اشتدّ الوخز المريب في أنف بليس، فشَمَّ قليلاً دون قصد. لاحظ كوي ذلك فارتبك. أخرج بسرعة منديلًا من صندوق السيارة وبدأ يمسح وجه الطفل برفق.
— أوه يا إلهي… — تنفّس إيشلي بصوت منخفض ومخنوق.
تجمّعت الدموع في عيني بليس وبدأ الطفل يئنّ بهدوء وهو نائم.
— ما به؟ هل يرى حلمًا سيئًا؟ — تمتم كوي بقلق. واصل مسح دموعه بلطف دون أن يبعد نظره عن وجه ابنه القَلِق. لكن بليس، رغم بقائه في حالة نصف وعي، استمر في البكاء.
«لقد أحببتك كثيرًا.»
انقبض صدره بألم. لم يشعر في حياته قط بهذا القدر من الحزن الذي لا يُحتمل.
«كلماتك اللطيفة، يداك الحنونتان، ابتسامتك… هل كان كل ذلك كذبًا؟»
«لن أنسى هذا أبدًا.»
بينما كان يواصل الاختناق بالبكاء، أقسم بليس في داخله:
«أيها الوغد. لن أسامحك أبدًا. سأنتقم منك بالتأكيد.»
«…بالتأكيد.»
وبدون أن يشعر، غرق بليس في نوم عميق. وعندما لاحظ كوي وإيشلي توقف البكاء وتحول إلى تنفس هادئ، تنفّسا الصعداء.
بعد قليل، استقلّوا طائرة خاصة وغادروا إنجلترا.
—
❈ ❈ ❈
— …ممغ…
أطلق كاسيان أنينًا خافتًا وهو يفتح عينيه. مرّ يوم كامل منذ رحيل عائلة ميلر. شعر بضعف غير معتاد في جسده، فجلس على السرير بصعوبة وبقليل من التمايل.
ساد الصمت التام الغرفة. يبدو أنه أمر الخدم بعدم إزعاجه حتى يناديهم بنفسه، فامتثلوا ولم يدخلوا.
كما أن ذلك الصبي المزعج اختفى أيضًا.
نظر كاسيان حوله دون وعي، ولم يجد أحدًا كما كان متوقعًا. لا أحد خلف الستائر، لا أحد يتنفس على صدره. وعندما تأكد أنه وحده تمامًا، أدرك الواقع أخيرًا.
«…أحتاج ماء.»
مدفوعًا بالعطش، نهض ببطء واتجه إلى الطاولة. شرب كوب ماء دفعة واحدة. ساعده الماء الدافئ على استعادة وعيه قليلًا.
— …هاه.
زفر بعمق واتجه نحو الحمّام بخطوات غير ثابتة.
«ما الذي حدث لبليس؟ هل تحسّن؟»
قبل أن يفقد وعيه، سمع أن إيشلي ميلر غادر البلاد. وعندما نظر إلى التاريخ في هاتفه، أدرك أن وقتًا كافيًا قد مرّ وأن كل الفوضى يجب أن تكون انتهت.
غسل وجهه بالماء البارد، محاولًا التخلص من آثار الحمى. رفع رأسه… وتجمّد.
حدّق في انعكاسه بصمت حتى قطع رنين الهاتف الصمت فجأة.
— نعم، أمي.
استغرقه الأمر لحظات قبل أن يرد. سألت والدته عن مكانه فورًا.
— أنا في غرفتي. هل حدث شيء؟
لاحظت الدوقة نبرة الإرهاق في صوته.
— أنا من يجب أن أسألك. هل أنت مريض؟ هل أستدعي طبيبًا؟
— لا، أنا بخير. فقط متعب قليلًا. ماذا تريدين؟ كنت سأستحم.
— آه… حسنًا. — توقفت قليلًا ثم قالت: — جاء السيد ميلر والسيد نايلز وأخذوا بليس. يبدو أنهم عادوا إلى وطنهم.
توقفت يد كاسيان في شعره المبلل.
— …فهمت.
تابعت والدته دون أن تلاحظ شيء:
— يبدو أنها كانت حالة “تجلّي”. لو كان الصبي واعيًا لودعناه بشكل طبيعي، لكنه كان نائمًا طوال الوقت… عائلة ميلر من سلالة قوية، لذا يعرفون ما يفعلون. نحن لا نفهم هذه الأمور.
— لنكمل الحديث لاحقًا، أمي. أحتاج للاستحمام.
أنهى المكالمة بسرعة.
وقف كاسيان يحدّق في الفراغ.
«رحل.»
شعر بفراغ غريب في صدره.
«كنت أريد أن أكون ألطف معه… أن أعتذر.»
لكن بليس رحل. وربما لن يعود أبدًا.
لماذا يشعر بهذا الطعم المرّ، رغم أنه كان يريد هذا في الأساس؟
«كاسيان!»
التفت بسرعة عندما خُيّل له أن أحدًا يناديه… لكن لا أحد كان هناك.
— هاا…
تنفّس بعمق آخر، واقفًا بلا حركة، بينما صورة الطفل المبتسم ترفض مغادرة ذهنه.
—
❈ ❈ ❈
— أوووه…
فتح بليس عينيه ببطء وهو يتأوه.
«أين أنا؟»
رأى وجوهًا مألوفة للغاية أمامه.
— بليس! استيقظ! — صرخ غرايسون.
— ابتعد! دعني! بليس، كيف حالك؟ — قالت ستيتسي وهي تدفعه.
— كم تساوي 2×2؟ جاوب! — صرخ غرايسون.
— انظر هنا! كم إصبع هذا؟ — أضافت ستيتسي.
بدأ الاثنان يتشاجران بعنف.
— توقفوا.
تنهد ناتانيل وسحبهم بعيدًا.
— تصرفكم مثل الحيوانات.
— هي تستفزني!
— اضربها إذًا!
— افعلها!
لكن غرايسون تراجع في النهاية.
كان تشيز يراقب بليس بقلق.
— هل أنت بخير؟
أومأ بليس ببطء، لكن قبل أن يجيب، حمله ناتانيل بسهولة.
— يجب أن نغسله ونطعمه.
— وااا!
إعدادات القراءة
تعليقات الفصل
00 تعليقات
كن أول من يعلق على هذا الفصل!