلا في تشين طوال اليوم. مثير للشفقة.

“دوانغ!”

“باي! أين كنت بحق الجحيم؟”

“كانت لدي أشياء لأقوم بها. أين جيت؟”

“إنه هناك.”

“آه، حسنا. على أي حال، لقد مررت للتو بـ (موقع المسرح) و رأيت طلاب الجاز يجهزون المسرح.”

“هاه؟ تشين لم يخبرني بشيء.”

“ربما هو مشغول. رأيته يحمل مكبرا للصوت، لكنه بدا في عجلة من أمره، لذا لم ألقِ التحية.”

“حسنا، سأذهب. يجب أن أساعد حبيبي.”

“بالتأكيد يا صديقي. لا توجد مكانة رسمية بينكما، لكن قلبك رحل بالفعل.”

“تبدو مثل جيت. لا أريد التحدث إليك بعد الآن.” هز باي رأسه، و هو يراقب الفتى المتذمر و هو يمشي بسرعة نحو سيارته. قوة الحب دائما ما تحرك هذا الرجل— العاشق رقم واحد في (ناخون باثوم).

“أوه، متى وصلت إلى هنا؟”

“للتو. غادر دوانغ بالفعل— ليرى تشين.”

“مثل الكلب، هاه؟ النوع الذي يحب صاحبا واحدا فقط.”

“أجل، هذا دقيق.”

“مزعج جدا.”

“بالمناسبة، ماذا فعلت لتضايقه؟”

“فقط وبخته. لقد كنت أحدث مفرداتي مؤخرا— أقضي الكثير من الوقت على الإنترنت.”

“تنهيدة، أنا مرهق،” تنهد باي، و هو يراقب سيارة صديقه البيضاء و هي تبتعد عن الكلية. حسنا، ماذا تتوقع من رومانسي يائس، صح؟

كانت سيارة (مازدا) بيضاء متوقفة أمام كلية الموسيقى. لم يكن الأمر لأي شيء آخر— دوانغ فقط لم يستطع الاستقرار على نوع فيلم التصوير. كان يخطط للتسكع و التقاط صور لـ تشين سرا منذ تجهيز المسرح. ربما يلتقط بعض اللحظات العفوية، لكنه سيتظاهر بأنها لجمع صور مرجعية لأعماله الفنية. لم يكن متأكدا مما إذا كان بإمكانه خداع تشين، لأنه كان معروفا بكونه أخرقا.

رفرف قميص الجامعة الأبيض في مهب الريح. نظرت العينان الحادتان إلى ستارة الأشجار التي تحجب السماء الواسعة. كان هذا ما يحبه في كلية تشين. لم يستغرق الأمر طويلا للوصول إلى الساحة حيث قال باي إن طلاب الجاز يجهزون المسرح. رصد دوانغ تشين أولا— ليس لأنه كان شاحبا جدا، و لكن لأن عينيه بدتا و كأنهما تتوجهان إليه تلقائيا.

ضحك دوانغ بهدوء لنفسه عندما رأى تشين يركل ساق صديقه بضيق. في اللحظة التالية، تحولت نظرة تشين ببطء نحوه بينما بدأ أصدقاؤه يتحدثون عن ‘حشرة الحب’. بدا الأمر متبذلا بشكل يثير السخرية، و لكن إذا دعاه تشين— حبيبه المستقبلي— بذلك، حسنا، يمكنه فقط الضحك معهم.

“ما الذي أتى بك إلى هنا يا دوانغ؟”

“أي ريح أتت بي؟ أعطني إجابة مرضية.”

“ما نوع الإجابة التي تأمل فيها؟” مازح دوانغ مجموعة أصدقاء تشين الكبيرة.

“يكفي.”

“هيا، كنت آمل في شيء مثل ريح الحب.”

“اذهب للعمل. الجو يغلي،” قال تشين، و هو يلتفت لينظر إلى دوانغ بحاجب مرفوع، مرتبكا من مدى ابتسامته. تحولت عيناه إلى كاميرا (كونتاكس T2) في يد دوانغ، مما جعله أكثر ارتيابا.

“لا صور.”

“هل أنت مجنون؟ أنا لا ألتقط صورا لك حتى.”

“لا تجعلني أمسك بك.”

“بالطبع لا. و لكن— و لكن— و لكن، أنا لا ألتقط صورا لك. أنا هنا لالتقاط الأجواء من أجل عملي الفني،” قال دوانغ، و هو يراقب تشين و هو يومئ بتفهم قبل أن يعود للتحدث مع أصدقائه حول مكان وضع المعدات. التقط دوانغ بضع صور لـ تشين من مسافة بعيدة، بما في ذلك بعض اللقطات العامة عندما بدا المنظر جميلا.

من خلال الكاميرا، راقب دوانغ تشين و هو يوصل (الباس) بمكبر الصوت لاختبار الصوت. طالت نظراته على العروق الرقيقة التي تمر عبر ذراعي تشين و يديه و هو يعزف لحنا بسيطا. الغرة الطويلة التي تقع على وجهه و ذلك القميص المجعد أصبحا بطريقة ما أكثر جاذبية تحت الضوء الذهبي لغروب الشمس.

أعاد دوانغ الكاميرا إلى جيبه— كان بحاجة لتوفير بقية الفيلم لغد. التقاط الكثير من الصور قد يؤدي للإمساك به، و سيكون ذلك سيئا.

“هل أنت جائع؟”

“ليس بعد،” ضغط تشين على شفتيه، و هو ينظر بين عمله و الشخص الذي وعده بتناول العشاء معه. لم يكن من النوع الذي يجعل أحدا ينتظر، و لم يكن يريد أن يتسكع دوانغ هكذا— و لكن في الوقت نفسه، أراده أن يبقى قريبا. لقد بدأ يفسد.

“هل أنت ملان؟”

“على الإطلاق. هل تحتاج لأي مساعدة؟”

“لا، فقط أحتاج لفحص الأسلاك و الأضواء. ثلاثون دقيقة أخرى.”

“يمكنني الانتظار، لا تبالغ في التفكير.”

“إذا ابقَ قريبا.. أنا متعب.” كان من النادر رؤية تشين يتصرف بتعلق، لكنه استحق ذلك— فقد رأى دوانغ مدى اجتهاد تشين في تجهيز كل شيء خلال الأسابيع القليلة الماضية. أراد أن يبعثر شعره الناعم كنوع من المواساة، لكنه تعلم الآن أن تشين لا يحب أن يُلمس أمام الآخرين.

لذا بدلا من ذلك، مد يده و أمسك بلطف بإصبعي تشين (السبابة و الوسطى)، مقدما ابتسامة.

“هل تشعر بتحسن الآن؟”

” … ”

“لنذهب لتناول شيء لذيذ.”

يقولون إن البعض يتسلق جبالا كاملة فقط ليرى ابتسامة واحدة في القمة.. أو إذا كانت هناك ابتسامة خافتة من تشين على الجانب الآخر من الجدار، يظن دوانغ أن تكريس نفسه و محاولة العبور لن يكون تضييعا للوقت أبدا. تشين قد لا يكون جائزة. بالنسبة له، لم يكن تشين جائزة أبدا.

“فقط تمسك قليلا بعد، يا ذكي.”

بل هدية. هدية ثمينة يعرف أنه يجب أن يعتز بها بكل قلبه.

✎﹏﹏﹏ ❀ ﹏﹏﹏✎

يقولون إن فرصة أن يحبك الشخص الذي تحبه هي واحد في المئة. فما هي فرص أن يرمي الشخص الذي تحبه نفسه بين ذراعيك و يبقى هادئا هكذا لمدة نصف ساعة تقريبا؟

الغرفة ليست هادئة تماما لأنه بمجرد دخولهما، قام تشين بتشغيل مكبر الصوت في منتصف الغرفة. الآن، تلك الغرفة تضم الاثنين فقط، ملفوفين في أحضان بعضهما البعض في صمت. اختفى تشين في الحمام لمدة عشرين دقيقة تقريبا، و خرج بشعر مبلل و قميص بيجامة واسع. تذكر دوانغ أنه كان على وشك أن يسأل عما إذا كان تشين يريد بعض الحليب الدافئ حتى يسخنه، و لكن بدلا من ذلك، سقط الآخر بين ذراعيه كشخص نفدت طاقته.

ضغط دوانغ بأنفه بغير وعي على خصلات شعر تشين الناعمة و الجافة. من الصعب جدا كبح جماح نفسه— مثل الحصول على كعكته المفضلة، القطعة الأخيرة في العالم بأسره، و قد وُضعت أمامه مباشرة. و بحق السماء، يأمل ألا يمانع تشين صوت نبضات قلبه العالية جدا عندما يريح الشخص الآخر وجهه على صدره هكذا.

“تشين.”

“همم؟” أجاب ذلك الصوت الناعم و الكسول. شدد دوانغ فقط من عناقه، ساحبا جسد الآخر النحيل ليقترب أكثر— أنحف مما توقع. أنحف بكثير مما بدا عليه عندما خلع تشين قميصه، و جعله ذلك يرغب في احتضان تشين بقوة أكبر. لكنه كان خائفا من جعل المتذمر يشعر بعدم الارتياح.

“هل تريد التحدث عن أي شيء؟ يمكنني فقط الاستماع.”

“فقط متعب، هذا كل شيء.”

“إذا… هل تريد أي شيء؟”

“غنِ لي أغنية.”

“أنت.. لا يمكنني فعل ذلك.” حبس دوانغ أنفاسه عندما أمال تشين عينيه ليلتقي بنظراته. على الرغم من أن بنيتهما لم تكن مختلفة تماما، إلا أن دوانغ لم يستطع منع نفسه من الشعور بأن تشين كان صغيرا مثل قطة أو جرو. و مهما قال أي شخص آخر، كان يرى تشين دائما كشخص صغير بما يكفي ليحتويه بين ذراعيه. أراد أن يعصره حتى يبكي، و لكن إذا كان هناك من سينتهي به الأمر بالبكاء، فمن المحتمل أن يكون هو. فإما أن يتعرض للكم أو الركل— جديا.

“أسرع.”

“في الواقع، هناك هذه الأغنية التي أحبها حقاً، و لكنني لم أجرؤ أبدا على إرسالها إليك. لم أضفها حتى إلى قائمتي.”

“لماذا؟”

“لأنني خجول.”

“أنت؟ خجول؟”

“أنا دائما خجول حولك. ألا تدرك ذلك؟”

“هل يمكنك غناؤها بالفعل؟”

جعد دوانغ رقبته لأنها كانت تدغدغه عندما أراح تشين ذقنه على كتفه. كان الأمر كله محرجا جدا— و لكن ليس غير مريح. في الواقع، كان هذا أول عناق حقيقي لهما. إذا لم تحسب المرات التي تعانقا فيها بالصدفة أثناء النوم، فأيا كان من يستيقظ أولا سيعرف، و لكن لم يذكر أي منهما ذلك أبدا. لأن الأمر كان غاية في الإحراج. مثلما تقول تلك الأغنية— لا تتفاجأ إذا كنت لا أزال خجولا. أجل.. لا تتفاجأ.

“هل أنت جاد؟”

“توقف عن المماطلة.”

“احم، احم.”

ضغط تشين بذقنه بقوة أكبر على كتف دوانغ، مما جعله يصرخ من شعور الدغدغة، و لكن عندما سرق نظرة إليه، أدرك أن دوانغ لم يكن يماطل حقا— كان متوترا فقط. كانت أذناه تحترقان من الحمرة.

“حتى لو كان العالم قاسيا…”

خبأ تشين وجهه في عنق دوانغ لأنه لم يستطع كبح ابتسامته. كان صوته سيئا كما قال إنه سيكون— خارج اللحن و كل شيء. و لكن اللعنة، كان قلبه ينبض بشدة مما جعله يغضب من نفسه. كل ما استطاع فعله هو الاقتراب أكثر من دفء الشخص الذي يغني له، غير متأكد مما يفعله أيضا.

“لقد مررت بالكثير بمفردي، لقد آلمني الأمر، و لكن لا بأس— حقا.”

إنها أغنية لم يسمعها منذ وقت طويل. أغنية كان يعلم أنها جميلة، و لكنها لم تكن تعني الكثير لقلبه أبدا. ليس حتى سلمها له أحدهم— و غرس فيها معنى جديدا.

“طالما أنني أملكك، أنت فقط.. هذا يكفي. لا أحتاج لأي شيء أكثر.”

في قلبه.

“فقط أنا و أنت.. فقط نحن الاثنين— هذا بالفعل أفضل من أي شيء آخر.”

و هذا صحيح— تماما كما تقول الأغنية. طالما أنه يملك هذا، فهذا يكفي.

“هل تشعر بتحسن الآن؟”

“أكثر قليلا.”

“دوانغ لا يمكنه غناء أغنية أخرى لك. أنا أموت من الإحراج هنا بالفعل.”

يعتقد تشين أنه إذا كانت العلاقات تشبه زراعة شجرة، فمن أجل جعلها تنمو و تزهر، تحتاج أحيانا إلى إضافة القليل من السماد لإبقائها مزدهرة. و يعتقد أن دوانغ يستحق كل شيء.

“أيها المشاكس.. جديا، أنت. سأناديك بذلك من الآن فصاعدا— دائما ما تخطط لشيء ما..”

إذا كانت فرصة أن يحبك الشخص الذي تحبه هي واحد في المئة.. فما هي فرص أن يقبلك ذلك الشخص أولا؟

طالما أنني أملكك.. أنت فقط.

هذا هو السطر من الأغنية الذي تردد في رأس دوانغ عندما انحنى تشين و قبله.

لامست شفاه ناعمة شفتيه في لمسة طويلة، تتحرك ببطء— تماما كما كان يجلس بهدوء، يرسم فراشة على ورق ثقيل. إذا كان عليه أن يلون اللون الأول، فسيكون اللون الأزرق— لأنه في اللحظة التي أغمض فيها عينيه، كان ذلك هو اللون الذي ملأ عقله.

قبلة تشين شعرت و كأنها تحت درجة الصفر، لأنه بينما ذاب قلب دوانغ ليصبح سائلا، قام تشين بطريقة ما بإعادة تشكيله— مرارا و تكرارا— كل نبضة أقوى من التي قبلها. سحب دوانغ تشين ليقترب أكثر من خصره، و هو يشعر بدفء غامر في صدره بينما كان تشين يجلس فوق حجره في وضع جعل أنفاسه تضيق.

“لا تعض.”

“آسف…”

قال دوانغ ذلك بعد أن بادل القبلة و عض شفة تشين بالصدفة— لم يستطع منع نفسه. من أخبره أن يكون بهذا اللطف؟ و لكن مهما يكن— لم يكن دوانغ على وشك إضاعة ثانية أخرى في الضباب الذي جعل قلبه يتسارع هكذا. من يدري كم سيدوم هذا الشعور؟ و هذا هو بالضبط السبب في أنه لم يتردد في ضغط شفتيه على شفتي تشين تماما كما بدا أنه على وشك قول شيء ما.

“مم…”

أطلق تشين أنينا ناعما مقابل فمه. كان الأمر أكثر من اللازم— ساخن جدا. ذلك اللسان الممازح جعل رأسه يدور. لم يظن أبدا أن دوانغ سيقبل جيدا هكذا— أو يكون بهذا التهور. و لكن مرة أخرى، لم يخطط حقا لما سيحدث بعد ذلك بينهما. لأي منهما.

“أنت.. توقف—”

ضغطت يدان دافئتان على خصر الآخر لإيقافه عن الحركة. لم يستطع تشين التحكم في نفسه لأن قبلة دوانغ جعلت من المستحيل عليه البقاء ساكنا، و الصلابة تحت جينز الشخص الذي كان يجلس عليه جعلته يفهم معنى كلمة ‘توقف’. ملأت أنفاسهما الثقيلة الهواء— بصوت عالٍ بما يكفي لطرد الفراشات بعيدا.

لكن تشين عرف.. أنهما سيعودان دائما.

“تحمل.”

“إذا نجحت في تجاوز اليوم، فقد أصل إلى مرحلة الاستنارة.”

شعر وجه دوانغ بالحرارة لأن تشين كان يضحك و عيناه مضيقتان، ليس بعيدا عنه. كانت وجوههما لا تزال قريبة جدا لدرجة أنه إذا تحرك قليلا، يمكنه ضغط أنفه على وجنة الآخر. كان هناك الكثير من الأفكار التي تدور في رأسه— أحدها كان دفع الآخر للأسفل على الأريكة. لكن لا، الأفضل ألا يفعل.

“فتى جيد.”

بالنسبة له، كان تشين يستحق أكثر بكثير من تلك الأشياء.

✎﹏﹏﹏ ❀ ﹏﹏﹏✎

“ما خطبك؟ هذا مكانك المفضل. أنا أتوسل إليك.” أراد جيت أن يصب الماء البارد على الشخص الذي يأكل مثل قطة منتقاة و الذي ظل ينتفض مثل فتاة مرتبكة في كل مرة ينظر فيها تشين في اتجاهه.

“دوانغ، ما خطبك؟ فقط قلها بوضوح.”

“أنا بخير.”

“لست بخير يا عزيزي. أنت لست حتى في وعيك.”

“…” نظر تشين إلى دوانغ، الذي رفض الإجابة و ظل يتجنب نظراته. عندما ضغط عليه جيت مرة أخرى، عبس تجاه تشين، و كأنه يقول إنه السبب في تصرفه بهذه الطريقة. يا له من طفل متذمر.

“هل يمكنني أن أسأل خون تشين شيئا؟ ماذا حدث لقلبك؟ لا يمكنك السيطرة على أي شيء.”

“لا شيء.” عرف دوانغ بالفعل أن تشين لن يتحدث عن القبلة لأي شخص لأنها كانت شخصية للغاية. و هو لن يفعل أيضا— كيف يمكنه قول ذلك؟ السبب في تصرفه الغريب كان كله بسبب تلك القبلة. لم يكن من السهل الجلوس هناك و الحفاظ على تماسكه عندما كان يشعر بعدم الارتياح الشديد. عدم الارتياح.. هناك في الأسفل. هناك في الأسفل T_T.

“حسناً إذا. إذا كنتما تتذمران، فتصالحا بسرعة. دوانغ يتصرف مثل شخص تم خداعه.”

“راقب لسانك يا جيت.”

“هل أنا مخطئ؟ أنت تتصرف بطريقة واضحة جدا.”

“…”

“أو!!” صرخ جيت فجأة. هز تشين رأسه، ضاحكا بهدوء على خيال جيت و هو يشير ذهابا و إيابا بينه و بين دوانغ، و عيناه متسعتان من الإدراك. استغل تشين الفرصة بينما كانا يتجادلان ليضع زلابية جمبري في وعاء الفتى المتذمر. في المقابل، حصل على ابتسامة خجولة جعلت دوانغ يبدو كطفل صغير في عينيه.

“دوانغ هو الزوجة!”

“اخرس يا جيت.”

“أنت تتصرف بريبة شديدة، أرجوك. يمكن للناس أن يعرفوا.”

“يا إلهي، هل يمكننا فقط الأكل بسلام لمرة واحدة؟ لم يكن يجب أن أصادفك خارج سكن تشين.”

“حتى لو لم يدعُني أحد، إذا رأيتكما تجلسان معا، سآتي بالتأكيد!” صدقا، كان دوانغ يعاني من صداع. لم يكن لديه أي فكرة عما أصاب صديقه لجعله بهذا النشاط المفرط. دلك صدغيه قبل أن يأكل نودلز وونتون بالجمبري بهدوء، مع علمه أن الجدال مع جيت هو مضيعة للوقت.

و عندما سكت، بالطبع، حول جيت انتباهه ليزعج تشين بدلا من ذلك.

“خون تشين، هل أنت متحمس؟ غدا يوم كبير.”

“ليس متحمسا حقا— بل متوتر أكثر.”

“يمكنك فعل ذلك! في أي وقت ستؤدي فرقتك؟”

“السادسة مساءً.”

“سأكون هناك بالتأكيد! ما هي الأغاني التي ستغنيها؟ هل يمكنك إخباري مسبقا؟” أومأ تشين برأسه قبل أن يجيب.

“My Cherie Amour. المؤدون الآخرون يقومون بنسخة جاز مع صديقة لي. الأغنية الأخرى هي جاز-بوب— هذه اخترتها بنفسي. النسخة الأصلية تغنيها امرأة. تسمى Cup of Tea.”

ابتسم دوانغ لنفسه. لقد أحب عندما يتحدث تشين عن الموسيقى لأنه يسترسل فيها، مليئا بالشغف. صدقا، لم يستطع الانتظار للغد— ستكون المرة الأولى التي يرى فيها تشين يؤدي بجدية على المسرح. فتاه الموهوب.

“الأغنية الأخيرة هي لـ (توم ميش). اخترت هذه لأن لها إيقاعا مميزا. يمكن للجمهور أن يتمايل معها. سحر موسيقى الجاز يكمن في الارتجال و خيال الموسيقيين و المغنيين في تلك اللحظة— دفعها إلى أقصى حد ممكن. إنه أمر مثير. يبقيك على حافة الهاوية، متسائلا عما سيحدث بعد ذلك.”

“أريد أن أكون زوجتك.”

“انتظر، انتظر.” ضحك تشين بهدوء لأن جيت كان يريح ذقنه على يده، و ينظر إليه بحلم قبل أن ينطق بذلك. لكن لم يستغرق الأمر طويلا قبل أن يضربه دوانغ على رأسه، و بدأ في الجدال مرة أخرى.

انتهت الوجبة في فوضى عارمة لأنهما لم يتوقفا عن المشاحنة. تبع تشين ببساطة دوانغ، الذي مد يده ليمسك بمعصمه و كأنه خائف من الضياع، كل ذلك بينما كان لا يزال يشتم صديقه.

“أنا لست خائفا منك يا دوانغ.”

“لا تعبث مع تشين مجددا.”

“يمكنك سباق القوارب، لكن لا يمكنك سباق القدر— لا تحلم حتى.”

“انظر إلى جيت، جديا.”

المتذمر رقم واحد. هز تشين رأسه، ساخطا من الشخص الذي بدا ناضجا فقط من الخارج. و قبل أن يدرك، كانا قد وصلا بالفعل إلى السكن. استغرق الأمر بعض الجهد للافتراق أخيرا عن جيت، الذي استمتع بوضوح باستفزاز دوانغ. و هذا الفتى— هو حقا لا يمكنه تحمل حتى أدنى مزاح.

“جيت كان يمزح فقط.”

“حسنا، أنت الشخص الوحيد الذي أملكه— بالطبع أنا متملك.”

“من المضحك كيف أنك لست خجولا عندما يتعلق الأمر بهذا، هاه؟” مازح الشخص الذي يضغط على زر المصعد القريب. التفت دوانغ لينظر إليه، و أذناه محمرتان، ثم عاد ليكون نفس الشخص الخجول الذي لا يزال عالقاً في تلك القبلة.

“ربما يجب أن أفعل ذلك مرة أخرى— فقد يعالجك. تظهر عليك أعراض خطيرة يا صاح.”

“أنت! كيف يمكنك حتى قول ذلك؟ افعلها مجددا. دوانغ يموت هنا!”

“مثير للشفقة، مجرد كلام.”

“و ماذا لو كنت جيدا حقا— هل تريد أن تكتشف؟”

“…”

“ما الخطب يا سيد موهوب؟ أم تريد اختبار ما إذا كان هناك شيء أفضل من مجرد الكلام؟”

وجد تشين نفسه محاصرا في زاوية المصعد. شكر لرب أنه لم يكن هناك أحد آخر بالداخل. و حتى مع وجود كاميرا المراقبة هناك، لم يتوقف هذا الفتى الذي لا حياء له عن ممازحته. أجل، لقد فهم الآن تماما معنى أن يكون محرجا هكذا. ما الذي يمكن أن يكون أفضل من الكلام؟ هذا الوغد..

“تراجع.”

“أنت مرتبك تماما— يمكنني أن أعرف.”

“توقف عن المزاح— هذا هو المصعد.”

“إذا، هل هو لا بأس إذا كان في الغرفة؟”

“أنت لا تصدق.” قبض تشين قبضتيه بإحكام. العب مع الكلب، و سيلعق وجهك. حقا لم يكن يجب أن يعبث معه— فقد جعله ذلك أكثر جرأة فقط.

✎﹏﹏﹏ ❀ ﹏﹏﹏✎

“هيي، لننظف أسناننا.”

نظر صاحب الغرفة إلى الشخص الذي يرتدي بيجامته الآن. استحم للتو، لكنه لا يزال يجر نفسه لتناول وجبة في وقت متأخر من الليل معه. لقد أصبح من المعتاد الوقوف جنبا إلى جنب هكذا، ينظفان أسنانهما معا. أخذ تشين معجون الأسنان الذي قدمه له دوانغ و هو على وشك وضع فرشاة الأسنان في فمه، مفكرا في نفسه— ما الذي سيتطلبه الأمر لمواصلة رؤية انعكاسنا معا في هذه المرآة، مرارا و تكرارا؟ كيف يمكنه تحقيق ذلك؟

“تشين، ركز و أنت تنظف أسنانك.”

“كثير الكلام.”

“سأجعلك تنظف أسنانك بشكل صحيح— لا تكن كسولا.”

ما الذي سيتطلبه الأمر لإبقائهما معا، و هو لم يكن جيدا في التمسك بأي شيء؟

“دوانغ.”

“أجل؟”

“هل تريدني أن أغير أي شيء… أعني، إذا كان ذلك سيجعلنا أفضل؟”

جعد الشخص الذي سُئل حاجبه. تحولت نكهة النعناع الباردة في فمه إلى شيء آخر عندما سمع النبرة غير الواثقة في صوت تشين. يقولون إن الكلمات هي أصل كل سوء فهم.

“و الآن، أليس الأمر جيدا بالفعل؟”

أدرك تشين أن الرغبة في امتلاك بعضهما البعض لفترة طويلة قد تبدأ بالانفتاح حول الأشياء التي تجعلك تشعر بالخجل الشديد أو الحياء الشديد من قولها— سواء كان ذلك بدافع الكبرياء أو لمجرد عمرهما. و لكن إذا استطاعا تجاوز ذلك.. سيكون الأمر أفضل.

“ليس الأمر هكذا.”

“…”

“من لا مكان، فكرت فقط.. إذا لم أعد أملكك يوما ما، كم سيكون ذلك سيئا؟ و كيف يمكنني التأكد من أنني سأملكك لفترة طويلة؟”

“ستملك دوانغ دائما.”

خفض تشين نظره إلى أرضية الحمام. شعر بضعف أكثر من المعتاد— ربما بسبب العمل، ربما لأن علاقتهما كانت تمضي قدما بينما كان قلبه لا يزال قلقا بشأن اليوم الذي قد يتألم فيه. بينما الحقيقة هي، مهما كانت الأشياء جيدة— سيكون هناك ألم. ستكون هناك أخطاء. سيكون هناك سقوط.

“لا يمكنني ضمان أن الأمر سيكون جيدا دائما.”

لكن كان عليهما النضج.

“و لكن يمكنني ضمان أنك ستملكني.. و مهما ساءت الأمور، سأظل هنا معك.”

“أجل.”

“هل يجعلك هذا تشعر بتحسن؟”

“إنه أفضل. و ماذا عنك؟”

يبتسم البعض عند سؤالهم سؤالا بسيطا كهذا— سؤال يعني حقا أن الشخص الآخر يهتم أكثر مما يظهر. على الرغم من أن تشين غالبا ما كان يظهر بمظهر قوي، إلا أن دوانغ عرف في أعماقه أن هذا كان بالفعل شيئا مميزا. لقد كان مميزا جدا بالفعل.

“بالطبع، لا بأس. كل شيء كان على ما يرام منذ اليوم الذي أخبرتني فيه أن استمر في المحاولة حتى تقول نعم.”

“لا تزال تتذكر ذلك؟” تمتم الرجل ذو البشرة الشاحبة في بيجامته المفضلة بكسل و هو يبدأ أخيرا في تنظيف أسنانه.

“أتذكر كل شيء عنك. صدقا، كنت خائفا كالجحيم في ذلك اليوم.”

“هذا و أنت خائف؟”

“لقد تدربت أمام المرآة لمدة شهر كامل.”

“ما الذي أعجبك فيّ إلى هذا الحد أصلا؟” ضحك دوانغ، و صوته يمازح.

“سؤال جيد. أنا لا أعرف حتى ما الذي جعلني أحبك إلى هذا الحد.”

“لكن صدقا… قد أفهمك.”

نظر الرجل ذو الشعر البني ذو العينين الممازحتين إلى الآخر عبر المرآة. تلامست أصابعهما الصغيرة بخفة تحت ضوء الحمام الخافت بينما وقف الشابان الطويلان جنبا إلى جنب، ينظفان أسنانهما معا— تماما مثل كل يوم مضى.

“لأنني أسأل نفسي نفس الشيء كل يوم.”

“…”

“أنا لا أعرف ما الذي جعلني أحبك إلى هذا الحد أيضا.”

إعدادات القراءة

مظهر الخلفية
حجم الخط
20px
محاذاة النص
نوع الخط

تعليقات الفصل

0

0 تعليقات

الأحدث الأكثر شعبية

كن أول من يعلق على هذا الفصل!